ملخص
في هذا التقرير تكشف "اندبندنت عربية" كواليس تجهيز غرف الشنق وتشكيل وحدات سرية للتنفيذ، وكيف يخطط الكنيست للالتفاف على القانون لإعدام معتقلي السابع من أكتوبر.
في المكان نفسه الذي نفذت فيه إسرائيل حكم الإعدام شنقاً الوحيد في تاريخها، بدأت بتجهيز سجن الرملة كمركز رئيس لتنفيذ عقوبة الإعدام التي أقرتها حديثاً للف حبال المشنقة على رقاب الأسرى الفلسطينيين في سجون تل أبيب الذين ينتظرون محاكمتهم.
سابقة تاريخية
عام 1962 أعدمت إسرائيل الضابط النازي البارز أدولف أيخمان الذي كان أحد المسؤولين الأساسيين عن تنظيم الحل الأخير (إبادة اليهود في أوروبا)، بعدما اختطفه الموساد من الأرجنتين وجلبه إلى تل أبيب للمحاكمة.
أعدم أيخمان شنقاً وهي المرة الوحيدة التي نفذ فيها حكم إعدام مدني في تاريخ إسرائيل، إذ لا تطبق تل أبيب عقوبة الإعدام في قوانينها الجنائية العادية، لكن في ذلك الوقت استندت المحكمة حينها إلى قانون خاص يسمى "قانون محاكمة النازيين ومعاونيهم"، وبموجبه فإن عقوبة الإعدام وجوبية لمن يدان بجرائم ضد الشعب اليهودي.
تم تنفيذ عقوبة الإعدام في حق أيخمان في سجن الرملة، وكرمزية للمكان تعمل إسرائيل الآن على تجهيز الموقع كمركز رئيس لتنفيذ العقوبة التي أقرتها وتستهدف الأسرى الفلسطينيين فقط، وخلف ذلك رسائل ومعان.
قانون الإعدام جاهز
في الـ30 من مارس (آذار) الماضي صادق الكنيست الإسرائيلي نهائياً على قانون "عقوبة الإعدام للإرهابيين" الذي شاع في الأوساط العربية والفلسطينية باسم "قانون إعدام الأسرى"، ويفرض عقوبة الإعدام بالشنق كحكم تلقائي لمن يدان بارتكاب هجمات قاتلة تستهدف إسرائيليين.
يطبق هذا القانون على الفلسطينيين فقط، ولا يسري على الإسرائيليين حتى لو ارتكبوا جرائم مشابهة، وتصدر الأحكام من دون الحاجة إلى إجماع هيئة القضاة، وينفذ الحكم خلال 90 يوماً من تاريخ صدوره، مع حرمان المحكوم عليه من الحق في طلب العفو.
وفور تحول مسودة الإعدام لقانون نافذ بدأت إسرائيل في تجهيز غرف الشنق واختارت المكان نفسه الذي أعدمت فيه أيخمان لتنفيذ الحكم نفسه على الفلسطينيين، وعملت على تجهيز غرفة مخصصة مزودة بمنصة ورافعة ميكانيكية للشنق، مع عزلها صوتياً وأمنياً عن بقية أقسام سجن الرملة.
الحجة التاريخية هي الدليل
يقول الباحث في التاريخ خليل شرشرة إن القياس على أيخمان هو الحجة القانونية والتاريخية الأقوى التي يستخدمها المؤيدون للإعدام، وبما أن القانون لا يسري على المحكومين السابقين، فإنه يبدو خلق خصيصاً لمحاكم المعتقلين الذين ألقت إسرائيل القبض عليهم في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
في ذلك اليوم، تمكنت عناصر النخبة في حركة "حماس" وبعض الفصائل الأخرى، من اجتياز الحدود الفاصلة بين غزة وإسرائيل ونفذت في الأراضي العبرية عمليات اقتحام عسكرية، وعندما أدركت تل أبيب الحدث وحركت قواتها، تمكنت من إلقاء القبض على بعضهم.
بحسب التقديرات الإسرائيلية، فإنه تم إلقاء القبض على نحو 2500 شخص ممن شاركوا في الهجوم ودخلوا من قطاع غزة في ذلك اليوم، ومنذ ذلك التاريخ يقبعون في السجون من دون محاكمة، إذ تصنفهم تل أبيب "مقاتلين غير شرعيين" لكنها بعد إقرار عقوبة الإعدام تستعد لمحاكمتهم وشنقهم.
يضيف شرشرة "تصف إسرائيل ما حدث في السابع من أكتوبر بالإبادة الجماعية للشعب اليهودي، وتربط ما حدث مع قصة أيخمان، إذ يجادل القانونيون والسياسيون المؤيدون للإعدام بأن أحداث السابع من أكتوبر يجب أن تكيف قانونياً بالطريقة نفسها".
يوضح شرشرة أن في إسرائيل يزعمون أن هجوم السابع من أكتوبر لم يكن إرهاباً عادياً، بل كان محاولة لإبادة اليهود بناءً على هويتهم، وهو ما يتطابق مع تعريف الجرائم ضد الشعب اليهودي، وكان أكبر مجزرة ضدهم منذ الهولوكوست، ومن ثم يرون أن الرد القانوني يجب أن يكون بالمستوى نفسه.
ويشير شريرة إلى أن إسرائيل تساوي معتقلي السابع من أكتوبر بالنازيين، لتنزع عنهم الصفة الإنسانية والسياسية حتى يصبح إعدامهم في نظر المجتمع الإسرائيلي والمنظومة القانونية واجباً أخلاقياً لا يخضع للنقاش حول حقوق الأسرى أو المواثيق الدولية.
تجهيزات
فور اعتماد القانون، بدأت تجهيزات الإعدام، إذ شكلت مصلحة السجون وحدة سرية صغيرة تضم عدداً محدوداً من الضباط، تلقوا تدريبات تقنية ونفسية حول إجراءات تنفيذ عقوبة الشنق، كذلك وضعت مسودة لبروتوكول أمني يحدد كيفية نقل المحكوم عليهم من زنازينهم إلى غرف التنفيذ.
وكذلك خصصت أجنحة معينة داخل سجون مشددة الحراسة كزنازين انتظار للمحكومين بالإعدام، وهي زنازين انفرادية تماماً مزودة بكاميرات مراقبة تعمل على مدى الساعة لمنع الانتحار قبل التنفيذ.
في الواقع، تعد التجهيزات الإسرائيلية سريعة، لكن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يحاول أن يجعل الأمر واقعاً بحيث تكون البنية التحتية جاهزة فور انتهاء المحاكمات الخاصة بالسابع من أكتوبر، لقطع الطريق على أي ضغوط سياسية قد تحاول تأخير التنفيذ.
يقول بن غفير "لقد وجهت مصلحة السجون بإعداد غرف خاصة وتجهيز المشانق، هؤلاء المعتقلون يجب ألا يخرجوا أحياء، والعدالة ستبدأ بحبل المشنقة، لا نحتاج إلى انتظار أعواماً لقد بدأنا بتدريب الفرق التي ستنفذ الأحكام، وسجوننا ستكون المحطة الأخيرة في حياة كل مخرب شارك في السابع من أكتوبر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما رئيس لجنة الأمن القومي بالكنيست تسفيكا فوغل فيقول "التشريع يسير جنباً إلى جنب مع التحضير الميداني، نحن نعد الأرضية القانونية واللوجستية، القانون يعطي التفويض، ومصلحة السجون تعد المشنقة، لقد حان الوقت ليرى العالم مشانق العدالة وهي تقتص ممن ذبحونا، والحكومة لن تتراجع عن توفير كل الإمكانات لتنفيذ ذلك".
هل ينطبق القانون على معتقلي السابع من أكتوبر؟
لم تبدأ إسرائيل بمحاكمات جنائية واسعة النطاق للمعتقلين الغزيين المتهمين بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر، إذ يخضع هؤلاء المعتقلون في سدي تيمان لإجراءات قانونية استثنائية، فهم محتجزون بموجب قانون حبس المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002، على أن يتم محاكمتهم قريباً علناً أمام محاكم عسكرية خاصة.
لكن بعد تفحص قانون الإعدام فإنه من المفترض ألا ينطبق على معتقلي أحداث السابع من أكتوبر، لأنه لا يسري بأثر رجعي على أحداث وقعت قبله، لكن لمراوغة ذلك قررت الحكومة الإسرائيلية إنشاء منظومة قضائية خاصة لمحاكمة نخبة "حماس".
يقول أستاذ القانون أحمد إكي "إقرار قانون الإعدام العام ليس مجرد تشريع لحالات مستقبلية، بل يهدف إلى تحقيق نقاط عدة تمهد الطريق لإعدام معتقلي السابع من أكتوبر، وهذا هو المنطق السياسي والقانوني الذي يتبعه اليمين المتطرف في إسرائيل".
يشرح إكي "مع إقرار الإعدام تكون إسرائيل كسرت المحرمات القانونية إذ لأعوام طويلة كانت تتجنب هذه العقوبة، وبعد تشريعها، تكون كسرت الحاجز النفسي والقانوني، وجعلت فكرة الإعدام جزءاً مقبولاً ومشروعاً في النظام القضائي الإسرائيلي الحالي"، ويضيف "بوجود قانون عام للإعدام، أصبح من السهل جداً على الكنيست تضمين عقوبة الإعدام كبند أساس ومسلم به داخل قانون المحكمة الخاصة بالسابع من أكتوبر، فالحجة الآن هي إذا كان الإعدام متاحاً لمن يقتل إسرائيلياً اليوم، فمن باب أولى أن يطبق على أحداث هجوم أكتوبر".
ويوضح إكي أنه من خلال وجود قانون إعدام ساري المفعول في الدولة، يسهل قانونياً صياغة تشريعات خاصة للالتفاف على الأثر الرجعي، إذ يمكن أن تقتبس تل أبيب العقوبات نفسها لمحاكمة نخبة "حماس" من دون أن يبدو الأمر وكأنه اختراع لعقوبة جديدة لم تكن موجودة.
يعتقد أستاذ القانون أن العقوبة صممت خصيصاً لمعتقلي السابع من أكتوبر، إذ طرح القانون وتم تسريع التصويت عليه في الكنيست تزامناً مع ذروة التحقيقات معهم ليكون الحل الجاهز فور بدء محاكمتهم، لافتاً إلى أن قانون الإعدام كان بمثابة المقدمة التشريعية الضرورية لشرعنة إعدام معتقلي السابع من أكتوبر لاحقاً، وتفادي الطعون القانونية التي قد تظهر لو تم إقرار الإعدام لهم بشكل منفرد ومفاجئ.
محاكم عسكرية خاصة
حالياً تضع إسرائيل اللمسات الأخيرة على مشروع قانون لإنشاء محكمة عسكرية خاصة، مخصصة حصرياً لمحاكمة المشاركين في أحداث هجوم السابع من أكتوبر، تختلف عن النظام القضائي العادي في إسرائيل، ويمكنها توجيه تهم الإبادة الجماعية: يتيح القانون توجيه تهم الإبادة الجماعية والإرهاب وقتل المدنيين ومن يثبت عليه يعاقب بالإعدام.
في هذه المحكمة يسمح بالانحراف عن القواعد المعتادة لقبول الأدلة وإجراءات المحاكمة الجنائية، وذلك لتسهيل الإدانة نظراً إلى صعوبة جمع الأدلة التقليدية أثناء الحرب، كما يمكن فيها إصدار حكم الإعدام بموافقة أغلبية القضاة فقط، من دون الحاجة إلى إجماعهم.
يؤمن المشرعون الإسرائيليون أن حجم أحداث هجوم أكتوبر يتطلب إطاراً قانونياً فريداً، لذلك صممت المحكمة الخاصة بهدف إنزال عقوبة الإعدام في حق المتورطين في أحداث ذلك اليوم، يقول بن غفير "إقرار قانون الإعدام هو الخطوة الأولى والغطاء الشرعي الذي يمهد الطريق للمحكمة الخاصة بمعتقلي السابع من أكتوبر لتبني العقوبة ذاتها، من يقتل إسرائيلياً مصيره الموت بغض النظر عن تاريخ الفعل".
الـ2500 شخص الذين اعتقلتهم إسرائيل في السابع من أكتوبر ليسوا جميعهم أعضاء نخبة "حماس" بل هم مزيج من فئات عدة بينهم عناصر فصائل أخرى وسكان ومدنيون من غزة، إذ بحسب تقديرات مصلحة السجون الإسرائيلية هناك 250 من المعتقلين الذين ينتمون فعلياً إلى وحدة النخبة، وهؤلاء هم الذين قد يشملهم قانون الإعدام شنقاً.
كأنه خصيصاً لنخبة "حماس"
لا تخفي إسرائيل أن قانون الإعدام جاء ليستهدف نخبة "حماس"، يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "هؤلاء الوحوش لا يستحقون الحياة، وسنعمل على إرساء منظومة قضائية تضمن إنزال أقصى العقوبات في حقهم، بما في ذلك الإعدام، المحكمة الخاصة التي سننشئها سيكون هدفها محاسبة كل من شارك في السبت الأسود، والقانون سيأخذ مجراه الصارم".
أما بن غفير فيقول "قانون الإعدام هو الرد الأخلاقي الوحيد على مجزرة السبت الأسود، ويجب أن يُطبق عليهم من دون رحمة، يجب أن تمتلئ المقابر بهؤلاء، لا السجون التي تكلف الدولة أموالاً ليعيشوا فيها".
إضافة إلى ذلك يقول سفير إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة داني دانون "العالم يجب أن يفهم أن ما حدث في السابع من أكتوبر ليس إرهاباً عادياً، بل هو إبادة جماعية عقوبتها في قانوننا هي الإعدام، وسنطبقها".
هل التوقيت ذكي؟
اقتنصت إسرائيل وقتاً ذكياً لإقرار قانون الإعدام، إذ انتظرت حتى خلا الميدان من الرهائن وتراجعت قدرة "حماس" على الرد الانتقامي المباشر، لتقوم بفرض القانون الذي تعتبره الخاتمة الانتقامية لأحداث السبت الأسود.
يقول الباحث السياسي صبحي صالح "التوقيت مدروس لضمان الحد الأدنى من التبعات، أغلق ملف الرهائن رسمياً إذ استعادت إسرائيل جميع المحتجزين الأحياء وجميع جثامين القتلى، هذا الأمر منح تل أبيب حرية حركة قانونية لم تكن تملكها من قبل، إذ فقدت 'حماس' أهم أوراق قوتها".
رداً على قانون الإعدام أصدرت المنظمات الحقوقية تحذيرات من إعدام معتقلي هجوم أكتوبر، بحسب منظمة العفو فإن القانون "عقوبة قاسية وغير إنسانية تهدف إلى الانتقام السياسي"، أما "هيومن رايتس ووتش" فقالت "إنشاء محاكم خاصة لإصدار أحكام إعدام بالغالبية البسيطة هو هدم لأسس العدالة الدولية".
يقول مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك "هذا القانون لا يتفق تماماً مع التزامات إسرائيل الدولية ويرفع من خطر تنفيذ عمليات إعدام غير مشروعة"، وتقول مديرة مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان سحر فرنسيس "هذا قانون فاشي ويحول الإعدام الميداني إلى إعدام قضائي مشرع".
"حماس" غاضبة والسلطة الفلسطينية ترفضه
بعد اعتماد قانون الإعدام بدت "حماس" غاضبة جداً، إذ اعتبرت إقراره بمثابة إعلان حرب جديد، يقول مسؤول ملف الأسرى في الحركة زاهر جبارين "فيه تجاوز للخطوط الحمراء، إسرائيل ترتكب حماقة كبرى، وإقدامها على إعدام أي أسير سيفتح أبواب الجحيم وسيقابل بردود غير مسبوقة في كل مكان"، ويضيف "القانون عنصري بامتياز ويهدف إلى التغطية على الفشل العسكري والاستراتيجي الذي مني به الجيش، حياة جنود وضباط تل أبيب في كل مكان لن تكون آمنة إذا نفذت أحكام الإعدام، واهمة تل أبيب إذا ظنت أن غياب أسرى يهود في قبضتنا اليوم يمنح مشانقه الشرعية أو الأمان".
السلطة الفلسطينية أيضاً لم تلتزم الصمت، يقول مدير هيئة شؤون الأسرى والمحررين قدورة فارس "إسرائيل تريد تحويل قاعاتها القضائية إلى مقصلة لإعدام مناضلينا، مستغلة غياب الرقابة الدولية وظروف الحرب، هذا القانون يستهدف كسر إرادة الأسرى لكنه سيفشل، القانون انتقام سياسي بامتياز لا علاقة له بالعدالة".