ملخص
يواجه تحقيق المخطوطات والموسوعات التراثية ونشرها في العالم العربي أزمات متعددة وإشكاليات متشابكة، أكاديمية ومادية، أدت في مجملها إلى انحسار حركة التدقيق والنشر بمواصفاتها العلمية والمنهجية الصحيحة. وتسود حال من العشوائية بتكرار نشر مخطوطات محققة من قبل من دون أي جهد جديد، وانتشار السطو والتزوير، وترويج مخطوطات محرّفة، مما يقتضي إيجاد حلول عملية.
تتفاقم مشكلات تحقيق المخطوطات والموسوعات التراثية ونشرها في العالم العربي، فمن جهة تقل يوماً بعد يوم الموازنات الحكومية التي تخصصها المؤسسات الرسمية لدعم التحقيق والنشر، وتسحب دور النشر الخاصة الحريصة على الجودة يدها من المجال الوعر الذي يقتضي بالضرورة أكاديميين موثوقين ووقتاً طويلاً وجهداً متواصلاً والتزاماً صارماً بضوابط التدقيق العلمي والمنهجي الرصين.
وعلى جانب آخر، فإن هناك ظاهرة ضبابية تفرض وجودها في المشهد، هي تكرار نشر بعض المخطوطات والموسوعات التراثية، وإعادة تحقيقها أكثر من مرة، بمعرفة دور نشر متعددة. وتفتح هذه الظاهرة باب الجدل على مصراعيه، إذ لا تبدو هناك أحياناً حاجة علمية لهذا التكرار، من قبيل تدارك الأخطاء أو القصور في المخطوطات المحققة سابقاً مثلاً. كما أن هذه الفوضى قد تفسح المجال للتزوير، وللسطو على جهود المحققين والناشرين الأصليين للمخطوطات المعاد تدويرها تجارياً، إضافة إلى اتساع سوق النشر للعبث، باستحضار مصنفات تراثية محرفة أو منحولة تخدم أفكاراً مضللة وتيارات واتجاهات منحرفة.
ولعل "اتحاد الناشرين العرب" برئاسة محمد رشاد، وضع يده أخيراً على أحد وجوه هذه الإشكاليات، فأصدر دراسة استقصائية ينتقد فيها بشدة اضطلاع دور النشر بنشر موسوعات تراثية من المخطوطات المحققة ورقيّاً، وتعدد طبعات المخطوطات المحققة للمخطوط ذاته أكثر من مرة، معتبراً أن ذلك الأمر إهدار للجهود. ودعا "الاتحاد" إلى إنشاء موقع للتراث العربي المخطوط، بالتعاون مع معهد المخطوطات العربية، لتفادي تكرار نشر المخطوطات المحققة، وإتاحة بيانات مخطوطات غير منشورة لتحفيز نشرها، وبناء قاعدة بيانات موثوقة للمحققين.
وفي هذه التحقيق، تستطلع "اندبندنت عربية" آراء نخبة من المحققين والباحثين والناشرين العرب، حول تكرار تحقيق المخطوطات، وإعادة نشرها، ومتى يعكس هذا الأمر نشاطاً علمياً صحياً وثراءً ثقافياً طبيعياً، وما أخطار هذا المناخ السائد بكل ما يحمله من سمات الفوضوية وعدم التنسيق، وإهدار المعايير والمحددات والضوابط والحقوق، وغياب المتخصصين والأكاديميين البارزين عن عمليات إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها، وما الحلول والمقترحات لمواجهة ذلك؟
ضوابط ومبررات
يرى صالح محروس، المحقق والمؤرخ والأكاديمي المصري في الجامعة الإسلامية بمينيسوتا الأميركية، نائب رئيس المجلس الأعلى في أفريقيا، أن إعادة نشر التراث بصورة عامة من مخطوطات وموسوعات وكتب والمحافظة عليه أمر مهم وضروري باعتباره جزءاً من هوية أمتنا. ولكن إعادة تحقيق هذا التراث ونشره أكثر من مرة يجب أن يخضع لضوابط تبرر هذا التكرار، لنجني ثماره ونمنع أضراره.
ومن هذه الضوابط، وجود هيئة من كبار العلماء المتخصصين والمعروفين للتدقيق والتحقيق والمراجعة قبل اعتماد النشر، لتحري دقة ما كُتب بهذا التراث، ومنع ما قد يصل إليه من تحريف أو من إسرائيليات، وتنسيق النشر وترتيبه ليتم نشر أكبر عدد ممكن من المخطوطات والموسوعات من دون التركيز على أعمال بعينها، وأن يجري التحقيق والنشر بإشراف المعاهد الأكاديمية ذات الصلة بالتراث مثل معهد المخطوطات في القاهرة وغيره، ولا مانع من إعادة تحقيق المخطوط إذا كان في ذلك تدارك لخطأ سابق أو كان التحقيق الجديد سيقود إلى نتيجة مختلفة.
الحسبة الأكاديمية
ومن جهته يشير المحقق المغربي د. سعيد بنحمادة، المتخصص في تاريخ الغرب الإسلامي والأندلس وتاريخ الحضارات والتراث العلمي العربي، إلى أن مشكلة تحقيق المخطوطات في الوطن العربي تعكس واقع البحث الأكاديمي في الدراسات التاريخية ككل، إذ يتجلى التطاول من قبل بعض غير المتخصصين على صنعة التحقيق. وهنا، يجب التمييز بين الأعمال التي حُققت في إطار مؤسساتي وتحت إشراف أستاذ متخصص في موضوع المخطوط، وبين الأعمال الأقرب إلى النشر منها إلى التحقيق. فالتحقيق يستلزم اعتماده على نسخ من المخطوط من أجل المقابلة بينها، أما مسؤولية دور النشر فتتعلق بما إذا كانت تنشر وفق مشروع علمي جلي، أو أن الأمر يرتبط بطبع أعمال بغض النظر عن جودتها وجديتها وتجديدها.
والمخرج من هذه الآفات التي أصابت المخطوط العربي، يضيف بنحمادة، إقامة نوع من "الحسبة الأكاديمية"، تجنباً للإسفاف في التحقيق، من قبل مراكز علمية متخصصة، وتفعيل هياكل البحث في المؤسسات الجامعية، ولجان فحص مؤهلة.
الفائدة والخطورة
أما إيهاب الملاح، الباحث المصري في التراث والتاريخ، المشرف العام على إدارة النشر والمحتوى في مؤسسة "دار المعارف" التي تضطلع بنشر سلسلة "ذخائر العرب" التراثية العريقة، فإنه يفرّق بين نوعين من التحقيق والنشر. النوع الأول (وما أندره) هو إيجابي مثمر، سواء بتحقيق مخطوطات ونشرها للمرة الأولى، أو بإعادة تحقيق مخطوطات محققة من قبل وتكرار نشرها.
وهذا النوع الإيجابي يقترن بالضرورة بوجود دوافع وأسباب وإجراءات واضحة للتحقيق أو لإعادة التحقيق، مع حتمية تولي أساتذة كبار مهمة التحقيق مثل د. أيمن فؤاد سيد الذي أعاد تقديم نشرته النقدية للخطط المقريزية للشيخ تقي الدين المقريزي وفق معطيات محددة، إذ عثر على مخطوطات جديدة، وقدم مشروعية وموثوقية لهذه الطبعة الجديدة من الخطط في ستة مجلدات، مع مقدمة ضخمة في 600 صفحة تشرح السياق الكامل لسيرة النص المحقق نقدياً، وتفلسف تصورات المحقق ونتائج بحثه الشاق الجديد، مع المقارنة بين تحقيقه والتحقيقات السابقة للمخطوطات نفسها. وهذا النوع من التحقيق مقبول تماماً ومطلوب لإعادة النظر في كل كنوزنا التراثية، بشروط علمية ومنهجية مستجدة، وخبرات رفيعة متراكمة. ولعل هذه الجهود تتدارك أزمة اضمحلال عمليات التحقيق خلال الأعوام الأخيرة لأسباب مادية (نقص الموازنات) وأسباب أكاديمية (ندرة المحققين)، بعد وصولها إلى ذروة نشاطها في الربع الأخير من القرن الـ19 حتى الربع الأخير من القرن الـ20.
أما النوع الثاني من التحقيق والنشر (وما أكثره) فهو سلبي مضلل، إذ تكتفي بعض دور النشر بسرقة جهود المحققين القدامى ودور النشر الأخرى، فتأخذ المخطوط المحقق، وتغير هوامشه أو تعدل صياغتها بتعبيرات لغوية مختلفة، ثم تنشره من دون اسم واضح للمحقق أو بوضع اسم محقق غير معروف، وتطرحه في السوق بسعر زهيد لأسباب تجارية، ومثل هذه الإصدارات هي تزوير وتدليس بغرض التربح. وأحياناً يكون الهدف أخطر، وهو التضليل الأيديولوجي، بتشويه المخطوط أو بتحريف شروحه وتفسيراته، من أجل ليّ عنق النصوص لجعلها تخدم جماعات متطرفة أو تيارات هدامة. وهذا بعيد كل البعد من عمل تحقيق التراث بمفهومه التنويري، وللأسف تلقى هذه الإصدارات الصفراء رواجاً لدى كثير من القطاعات الشعبية من غير الدارسين والمتخصصين.
مسؤولية الدول
ويلتقط خيط الحديث الشاعر والكاتب اللبناني شوقي بزيع، مشيراً إلى حال من الفوضى والعشوائية في مجال إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها، وهي جزء من حال التسيب التي تحكم النشر في العالم العربي بصورة عامة. ويرى أن تنظيم تحقيق المخطوطات ونشرها يتطلب مؤسسات راعية لديها القدرة على التمويل والضبط والحسم، وهذه مسؤولية الدول التي تتخذ قرارات من خلال وزارات الثقافة والمؤسسات والكيانات الكبرى.
وبحسب شوقي بزيع، فإن ما يراه المرء في معارض الكتب العربية وفي المكتبات من الآلاف المؤلفة من المخطوطات والموسوعات التراثية المحققة المنشورة، ليس دليلاً على التفوق في معظم الأحوال، إذ إن النسبة الأعم هي الطبعات التجارية غير المحققة وفق نهج علمي سليم، والمنحولة والمسروقة والمزورة. وتستغل دور النشر عدم انطباق قوانين الملكية الفكرية على هذه الموسوعات والمخطوطات القديمة، لتطبعها بأية صيغة وأية طريقة، وربما من دون تحقيق، وربما تكلف أناساً لا هم لهم سوى الاحتياج، ولا يفقهون ماذا يعملون، كما يمكن للمخطوط أن تنشره دور عدة من دون رقابة ولا تنسيق، بل من دون رقم للطبع ولا تاريخ، كما في بعض المخطوطات التي تملأ سوق النشر.
التنظيم لفك التعقيد
وتوضح الناشرة اللبنانية نسرين كريدية، المديرة التنفيذية لـ"دار النهضة العربية" في بيروت، أنه خلال مرحلة سابقة، كانت كتب التراث تحتل موقع الصدارة في عدد كبير من المعارض العربية، مما انعكس ازدهاراً ملاحظاً في دور النشر المتخصصة في هذا الحقل، وتكاثراً في الجهود المبذولة لتحقيق النصوص الكلاسيكية، غير أن هذه الظاهرة، على رغم أهميتها، أفرزت إشكالية واضحة تمثلت في تعدد التحقيقات للكتاب الواحد، فنجد العنوان ذاته منشوراً لدى أكثر من دار، وبمستويات متفاوتة من الجودة والدقة.
ولا شك في أن بعض هذه التحقيقات أنجز على أيدي محققين كبار، يتمتعون بكفاءة علمية عالية وخبرة راسخة، فجاءت أعمالهم رصينة ومعتبرة. إلا أن المشكلة تبرز، وفق نسرين كريدية، حين تُعاد عملية تحقيق الكتاب ذاته في دور نشر أخرى، غالباً على نحو أقل جودة، سواء من ناحية المنهجية أو الدقة أو الأمانة العلمية، مما يخلق حالاً من الإرباك لدى القارئ، ويضعه أمام خيارات متعددة لا يمتلك دائماً الأدوات الكافية للتمييز بينها. وإن تعدد النسخ المحققة للعنوان نفسه لا يضر فقط بجودة المعرفة المتداولة، وإنما ينعكس سلباً على القارئ الذي قد يقع في فخ اقتناء نسخة ضعيفة التحقيق، فضلاً عن تأثيره السلبي في سوق النشر، إذ يضعف ذلك من قيمة الجهد العلمي المبذول في التحقيقات الجادة، ويقوض جدوى الاستثمار الثقافي الذي تقوم به دور النشر الرصينة.
وفي هذا السياق، تضيف كريدية، يبدو موقف "اتحاد الناشرين العرب" الداعي إلى الحد من تكرار العناوين وجيهاً ومنطقياً. فحين تتوافر نسخة محققة تحقيقاً علمياً رصيناً، لا تبدو هناك ضرورة لإعادة نشر العمل ذاته بتحقيقات أخرى أقل جودة. وإن الاكتفاء بالنسخ الموثوقة من شأنه أن يحفظ معايير النشر العلمي، ويصون حق القارئ في الوصول إلى نصوص دقيقة ومعتمدة. وتُعد عملية تحقيق كتب التراث من أكثر الأعمال تعقيداً في حقل الدراسات الإنسانية، إذ تمر بمراحل دقيقة تبدأ بقراءة المخطوط قراءة فاحصة، ثم مقابلته بنسخ أخرى إن وُجدت، وصولاً إلى تصحيح الأخطاء اللغوية، وتخريج الأحاديث، وشرح المواضع الغامضة، فضلاً عن التعليق العلمي الذي يضيء السياق التاريخي والمعرفي للنص. ومن هنا، فإن التحقيق الجيد يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً، مما ينعكس بطبيعة الحال على كلفته.
وتختتم نسرين كريدية بأن إتاحة المجال لصدور نسخ مكررة من العمل نفسه، بعد صدور تحقيق رصين له، يضر بالناشر الذي استثمر وقتاً وموارد في إخراج نسخة موثوقة. لذلك، فإن الحد من هذه الظاهرة لا يُعدّ فقط إجراءً تنظيمياً، إنما هو أيضاً خطوة ضرورية لحماية الجهد العلمي وضمان استدامة النشر الثقافي الجاد. والخلاصة أنه بين وفرة التحقيقات وتباين جودتها، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر تنظيماً، توازن بين تشجيع البحث العلمي ومنع التكرار غير المجدي. فليس المطلوب الحد من التحقيق بوصفه نشاطاً معرفياً، إنما الهدف ضبطه بما يضمن الجودة أولاً، ويصون حقوق القارئ والناشر معاً.
مكاسب مشروطة
وعلى العكس، يرى مصطفى الفرماوي، المسؤول البارز في قطاع النشر والتوزيع بمصر، مدير التسويق السابق في "الهيئة المصرية العامة للكتاب" وفي "دار الشروق للنشر"، أن هناك فائدة كبيرة عند إعادة نشر المخطوطات التراثية وتحقيقها، تتمثل في حفظ التراث الفكري والحضاري من الضياع والتلف، وتصحيح النصوص ونسبها لأصحابها بدقة، وإتاحة العلوم القديمة للباحثين والقراء. وتسهم هذه الإعادة أيضاً في إحياء الهوية الثقافية، وتوثيق إسهامات الأمة في الحضارة الإنسانية، وتقديم المصطلحات العلمية القديمة لدعم البحث العلمي المعاصر.
وهذه المكاسب جميعها مشروطة بتوافر باحثين متخصصين وموثوقين، في إطار أكاديمي ومنهجي رصين، وفق الفرماوي، ومن ثم تؤدي التحقيقات المتتالية إلى ضمان حفظ النص وتوثيقه، وإخراج النص بصيغة أقرب ما يكون إلى ما كتبه المؤلف، من خلال مقارنة النسخ الخطية، وإزالة التحريف أو التصحيف، وإحياء التراث وإتاحته، بنقل المخطوطات من أرفف المكتبات المظلمة إلى أيدي الباحثين والقراء، مما يسد النقص في المكتبة العربية.
كذلك تفيد هذه التحقيقات في إبراز السبق العلمي، بالكشف عن معارف وابتكارات إسلامية وعربية في الطب والفلك والهندسة والفلسفة وغيرها، وتوثيق تأثيرها في الحضارات الأخرى، وتسهيل الدراسة والبحث، بتوفير نصوص محققة مع فهارس وتعليقات (تخريج أحاديث وشرح مفردات) يسهل على الباحثين الاستفادة منها، وتعزيز الهوية واللغة، بالمحافظة على سلامة اللغة العربية وتطورها من خلال النصوص التراثية الرصينة، وكشف التبادل الفكري، بتوضيح صور التأثر والتأثير بين الثقافات مثل دراسة الفلسفة اليونانية وعلاقتها بالفكر العربي. ويقود ذلك كله إلى بناء الجسر الذي يربط حاضر الأمة بماضيها، ويحمي عقول الأجيال من الانقطاع عن جذورها المعرفية.
موقع للتراث العربي
أما هالة زكي، الباحثة المصرية الخبيرة في مجال التاريخ والتراث والمخطوطات والكاتبة في "مؤسسة الأهرام"، فتنحاز إلى فكرة إنشاء موقع للتراث العربي، بالتعاون بين "معهد المخطوطات العربية" و"اتحاد الناشرين العرب"، وتراها فكرة مثالية لتنسيق الجهود في مجال إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها أكثر من مرة، وفق ضوابط ومحددات علمية واضحة.
وترى أن الهدف الغائي هو إثراء حركة التحقيق، وإحداث حال حراك من أجل توصيل هذا التراث إلى القراء، بصورة تجعلهم على تواصل دائم بماضيهم، ومن ثم فلا يجب غلق الأبواب أمام الباحثين بدعوى الحديث عن جدوى إعادة التحقيق من عدمها، فلن نبني حضارة حتى يكون الناس جزءاً منها، ولن تمتد الحضارة إلا إذا كان اليوم موصولاً بالأمس، لتكون لنا رؤية واضحة للغد.
ضمان القيمة المضافة
ووفقاً للناشرة المصرية نورا رشاد، مديرة النشر في "الدار المصرية- اللبنانية" في القاهرة، فقد بدأت الدار منذ أكثر من 15 عاماً مشروعاً لإعادة تقديم الكلاسيكيات والتراث العربي في صيغ محققة ومبسطة، بهدف تقريب هذا التراث إلى الأجيال الجديدة، بخاصة من الشباب، وتيسير قراءته وفهمه من دون الإخلال بقيمته الأصلية. وحرصت الدار على التزام النصوص الأصلية، مع الإشارة إلى أية فروق أو تصحيحات في الهوامش، بما يضمن أمانة النقل ووضوح المعنى للقارئ. وتوسعت هذه السلسلة لتشمل مجالات متعددة مثل كلاسيكيات الأدب العربي والفلسفة والتاريخ لإحياء أعمال كبار الكتاب، إضافة إلى تقديم طبعات حديثة من أعمال مثل "ألف ليلة وليلة" التي كانت متاحة سابقاً في نسخ قديمة يصعب التعامل معها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هذا المنطلق، تقول نورا رشاد "أرى أن إعادة نشر التراث ليست إشكالية في حد ذاتها، بل قد تمثل إضافة حقيقية إذا ارتبطت بجودة التحقيق وتقديم رؤية تحريرية جديدة. لكن الإشكالية تظهر حين يتحول الأمر إلى إعادة إنتاج من دون قيمة مضافة، أو حين تُستغل نسخ منقحة سبق إعدادها، مما يُعد إهداراً للجهد ويؤثر سلباً في صناعة النشر. ولذلك، يبقى الفيصل ما يضيفه كل إصدار جديد، لا مجرد تكرار النشر.
وينحاز الناشر المصري محمد البعلي، مدير "دار صفصافة للنشر" في القاهرة، إلى ترك المجال واسعاً لإعادة تحقيق المخطوطات ونشرها أكثر من مرة، بمعرفة المتخصصين لأن السوق العربية تتميز بعدم الاستدامة، فإصدارات "مكتبة الخانجي" مثلاً التي كانت تمثل ركيزة أساسية في تحقيق التراث العربي والمخطوطات النادرة لأكثر من قرن ربما يصعب الوصول إليها في الوقت الحالي، ولا تتوافر بسهولة في أي معرض عربي للكتاب. وكذلك السلاسل الحكومية المصرية مثل سلسلة "الذخائر" التي تنشر خلالها "الهيئة العامة لقصور الثقافة" كتباً محققة بأسعار زهيدة، فهي غير منتظمة، وغير متوافرة في الوقت الراهن. بالتالي فإن الإتاحة هي الأهم في هذا السياق، بمعنى أن غياب هذه الكتب يستلزم أن تنهض دور نشر أخرى في دول أخرى بإتاحة هذه الكتب المهمة، سواء بتحقيق علمي جديد، أو بإعادة نشر تحقيق قديم مع حفظ حقوق النشر. ولعل التحقيق الجديد أفضل، إذ يُنجز وفق نظرة جديدة، واستفادة من تطورات علوم التحقيق والبلاغة واللغة وغيرها.
ويشير البعلي إلى نقطة أخرى مهمة تزيد ضرورة إعادة تحقيق المخطوطات ونشرها، هي ضعف دور المكتبات العامة في إتاحة هذه المطبوعات النفيسة والغالية، وغياب التنسيق بينها، محلياً وعربياً وإقليمياً، فمن الطبيعي أن تضطلع المكتبات الحكومية الكبرى ومكتبات الجامعات والمدارس وغيرها بتوفير المجلدات الضخمة التي يصعب على الفرد اقتناؤها بصورة دائمة، ولكنها تعاني ضعف الموازنات، مما يجعل سؤال الإتاحة مفتوحاً ومعلقاً.
المسار المنهجي
وبحسب أحمد الإبراهيم، أمين الشؤون العلمية في "معهد المخطوطات العربية"، المسؤول عن ملف التعاون مع "اتحاد الناشرين العرب"، فإنه لا يمكن بتّ مشروعية "إعادة التحقيق" من دون تحرير مفهوم التحقيق ذاته. فالتحقيق، كما عرفه رواد هذا الفن، ليس مجرد نسخ للكلمات، بل هو قراءة النص قراءة صحيحة، مع تحريره وضبطه، وإخراج صورته النهائية لتكون أقرب ما يمكن إلى ما أراده مؤلفه وعناه. وبناء على هذا المفهوم، فإن إعادة تحقيق النصوص المحققة سابقاً ليست أمراً يُقبل بإطلاق أو يرفض بالكلية، بل هي عملية تخضع لضوابط علمية دقيقة. فالتحقيق جهد بشري يتفاوت بتفاوت أدوات المحقق ودريته، فمنهم من أقام النص على جادة الصواب، ومنهم من اقتحم هذا الفن بغير زاد فأفسد أكثر مما أصلح.
ومن ثم، يضيف أحمد الإبراهيم، فإن إعادة تحقيق النصوص المحققة تتطلب توافر مسوغات علمية كافية، من بينها أولاً، ظهور نسخ جديدة، كالعثور على نسخة "أم" (بخط المؤلف) أو نسخ أقدم وأكمل لم تكُن متاحة للمحقق السابق، مما يمنح النص قيمة توثيقية لم تكُن متوافرة. وثانياً قصور المنهج السابق، إذا كان التحقيق الأول يفتقر إلى التزام القواعد العلمية الصارمة في ضبط النص وتوثيقه، أو اعتمد دمج النسخ الخطية من دون معايير واضحة. وثالثاً، كثرة الأخطاء والتصحيف، ووجود أخطاء لغوية أو علمية جسيمة في النشرات السابقة تحول دون الوثوق بالنص أو الاستشهاد به علمياً. ورابعاً، إخراج النص كاملاً، إذا كان التحقيق السابق مقتبساً أو ناقصاً، فيعاد التحقيق لتقديم النص مكتملاً كما أراده صاحبه. وخامساً، خدمة النص، من خلال تقديم دراسات تحليلية أعمق، أو إضافة فهارس فنية وشروحات ضرورية أغفلتها النشرات السابقة. وسادساً، التطور العلمي، مواكبة التطور في مناهج النقد النصي وأدواته الحديثة.
وهكذا، يختتم أحمد الإبراهيم، فإن النص الذي شابه قصور في أحد هذه الجوانب، يصبح إحياؤه من جديد واجباً علمياً. أما النصوص التي نالت حظها من العناية على يد كبار المحققين واستوفت شروط العمل وأركانه، فإن إعادة تحقيقها تُعد هدراً للجهد ومضيعة للوقت، وخروجاً عن المقصد السامي لخدمة التراث.