Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فرنسوا زبال يرصد وجوه بطرس البستاني النهضوي التنويري

كتاب بالفرنسية يسترجع إنجازاته الفكرية والإعلامية واللغوية ودعوته الإصلاحية

من مدينة بيروت انطلق مشروع البستاني النهضوي (غيتي)

هل حدث لأحد من رواد النهضة العربية الثانية، إبان القرن التاسع عشر أن أرسى قواعد لم يسبق إليها، وجمع في نفسه ألسنة، وأحدث أثراً لا يضاهى في اللغة العربية؟ هل حدث له أن رسخ معايير للوطنية والمواطنة ما قصرت عنه الحكومات، وأنشأ من المنابر الإعلامية، ومن الوسائط التعليمية، ودوائر المعارف، ما جمعه بطرس البستاني في شخصه، وهو الكاتب اللبناني، من رعيل طائفة البروتستانت الأوائل في لبنان والمشرق العربي في شخصه؟

للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها التي بقيت طي الإغفال، يعيد فرنسوا زبال، الكاتب والأكاديمي اللبناني الفرنسي، الذي تولى لسنوات، رئاسة تحرير مجلة "قنطرة" بالفرنسية (معهد العالم العربي – باريس) النظر في شخصية الرائد بطرس البستاني، واضعاً عنه مؤلفاً بالفرنسية، هو كناية عن سيرة شبه مكتملة، صادرة عن دار لارماتان (2021) بعنوان:François Zabbal, (2021) Boutros al-Boustani, Intellectuel et   notable protestant,   19e siècle, Beyrouth, Paris: L’Harmattan. 

وأول ما ينبه إليه الكاتب زبال، مترجم العديد من الروايات العربية إلى الفرنسية، هو أن كتابة سيرة البستاني، رجل النهضة الأبرز، تطلبت منه العودة "إلى السياق التاريخي ضماناً لعدم تضخيم جانب أو سمة من سمات هذه الشخصية الفذة" (ص:12). وذلك نظراً  لنقاط الالتباس الكثيرة التي ما زالت تحيط بسيرته، وبأدواره "التمدنية" الكثيرة التي كانت له على امتداد أربعة عقود من الزمن (1840-1883) والتي يفصلها المؤلف في كتابه.    

العائلة البستانية

وبموجز العبارة، نشأ بطرس البستاني، على ما يروي زبال في جبل لبنان، من مواليد عام 1819، ولما صار فتياً أدخل إلى مدرسة عين ورقة، حيث تعلم اللغات العربية والسريانية واللاتينية والفرنسية واليونانية، أما الإنجليزية فقد تعلمها على ذاته، وكان لها دور في التحول الكبير الذي طرأ على مساره المهني وتوجهه الديني. وقد تضافرت الأسباب الشخصية (موت والده) والحوادث العنيفة عام 1840، (عامية لحفد، وسعي الإنجليز إلى السيطرة على مرافئ السلطنة، ومنها مرفأ بيروت) التي جعلت من مدينة بيروت مقصداً لعشرات الآلاف من سكان جبل لبنان، الهاربين من حمأة المعارك، لتدفع به إلى العمل مترجماً لدى الإنجليز ثم لدى الجماعة البروتستانتية، ومعلماً العربية في المدارس التي كانت قد افتتحتها للمبشرين الأجانب.

إذاً، كان بطرس البستاني الشاب، المتحدر من عائلة ذات مكانة مدنية ودينية وحظوة في الطائفة التي ما برحت تلقي التحريمات على كل من يتعاون مع "البيبليشيين"، على غرار ما جرى لأسعد الشدياق، أخي أحمد فارس الشدياق، قد ألفى نفسه منتمياً إلى البروتستانت، ومنخرطاً في مشاريع إرساليتهم في المشرق العربي، القائمة على استراتيجيتين اثنتين: التربية والطبابة، بحسب ما ورد في أدبيات المجلس الأميركي المنشأ عام 1810 في ماساتشوستس، والذي يضم العديد من ذوي النفوذ الرسالات الخارجية، الأميركيين البروتستانت المتشددين، ممن يسعون إلى التبشير بالإنجيل أينما تيسر لهم ذلك، لا سيما في المشرق العربي، وسط إمبراطورية عثمانية متداعية، وأقليات مسيحية تتنازعها الدول الغربية، وتمدها بأسباب الصراع تحقيقاً لمطامعها. والمثال الأكبر تحريض الإنجليز للبنانيي الجبل والمدن على إبراهيم باشا، وما نجم عن ذلك من نزاعات بين الموارنة والدروز على امتداد عشرين عاماً من 1840 إلى عام 1860 وما تلتها من تدخلات عسكرية يفصلها الكتاب.

وعلى ما يبينه الكاتب، فرنسوا زبال، بناء على أحدث المراجع والدراسات في هذا الشأن، فإن بطرس البستاني سرعان ما تجاوز كونه بروتستانتياً كامل الصفات الإيمانية، إلى اعتباره مواطناً مدينياً وساعياً إلى وضع الأسس المتينة لبناء وطن جامع، ومانع التعصب، وموئل للعلم والمعرفة والإبداع. وإن صح أن البستاني رضي، في أول عهده بالبروتستانتية، بأن يسهم في حرب البيانات ضد السلطة البابوية، والكنيسة المارونية، فإنه شق لنفسه سبيلاً آخر متاحاً له، وهو افتتاح المدارس في بلدات مثل عبيه وسوق الغرب وحاصبيا وغيرها، توفيراً للتعليم . وقد بادر منفرداً إلى افتتاح المدرسة الوطنية، بعيد المذابح الحاصلة في عام 1860، بين الدروز والموارنة في الجبل، محتضناً فيها كل الطلاب من كل الطوائف من دون استثناء، حتى بلغ هؤلاء 160 طالباً نصفهم أو أقل منهم طلاب داخليون، على طراز  مدرسة عين ورقة. ولولا إصرار الإدارة البروتستانتية على الطابع الديني البحت، في حينه، لرسالتها وتفضيلها افتتاح جامعة للتعليم العالي تحت مسمى "الكلية الإنجيلية السورية" (الجامعة الأميركية في بيروت)، وحصر الدعم المادي فيها دون مدرسة البستاني التي أنشأها عام 1863، لكانت المدرسة الوطنية تجاوزت أزمتها المادية الخانقة، ونجحت في استقطاب نخب المدينة الصاعدة، ولكانت استمرت في إعداد طلابها على المبادئ الوطنية التي أثرت عن البستاني، في خطبه، ومقالاته، وتعليقاته، في كل من مجلة الجنة والجنان، و"نفير سوريا" في أحد عشر جزءاً. وكذلك في دائرة المعارف، من حيث حرية الضمير و"حب الوطن من الإيمان"، والاعتداد بتراث العرب الفكري وبالعروبة انتماء، مع الأخذ بعلوم الغرب وما يناسب من تقاليدهم، والعمل على نبذ التعصب وإيثار الاتحاد بين سائر المواطنين على أساس الانتماء الوطني. عطفاً على غيرها من المبادئ والقيم التي صارت لاحقاً شعارات وعناوين عريضة لكتاب النهضة الثانية، أوائل القرن العشرين.

عالم الترجمة

ولكن، ماذا عن البستاني مترجماً للكتاب المقدس؟ للإجابة يعرض الكاتب في الفصل الرابع من كتابه (ص:58-73) للمراحل التي تمت فيها الترجمة، بطلب من "مجلس مفوضي المرسلين البروتستانت" في أميركا مطلع عام 1848، لما رأى القائمون به، أن الأناجيل العربية والعهد القديم بصورة خاصة المطبوعين في مالطا، لم يعودا يفيان بالمطلوب، نظراً للأخطاء اللغوية والتباينات الكثيرة فيها مع الأصول اليونانية والعبرية والسريانية. وقد أوكلوا أمر الترجمة إلى وكيلهم في لبنان، في حينه، القس إيلي سميث، الذي استعان بكل من ناصيف اليازجي وبطرس البستاني للانطلاق بأعمال الترجمة عام 1848، وانتهت عام 1864. وكان في خلالها بطرس البستاني يترجم عن السريانية والعبرية واليونانية أحياناً، ثم يدع لناصيف اليازجي النظر في صياغتها بالعربية، على أن يراجعها إيلي سميث. ولا يجد الأخير بداً من الاستعانة بالشيخ الأزهري يوسف الأسير للمراجعة العربية الأخيرة، على أن يتولى القس فاندايك الرقابة على الصيغ الأخيرة وملاءمتها. وفي نهاية المطاف، يتبين للكاتب أن المجلس المذكور كان غمط حق بطرس البستاني، الذي كان قد ترجم، بمفرده، كل العهد الجديد، وأغلب القديم ما عدا سفر "نشيد الأناشيد"، وسفر الأمثال، وسفر الأحبار الثاني. ورب سائل بعد هذا: أي أثر لنص الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد على لغة النهضة وأدبها؟ فيجيب بأن ذلك بين وأكيد، وتكفينا النظرة الإجمالية إلى أدب النهضة النثري لنلحظ مدى الرهافة والدقة والعصرية التي تميز بها ذلك الأدب أوائل القرن العشرين.

 وماذا عن البستاني الصحافي؟ يجيب الكاتب فرنسوا زبال، في فصل بعنوان "سيد الإعلام"، عن هذا السؤال مفصلاً الكلام على تجربة البستاني المميزة في إطلاقه "نفير سورية" عبر أحد عشر جزءاً، في ما يشبه طباعة البيانات السياسية ذات التوجهات التوعوية غداة النزاعات الطائفية لعام 1860. أما جريدتا "الجنة" "الجنان" اللتان أطلقهما بطرس البستاني، وتولاهما سليم ابنه بعد وفاته، فكانتا قد "حازتا رضا الجمهور في مدينة بيروت والبلاد، ونتج منهما فوائد جزيلة وتنشيطات عظيمة لتوسيع دائرة المعارف والمحسنات الصناعية والتجارية" بحسب التنويه الذي أبداه محمد راشد باشا، عام 1871، في العدد الأول من الجنان  للعام الثاني على صدورها. علماً أن كلاً من أعداد الجريدتين كان موزعاً بين أخبار سياسية محلية وعالمية، وبين مقالات تاريخية، وأخرى عن الاختراعات العلمية الحديثة، وبين روايات تاريخية متسلسلة مثل رواية "زنوبيا" كتبها سليم البستاني، وغيره من الكتاب، وذلك ضمن خانة "فكاهات". وقد أضيف إلى الجريدتين "الجنينة"، واتبع فيها المنهج نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم ماذا عن البستاني الموسوعي والقاموسي؟ للإجابة يفصل زبال، في الكلام على "دائرة المعارف" الموزعة ألفبائياً، وقد أتم الأجزاء الستة الأولى منها قبيل وفاته عام 1883. ولئن واصل ابنه سليم العناية بالموسوعة و"الجنان"، فإن الموت عاجله عام 1887. فتولى الأخوان نسيب ونجيب المهمة وأصدرا ما مجموعه 11 مجلداً لتاريخ 1900. ولا يهمل الكاتب أيضاً الكلام على تجربة البستاني في تأليف قاموس "محيط المحيط" الباقي شاهداً على جهوده في تبسيط المعارف اللغوية لأجيال العرب وغيرهم من محبي لغة الضاد. وأياً يكن الاعتراض والنقد الموجهان له من أحمد فارس الشدياق وإبراهيم اليازجي والأب أنستاز الكرملي، بعد صدوره عام 1869 فحسبه أن القاموس هو الأحدث منهجاً وتناولاً للموضوعات والكلمات من غير عيب ولا حرج ولا تقعر ولا التباس في المعاني أو المداخل.

لن يكون بمقدور المقالة هذه أن تفي كتاب فرنسوا زبال حقه، ولا أن تحيط بشخصية الكتاب بطرس البستاني أحد أركان النهضة. ولن يكون كثيراً أن تتعدد الدراسات والأطروحات الجامعية عن البستاني، رافع لواء الوطن والعروبة، ونابذ العصبية الطائفية والمذهبية في عزهما، وباسط أجنحة العلم والمعرفة والحق والجمال، في وجه كل جهالة ووهم وبشاعة مما كان يحفل به عصره، وما بلغنا اليوم.

المزيد من ثقافة