ملخص
رواية "الخادمة" للكاتبة الأميركية فريدا ماكفادن التي عرفت نجاحاً عالمياً وترجمت إلى لغات عدة، سعى صناع مسلسل "دار السد" الجزائري إلى اقتباسها، فهل نجح المسلسل في تجسيد قصص الإثارة والغموض النفسي؟
تمكن صناع مسلسل "دار السد" من تقديم تجربة درامية مختلفة هذا العام، تميزت بمفاجآت عدة. فالمخرج محمد بن عبدالله راهن على الممثل سمير عبدون لبطولة المسلسل بعد انقطاعه عن التمثيل لأعوام، إلى جانب بطولة نسوية مشتركة بين ياسمينة عبدالمؤمن المعروفة بأدوارها الكوميدية، ورجاء مزيان التي عرفت كمغنية متمردة أدت أغنيات جريئة تنتقد فيها النظام خلال فترة الحراك الشعبي. وإضافة إلى جرأة المخرج اللافتة في اختيار الكاستينغ، أشرف على ورشة كتابة سيناريو دامت أربعة أشهر، بالتعاون مع أنس تناح وحنان بوسماحة ومحمد بن داود، ويعد هذا النوع من ورشات الكتابة حديثاً في المشهد الدرامي الجزائري، غير أنه نجح في صياغة قصة متماسكة وحوارات منسجمة يبدو كاتبها شخصاً واحداً. أما أبرز مفاجأة ميزت "دار السد"، فتمثلت في اقتباس فكرته من رواية "الخادمة"، المصنفة ضمن روايات الإثارة والغموض النفسي لكاتبتها الأميركية فريدا ماكفادن.
رواية أميركية في حلة جزائرية
منذ الحلقات الأولى لمسلسل "دار السد"، بدأ المشاهدون في مواقع التواصل بمقارنة أحداثه وربطها برواية الخادمة، ولا سيما مع تزامن عرض الفيلم الأميركي المقتبس منها في صالات السينما قبل شهرين فقط من عرض المسلسل خلال شهر رمضان، لكن التشابه في فكرة القصة لم يمنعهم من متابعة العمل ومناقشته، إذ قدم في حلة جزائرية وبقضايا اجتماعية مغايرة لا تحدث إلا في مجتمعات محافظة وشرقية، حيث كتبت الحوارات نفسها بطابع جزائري، لم يقتصر على استخدام اللهجة المحلية لنقل الأحداث، بل خدم التواصل الشفوي بخصوصية لغوية وأمثال شعبية لا يمكن أن تقرأ في رواية أميركية.
ولعل الحرص على تأثيث البيئة الدرامية هو ما أسهم في إنجاح العمل ورفع مشاهداته، فنحن نرى ممثلين جزائريين يتقمصون شخصيات رواية أميركية ولكن بأسلوبهم ولهجتهم. وإذا استثنينا طقم لباس الخادمة الأنيق الذي لا ترتديه العاملات المساعدات في الجزائر لأنهن يقمن بالأعمال المنزلية غالباً بأثواب بيتية أو مآزر، تبقى بقية التفاصيل البصرية محلية مثل الجلابة التي ارتدتها شخصية مريم في حلقات عدة من دون أن تغيرها، دلالة على عوزها ووضعها المادي. وجسد الممثل أنس تناح دور الأخ المتدين في هيئة سلفي، بلحية وقميص قصير نسبياً، وبذهنية وسطية معتدلة تناقض الصورة النمطية التي تقدم في الدراما عادة بوصفهم متطرفين أو قساة القلب.
تفكيك المركزية الذكورية
تنطلق قصة مسلسل "دار السد" من حكاية مريم، إذ تعرض المشاهد الأولى لقطات لطباخة محترفة، تغادر مطبخها لرمي القمامة فينغلق الباب خلفها، وتجلس وحيدة بانتظار من يفتحه من الخارج. وأثناء تلك اللحظات وباستخدام تقنية الاسترجاع الزمني، تغوص الشخصية في ذكريات بعيدة من طفولتها، لتكشف عن الرجل الأول الذي أسهم في تشكيل شخصيتها القوية، والدها مدرب الملاكمة الذي رباها على أهمية الدفاع عن نفسها، ورفض الخنوع والظلم في مجتمع قاسٍ لا يرحم المرأة، وكأنه بذلك يعدها لليتم الذي ينتظرها، والصعوبات التي ستعترضها لاحقاً، وفي الوقت نفسه يربي الوالد ابنه على التحرر من عقد بدأ يكتسبها من رفاقه، ويشجعه على الاهتمام بأخته والسماح لها بتعلم الملاكمة.
وتتواصل الأحداث في السياق نفسه، خلال مرحلة شباب مريم، صبية تحمل أحلاماً مختلفة عن أحلام بنات جيلها، قبل أن تنهار حياتها وينحرف مسارها بدخولها السجن، بعد شجار تورطت به في المواصلات حين ضربت شاباً تحرش بصديقتها. وتؤثر تجربة الحبس في سمعتها، وتفاقم نبذ المجتمع لها بسبب تمردها وجرأتها في ضرب رجل بدلاً من تجاهله وتجنب الفضيحة. وهنا يطرح العمل مسألة واقعية ووضعاً اجتماعياً لا يمكن إنكاره، يسعى إلى التعامل مع المرأة دوماً كضحية ضعيفة وأنثى عاجزة، فيغدو أي تمرد أنثوي منها على هذا التنميط مستفزاً، ويضعها في خانة المرأة سيئة السمعة، قليلة الحياء التي تتحدى الرجال في سلطتهم الذكورية.
حلقات وفصول
خلال الحلقات الأولى من العمل، يتأخر ظهور فارس وياسمين، إذ تمهد المشاهد الافتتاحية للتعريف بشخصية مريم وظروفها قبل الانتقال إلى الأحداث التالية التي تبدأ فيها الحكاية الفعلية بحصول مريم على فرصة عمل كخادمة في قصر للأثرياء، مقابل مرتب لم تكُن تحلم بمثله. وعندما تباشر مريم عملها، تفاجأ بمزاج سيدة البيت المتقلب وبفوضى غريبة تنتظرها كل صباح، من أشياء مبعثرة ومحطمة إثر شجار عائلي، لتكتشف تدريجاً كثيراً من الأسرار المريبة عن الزوجين وابنهما. ويتألف مسلسل "دار السد" من 20 حلقة، قسمها المخرج محمد بن عبدالله إلى ثلاثة فصول، تكاد تبدو روائية في تسلسلها وبنائها. فهناك فصل أول يروي حكاية مريم وفصل ثانٍ يعود بالزمن للوراء ليسرد الأحداث من وجهة نظر ياسمين وبداية حكايتها مع فارس قبل زواجهما. وفصل ثالث يربط الفصلين ببعضهما بعضاً، ليكون حلقة وصل تمهد الطريق نحو ذروة النهاية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يُعد مسلسل "دار السد" أحد أقوى المسلسلات الجزائرية التي عرضت خلال شهر رمضان، وفقاً لنسبة مشاهداته وما حققه من أصداء في مواقع التواصل الاجتماعي. ويعود ذلك لاختلاف قصته وارتكازه على ثيمات المرض النفسي، المتمثلة في الهوس العاطفي ونرجسية الشريك وساديته، كذلك يبرز الجانب التحليلي للشخصية بالعودة لماضي طفولتها وتكوينها الأول للوصول إلى مفاتيحها وأسباب عقدها الحالية، مما منح العمل أبعاداً عميقة وطابعاً يميزه عما يطرح في الدراما المحلية عادةً. لكن إيقاع الأحداث بدأ بالتباطؤ منذ منتصف المسلسل، وظهرت محاولات لتمطيط الحلقات وإعادة المشاهد بتفاصيلها مع إضافة لقطات بسيطة، مما يستدعي الضجر في انتظار أحداث جديدة لم تشاهد من قبل.
ومن ناحية الأداء التمثيلي، عاد سمير عبدون للدراما بدور مقنع، إذ اشتغل على التعابير المتوترة وفقاً لانفعالات كل مشهد، مستعرضاً أكثر من وجه واحد لشخصيته. وتألقت رجاء مزيان بقوة في الحلقات الأولى، وهي تؤدي مشاعر الإحساس باليأس والظلم الاجتماعي والحزن الذي سببته القطيعة مع عائلتها، لكن سرعان ما تضاءلت مساحة مشاهدها مع بداية الفصل الثاني. أما ياسمين عبدالمؤمن، ففاجأت جمهورها بدور جديد كلياً، إذ أجادت تقمصه وتأدية حالاته النفسية المتفاوتة بين الهدوء والانهيارات العصبية، وبين الهشاشة والقوة والانتقام، فكانت أكثر شخصية مركبة ونامية في "دار السد".
إلا أن الخاتمة جاءت مسرحية ومتعثرة، في حلقة أخيرة عنونت بـ"رقصة الموت"، ولعل تلك الرقصة كانت أضعف مشهد فيها، إذ استغرق مشهد خنق فارس لزوجته وقتاً أطول مما يجب، في أداء مسرحي باهت يعرض فعل الخنق بين الممثلين بينما تدور الكاميرا حولهما. ويتسارع إيقاع المشاهد الختامية في الدقائق الأخيرة بالاعتماد على إشارات غير مباشرة، تترك للمتلقي مساحة للاستنتاج، ثم ينتهي المسلسل بحوار بين فارس والطفل إسحاق، وبنهاية مفتوحة تمهد لجزء ثانٍ يتمم قصة "دار السد".