Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كيّة"... دراما جزائرية تكشف عالم "الهرش" المعزول

علاقات إنسانية معقدة وصراع عنيف بين الإخوة للوصول إلى السلطة

مسلسل "كية" يعالج قضية قبيلة الهرش (ملف المسلسل)

ملخص

 يعد مسلسل "كِيّة" مغامرة درامية خاضها المخرج أسامة قبي هذا العام  بالتعاون مع الكاتبة سندس عبد الرحمن، إذ قدما فانتازيا اجتماعية غريبة عن المجتمع الجزائري في تكوينه وتنوع قبائله وعاداته.

أتى المخرج والكاتبة بعمل متخيل يتقاطع مع الواقع ويعكسه كمرآة تفضح ما يحدث يومياً من عنف ووحشية في هذا العالم، وعلاقات إنسانية معقدة تذكر بالجريمة البشرية الأولى على وجه الأرض، والصراع الأزلي بين الإخوة للوصول إلى السلطة على حساب الدم. ليكون هذا العمل مفاجأة الموسم الرمضاني للمشاهدين، بحيث تعرفوا من خلاله على قبيلة تدعى الهرش، يعيش أفرادها كما لو كانوا خارج العالم، بقوانينهم الخاصة، وبأثر كية على أجسادهم تميزهم عن البرانيين، وهم الأشخاص الذين لا ينتمون إلى القبيلة.

الحياة داخل الهرش

 يعيش أفراد قبيلة الهرش في ضواحي العاصمة، في حي قصديري كبير، أشبه بالأحياء الشعبية المعروفة بمساكنها الفوضوية. ويرتدي هؤلاء أزياءً وحلياً تجعلهم يبدون مثل الغجر، وهم منبوذون من المجتمع الخارجي إلى حد الاحتقار، بحيث يرفض الآخرون الاختلاط بهم أو الزواج منهم أو التعامل المباشر معهم، ويتحدثون عنهم دوماً بفوقية على أنهم مجرمون قذرون، قادرون على ارتكاب أي فعل دنيء.

وتكمن المفارقة في أن أبناء الهرش بدورهم، يؤمنون بتفوقهم العرقي ويحقدون على البرانيين بالمثل، رافضين التعاطي معهم بأي شكل، يعيش أبناء الهرش بزعامة "مختار" في قطيعة تامة مع العالم الخارجي وقوانينه، فلا يملكون أوراقاً ثبوتية ولا هويات، ولا يلتحق أبناؤهم بالمدارس، ويحرمون الإناث من حق التعليم والخروج واستخدام الهواتف أو الإنترنت، ويميز كل منهم أثر "الكيّة"، وهو حرق مستدير يحدد هويتهم وانتماءهم إلى الهرش.

 تتعدد العقوبات القاسية في القبيلة، بين الاحتجاز في الزريبة أو إخفاء المذنبين في مكان تحت الأرض في عقوبة مؤبدة، يعيش فيها المحتجز من دون العودة إلى أهله. وترتكب جرائم قتل في حق أبناء القبيلة والغرباء على حد السواء، لا تفرق بين الطفل أو البالغ، وبين بريء ومذنب، وفقاً لما تقتضيه المصلحة ومنطق حكام القبيلة.

 وتتبين العقدة الرئيسة في مسلسل "كيّة" من الحلقات الأولى، عندما يغرم عمران بشابة "برانية" تدعى يمينة ويفرض على والده زعيم القبيلة نيته في الزواج منها، فيوافق على مضض، ثم يخضعها لطقس الكية بعد عقد القران، تاركاً على عنقها أثر حرق مفتوح يبارك انتماءها الجديد إليهم.

غير أن الأحداث تتعقد بعد مقتل العروس، وإلقاء جثتها في مزرعة عائلتها، ليبدأ شقيقها "محمود" التخطيط للانتقام من زوج أخته وعائلته، من دون أن يدرك إلى أي حد سيتورط بالهرش نتيجة محاولاته. 

حبكة محكمة في سياق جزائري

 على رغم غرابة القصة الدرامية التي جاء بها مسلسل "كيّة"، فإنها لم تخرج عن السياق الجزائري، في لهجة الممثلين وحواراتهم اليومية، مما جعل العمل مقبولاً ومشوقاً في الوقت ذاته، بفضل حبكة قوية بنيت أحداثها ببطء وأولت اهتماماً لتفاصيل الشخصيات وصراعاتها فخلقت عالماً متخيلاً متكاملاً قابلاً للتصديق والمتابعة.

في المقابل، قدم أبطال العمل أداءً لافتاً، وظهر بعضهم في أدوار لا تشبههم، مثل الممثل محمد فريمهدي، الذي أدى دور زعيم القبيلة، إذ لم يظهر بلباس مختلف فحسب، بل برأس حليق وعين ملونة وبحة مختلفة عن طبقته الصوتية المألوفة، فضلاً عن الهيبة التي أحاط بها الشخصية القيادية والقسوة التي تلين بالعطف في مناسبات قليلة حين تعلق الموقف بابنه أو ابنته.

 وإلى جانب محمد فريمهدي، أدى الممثل مراد أوجيت دور "الدوس"، الذراع اليمنى لمختار وكاتم أسراره الداكنة، الذي لا يخالف له أمراً ويتولى محو آثار الفوضى المترتبة عن العقوبات والأحكام.

 واشتغل مراد على تفاصيل الشخصية بدءاً من تسريحة الشعر إلى اللباس ولغة الجسد، لتقديم دور مركب يعد من أكثر الأدوار تعقيداً في المسلسل، فهو مجرم قادر على القتل في أية لحظة، وعاشق يغفر لنورس إهاناتها وكراهيتها طامعاً في أن تبادله الحب يوماً ما، واليتيم الذي يتعطش إلى العاطفة من سيدة خارج الهرش، يقدم لها الرعاية مقابل ما تمنحه إياه من اهتمام وحنان. كل هذه التناقضات، يؤديها مراد بتعابير وجه تخدم كل مشهد، فتجعل المتلقي يعيد تقييمه كل مرة لاستيعاب ظروفه ودوافعه. أما زكريا بن محمد، فقد أدى دور محمود، ونال استحسان النقاد بأداء نوعي لدور البطولة، في قصة حب وانتقام جمعته بالممثلة الشابة ليديا شبوط في دور نورس، ابنة مختار المتمردة على القبيلة، والتواقة إلى التعلم والحب والهروب من الهرش.

نهاية صادمة وخيبة

 يجتهد صناع الدراما في صياغة نهايات غير متوقعة لأعمالهم، بحيث يلجأ بعضهم إلى "البلوت تويست" لقلب مجريات الأحداث وعرض آخر ما يمكن توقعه، غير أن هذه النهايات الصادمة لا تأتي دائماً مرضية ومقنعة، فوفقاً لمنشورات النقاد وتعليقات المتابعين على مواقع التواصل، كان أكثر ما تعرض للانتقاد في مسلسل كية نهايته المرتبكة في الحلقة الـ24، إذ بدت مستعجلة ومختزلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

و كشفت الحلقة الأخيرة من مسلسل كية عن قاتل يمينة بعد حلقات من الغموض والإشارات المتعددة لأكثر من شخصية، مع إبعاد الشبهة تماماً عن القاتل الحقيقي. إلا أن الكشف عنه، نفذ في مشاهد ضعيفة، وبتفاصيل غير منطقية، قدمته على نحو مخيب، أقل من التوقعات.

  من جهة أخرى، غابت مشاهد مهمة، كان قد تم التمهيد لها، مثل المواجهة بين عباس البراني والد محمود، وابن عمه مختار زعيم الهرش، إضافةً إلى اللقاء المنتظر بين عباس والعرافة خيرة، بعد أن جمعتهما مشاهد من الطفولة بتقنية الاسترجاع الزمني.

فقد تم اللقاء بعد سنوات من الغياب، في مشهد عابر بوصفه البراني، من دون أن تتعرف عليه، هي التي اجتهدت في إخفاء هذا السر العائلي والجريمة القديمة، عن بقية أفراد القبيلة.

 أما فيما يتعلق بقصة حب نورس ومحمود، فقد فوجئ المشاهدون بظهور شخصية جديدة في اللقطات الأخيرة تدعى "باية"، وبالكشف عن عجز نورس عن الإنجاب بسبب طعنة تلقتها أعلى البطن في حلقات سابقة، وصفت حينها على أنها جرح سطحي، أي أن لا موقع الجرح ولا عمقه يبرران حقيقة هذا العقم.

 تنتهي الحلقة الأخيرة بصوت منبه فسر على أن الأحداث الختامية جرت في منام البطلة. كل هذه الانتقادات، دفعت المخرج أسامة قبي إلى تفسير بعض خياراته عبر مواقع التواصل، بل وإلى حرق أحداث الجزء الثاني من مسلسل "كيّة"، ربما كي لا يخسر اهتمام المعجبين بالعمل.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة