Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هذا ما فعلته حرب إيران في المواطن العربي

تقرير أممي يفند تداعيات الصراع على منطقة الشرق الأوسط وأثرها على الإنسان العربي من غذاء وتعليم وبيئة

الأزمة الحالية تدق أجراس إنذار كثيرة لدول المنطقة (رويترز)

ملخص

تقرير أممي يقيم آثار "نزاع قصير لكن شديد" يمتد لأربعة أسابيع من حرب إيران ويتوقع السيناريوهات المقبلة. ويطلق تحذيراته.

تعيد إيران والحرب المندلعة المنطقة العربية شهوراً وربما سنوات إلى الوراء بالمقاييس الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. إذ جهد سنوات من التنمية والتقدّم على أصعدة اقتصادية واجتماعية عدة تبدده إيران وحربها في الهواء. مشاعر الغضب العربية ليست ناجمة فقط عن تعرض عدد من دول المنطقة، على رأسها دول الخليج والمشرق العربي، للعدوان، لكن لفقدان ما جرى بذله من جهد ومال لتحسين عديد من الأداءات الاقتصادية والاجتماعية، التي تحقق بعضها بشق الأنفس.

وبين مضي قدماً أنجزته دول الخليج العربي في التحول إلى مجتمعات واقتصادات ما بعد النفط، وترسيخ بنى تحتية تتمتع بالكفاءة والقوة، وبدء التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً، ودعم قطاعات عدة مثل الصناعة والزراعة، وانعكاس ذلك اجتماعياً على المواطنين والمقيمين عبر سياسات اجتماعية تضع الإنسان على رأس أولوياتها من حيث التعليم والصحة والرفاه، وهو ما انعكس إيجاباً على مؤشرات التنمية الاجتماعية والبشرية، إضافة إلى تمكّن دول أخرى ضربتها الصراعات والقلاقل وتأثرها سلباً بصراعات مجاورة من البدء في التعافي، أو على الأقل محاولات إعادة البناء للحاق بما فاتها، يقف عديد من الدول العربية اليوم شاهد عيان على الآثار الوخيمة التي تسببت فيها تكتيكات إيران التخريبية، وأعمالها العدائية على "جيرانها".

تقرير صادر عن المكتب الإقليمي للدول العربية في "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" دقّ أجراس إنذار آثار الحرب على دول المنطقة، وما تسببت فيها من أضرار اقتصادية واجتماعية أفقدتها إنجازات ما يقدر بعام كامل أو أكثر من جهود النمو والتنمية. كما يلقي التقرير الضوء على ما ينبغي وضعه في الحسبان لإعادة بناء ما تأثر بفعل حرب إيران لتفادي تكرار مثل هذه التأثيرات، وذلك عبر إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية، وإنجاز تحولات أكبر في المسار التنموي للدول العربية المتأثرة بالحرب.

التقرير الصادر تحت عنوان "التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية"، الصادر بالإنجليزية، الذي حصلت "اندبندنت عربية" على نسخة منه، سلّط الضوء كذلك على بعض مواطن الضعف الهيكلية في الدول العربية، التي ظهرت بفعل عدوان إيران.

التقديرات الأولية لكلفة الحرب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية تشير إلى حقيقة مروّعة عن الخسائر التي ستتكبدها دول المنطقة. عام كامل من النمو يجرى تقويضه، ارتفاع في معدلات البطالة، سقوط مدوٍ في براثن الفقر، وتداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة يتوقع استمرار آثارها على المدى الطويل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرب إيران عرّت مواطن الضعف. وهذا كشف عن أنه حتى الصدمات القصيرة الأجل قادرة على إحداث آثار اقتصادية واجتماعية عميقة وواسعة النطاق، تمتد آثارها إلى ما بعد الصدمة بكثير في جميع أنحاء منطقة الدول العربية. ورغم أن التصعيد العسكري يظل محصوراً جغرافياً في عدد من الدول، فإن الآثار لن تستثني أحداً في المنطقة.

يقدم التقرير تقييماً لآثار "نزاع قصير لكن شديد" يمتد لأربعة أسابيع من حرب إيران (أي إن الأسابيع الأربعة هي أقرب ما تكون إلى وحدة قياس)، وتوقع السيناريوهات المقبلة يشير إلى أن الأنظمة المترابطة وممرات التجارة وأسواق الطاقة والتدفقات المالية وشبكات الخدمات اللوجيستية توسع نطاق الآثار، وتنقلها من تصعيد محلي إلى صدمة إقليمية واسعة النطاق.

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" عبدالله الدردري يقول إن الأزمة الحالية تدق أجراس إنذار كثيرة لدول المنطقة، لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المعلقة بالسياسات المالية، معتبراً التصعيد الحالي "نقطة تحوّل مهمة في المسار التنموي للمنطقة".

ويضيف أن النتائج حتى اللحظة تشير إلى حاجة مُلحة لتعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات، بما يتجاوز مسألة الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات، وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية وتأمين النظم التجارية واللوجيستية وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من آثار الصدمات والنزاعات.

تداعيات متفاوتة

تشير التقييمات الأولية إلى أن الحرب الدائرة قد تكبد اقتصادات الدول العربية خسائر تراوح ما بين 3.9 و6 في المئة من إجمال نتاجها المحلي الجماعي، وهو ما يمثل خسائر تراوح قيمتها ما بين 120 و194 مليار دولار أميركي، ومتجاوزة بذلك إجمال النمو للناتج المحلي الإجمالي الذي حققته دول المنطقة مجتمعة خلال عام 2025.

كما تدل المؤشرات على ارتفاع معدلات البطالة داخل الدول العربية بنسبة تناهز أربع نقاط مئوية، أي ما يعادل فقدان 3.6 مليون وظيفة، وهو عدد يفوق إجمال الوظائف التي استحدثت في المنطقة خلال عام 2025، مع الوضع في الاعتبار أن التداعيات داخل دول المنطقة ليست متطابقة أو متجانسة، بل تتفاوت بصورة ملحوظة من دولة إلى أخرى، نظراً إلى الخصائص الهيكلية لكل دولة. 

خسائر كبيرة على مستوى الاقتصاد ستبدو واضحة في المنطقة جراء حرب إيران، إذ يؤدي التعرض الشديد لاضطرابات التجارة وتقلبات أسواق الطاقة إلى تراجعات كبيرة في مستويات الناتج والاستثمار والتجارة. ويتوقع أن تكون نسبة الخسارة بين 5.2 و8.2 في المئة و5.2 و8.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بالترتيب. 

أمّا زيادة معدلات الفقر، فمن نصيب دول المشرق والدول العربية الأقل نمواً والأكثر هشاشة، وتصل إلى أعلى مستويات التأثر. ويتوقع أن تنعكس الصدمات بصورة أشد وطأة على مستويات الرفاه الاجتماعي. وستؤدي الأزمة إلى زيادة معدلات الفقر داخل هذه المنطقة بنسبة خمسة في المئة تقريباً، مما يدفع بين 2.85 و3.3 مليون شخص إضافي نحو دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المئة من إجمال الزيادة في معدلات الفقر على مستوى المنطقة العربية كلها. 

 

ويتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية بنسبة تراوح ما بين 0.2 و0.4 في المئة، وهي انتكاسة تعادل بين نصف عام وعام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية. أمّا داخل منطقة شمال أفريقيا فتظل التداعيات معتدلة وإن كانت لا تزال كبيرة من حيث قيمتها المطلقة. 

ويشير التقرير إلى أن الآثار الأشد وطأة تضرب بصورة واضحة داخل الدول التي وصلت فيها القدرة على الصمود إلى حدودها القصوى وتعاني نقاط ضعف ممتدة، مثل قلة التنويع الاقتصادي والاعتماد على الأسواق الخارجية وتركيبة سوق العمل والقدرة المالية. 

ورغم أن غالب الاضطرابات والآثار السلبية تبدو وكأنها صدمة اقتصادية ولوجيستية فحسب، فإن جميعها يتحوّل في نهاية المطاف إلى ضغوط على الأسر والمجتمعات وأنظمة الخدمات الأساس. ارتفاع كلفة النقل وتقلب أسعار الطاقة واضطرابات التجارة جميعها ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية وفرص العمل والطلب على الخدمات الاجتماعية والمساحة المالية المتاحة للحكومات، وهو ما يولد ضغطاً إنسانياً واجتماعياً هائلاً على السكان.

وتضع الحرب الدائرة التي يسميها التقرير "التصعيد العسكري"، ضغطاً إضافياً هائلاً على الأنظمة الصحية والخدمات اللوجيستية الإنسانية داخل المنطقة العربية. فمن بين الإمدادات المتأخرة أدوية بقيمة ستة ملايين دولار مخصصة لغزة، إضافة إلى علاجات لأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، ناهيك بآثار البنية التحتية للرعاية الصحية بصورة مباشرة في أجزاء عدة من المنطقة، وعلى رأسها لبنان.

آثار بيئية وصحية وخيمة

ورغم الجهود العديدة التي بذلتها دول المنطقة في ملفي البيئة والصحة لمواطنيها، فإن هذه الحرب تخلف آثاراً سلبية كثيرة لم تكن في الحسبان. ففي دول عدة، من بينها لبنان، حيث أدى القصف المستمر إلى تدهور كبير في جودة الهواء، إذ تطلق الغارات والحرائق مزيجاً من الملوثات، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة والهيدروكربونات والديوكسينات وغيرها من نواتج احتراق المباني المدمرة والوقود والمواد الصناعية. ويمكن أن تبقى هذه الملوثات عالقة في الهواء وتتراكم في رئتي الإنسان، مما يشكل أخطاراً صحية طويلة الأمد.

وتمتد الآثار البيئية إلى ما هو أبعد من مناطق النزاع المباشر، إذ يمكن أن ينتقل التلوث الناتج من حرق البنية التحتية للنفط لمئات الكيلومترات في غضون يوم واحد، ما قد يؤثر في جودة الهواء داخل منطقة الشرق الأوسط برمتها. خلال الوقت نفسه، فإن اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي وأسواق المدخلات الزراعية عربياً تزيد من الضغوط الأوسع على النظام الغذائي الإقليمي.

النظام الغذائي العربي يواجه أخطاراً متعددة الأوجه، فمن اضطرابات النقل والتجارة الناجمة عن "القيود المفروضة على الشحن" عبر مضيق هرمز وشح الأسمدة، وارتفاع كلفة النقل واضطرابات القطاع الزراعي العالمية الناجمة عن الأزمة في الشرق الأوسط، يتوقع أن تشعر الدول العربية بآثار الصدمة الغذائية، وبصورة أكبر الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على السلع الغذائية المستوردة. ومن المرجح أن تؤدي الاضطرابات وبصورة سريعة ومباشرة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية المحلية.

ويلفت التقرير الانتباه إلى آثار اجتماعية واقتصادية مبكّرة لا تجد الاهتمام الكافي وسط أخبار الحرب المتلاحقة. في دول المنطقة، يُحدث التصعيد آثاراً اجتماعية واقتصادية مبكرة، بما في ذلك الدول التي تتمتع باحتياطات مالية قوية.

وبدأت قطاعات السياحة والضيافة داخل المراكز الإقليمية الرئيسة مواجهة آثار الضغوط المتزايدة الناجمة عن عدم الاستقرار واضطرابات الطيران، التي تؤثر في حركة السفر. وتمثل هذه القطاعات ركائز أساس لاستراتيجيات التنويع الاقتصادي في عدد من الدول.

ويظل الوجه الآخر لأي تصعيد عسكري هو زيادة القلق واليقظة المجتمعية، وهو ما تفعله دول الخليج العربي بصورة واضحة، وتمعن في جهود تأكيد التماسك الاجتماعي وتعزيز القدرة على الصمود لحماية الاستقرار الوطني وتحقيق مكاسب التنمية الاقتصادية.

 

التعليم يأتي على قائمة ضحايا الحرب الدائرة. عدد من الأنظمة التعليمية في الدول العربية تضرر بشدة. وفي بعض الدول، جرى تحويله إلى نظام التعليم من بعد، مثل الإمارات وقطر والبحرين وعمان، وهو ما يدل على جاهزية جيدة. ويشير التقرير إلى أنه على رغم أن هذه الإجراءات تحافظ على استمرارية التعليم، فإنها تعطل بيئات التعلم المعتادة، وتسهم في زيادة القلق بين الطلاب وأسرهم.

التعليم في لبنان يظل الأكثر تضرراً. علقت السلطات العام الدراسي إلى أجل غير مسمى، لا سيما بعدما أدى تكثيف الغارات الجوية إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين، بما في ذلك أطفال.

في الوقت نفسه، أُعيد توظيف البنية التحتية التعليمية بصورة متزايدة لأغراض إنسانية. وجرى تحويل ما يزيد على 325 مدرسة حكومية إلى ملاجئ جماعية تؤوي نحو 12 ألف عائلة نازحة. وبينما تعمل مئات المرافق الإضافية بكامل طاقتها، وأدى تحويل المدارس إلى ملاجئ إلى توقف التعليم الرسمي فعلياً في لبنان.

وتأثر نظام التعليم في الأراضي الفلسطينية، ورصدت "الأونروا" تعليق التعليم الحضوري في جميع أنحاء الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية، وذلك بسبب قيود التنقل وتزايد الأخطار الأمنية المرتبطة بالنطاق الإقليمي. 

وإضافة إلى التعطيل المباشر للتعليم، تحذر المنظمات الإنسانية من تزايد الآثار النفسية والاجتماعية على الأطفال والشباب في جميع أنحاء المنطقة. وتشير تقارير منظمة "أنقذوا الأطفال" إلى أن ملايين الأطفال في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك دول الخليج، يعيشون حالياً ضمن أجواء يهيمن عليها الخوف المتزايد وعدم اليقين.

مثلاً في لبنان، حيث يقيم عدد من العائلات النازحة داخل مبان مدرسية وغيرها من المرافق العامة، يشعر الأطفال بضغط نفسي ومخاوف من التعرض للعنف. 

وحذرت "اليونيسيف" من أن الانقطاعات الطويلة الأمد عن التعليم والتعرض المتكرر للصراع قد تترك آثاراً نفسية ونمائية طويلة الأمد، لا سيما بالنسبة إلى الأطفال الذين يعيشون بالفعل في ظل أزمات متعددة خلال الأعوام الأخيرة.

مزيد من النزوح والضغوط

النزوح والضغوط الإنسانية تلقي بظلال مضاعفة الكثافة على المنطقة جراء الحرب، لا سيما في الدول المعرضة مباشرة للنزاع. وما كادت دول المنطقة تبدأ في التقاط الأنفاس جراء آثار الحروب التي ضربت العديد من الدول، مثل سوريا، وما تسببت فيه من موجات نزوح، وضغوط على أنظمة وإمكانات وقدرات الدول المستقبلة للهاربين من الحرب، حتى اندلع العدوان الإيراني ليعيد الكثير من هذه الضغوط إلى المربع صفر، حيث تصاعد النزوح الداخلي والتحركات العابرة للحدود وارتفاع الضحايا من المدنيين والهجمات على الرعاية الصحية، وإغلاق المدارس والاكتظاظ وغيرها تفاقم آثار الحرب على الجميع. وتقيد وصول المساعدات الإنسانية بسبب انعدام الأمن وإغلاق الحدود وقيود المجال الجوي.

في غزة، أدى إغلاق المعابر الرئيسة والقيود المفروضة على التنسيق الإنساني إلى تعطيل دخول الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، مع الحد من عمليات الإجلاء الطبي وتناوب العاملين في المجال الإنساني.

يشار إلى أن "الأونروا" أعلنت الوضع الإنساني في لبنان، والناجم عن النزوح الجماعي "حال طوارئ إنسانية كبرى".

وتلقي الحرب كذلك بمزيد من الظلال الوخيمة على ديناميكيات النزوح بين اللاجئين السوريين في لبنان، إذ أشار التقرير إلى أن التصعيد العسكري داخله أدى إلى تسريع وتيرة النزوح الداخلي، وكذلك حركات العودة عبر الحدود إلى سوريا. وبينما كانت حركات العودة من لبنان بدأت بالفعل في أعقاب التغيرات السياسية والاقتصادية في سوريا عام 2024، أدى "تصعيد العمليات العدائية في لبنان" إلى تدفق حاد وسريع، مدفوعاً بانعدام الأمن وتدهور أحوال المعيشة في لبنان.

بين ديسمبر (كانون الأول) 2024 وأواخر فبراير (شباط) الماضي، عاد ما يقدر بنحو 511 ألف سوري من لبنان إلى سوريا. وبعد اندلاع الأحداث الحالية تسارعت وتيرة العودة، وأفادت تقارير بأن أكثر من 65 ألف سوري عبروا الحدود عائدين إلى سوريا في غضون أسبوع تقريباً. ويصل بذلك العدد التراكمي للعائدين من لبنان إلى أكثر من 570 ألف سوري.

تجدر الإشارة إلى أن التركيبة السكانية وخصائص العائدين من لبنان إلى سوريا بفعل الأحداث الحالية تختلف عمن عادوا قبل اندلاع الصراع الدائر. الفئة العائدة حالياً هي الأكثر هشاشة، معظمها الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال غير المصحوبين بذويهم، وكبار السن الذي لا يتلقون دعماً، والأسر التي تضم أشخاصاً ذوي إعاقة. بمعنى آخر، تعود إلى سوريا الأسر المفككة والنساء والأطفال، ويبقى المعيلون الذكور في سن العمل داخل لبنان، وذلك على أمل الحفاظ على مصادر دخلهم والحوالات المالية.

 

وهذا يعيد الدفة إلى معضلة الفقر، إذ يشير التقرير إلى أن الصدمات القصيرة شديدة الأثر تؤدي إلى زيادة ملحوظة في معدلات الفقر داخل أنحاء منطقة الدول العربية كافة، مع تفاوت درجات التأثير. غالب التأثير يحدث في بلاد المشرق، حيث سيرتفع معدل الفقر بصورة ملحوظة في جميع السيناريوهات بنسبة تراوح ما بين 8 و12 في المئة، إضافة إلى المعدلات الحالية.

سيكون الأثر في سوريا بالغاً، حيث مستويات الفقر والسكان الأكثر هشاشة قبل اندلاع الصراع الحالي، يضاف إليهم منضمون جدد إلى حلقة الفقر، بسبب ضعف القدرة على الصمود. كذلك الحال في كل من العراق ولبنان والأردن، حيث صدمات الدخل المتدني والبطالة تتفاقم آثارها.

أما الدول الواقعة في براثن صراعات قائمة بالفعل، وعلى رأسها اليمن والسودان، فأصغر الصدمات يتسبب في مزيد من المعاناة المتفاقمة أصلاً.

يخلص التقرير إلى أن الجميع في هذه الحرب، أو هذا التصعيد العسكري، متأثرون، وكلما طال أمد الصراع الدائر حالياً، تعمقت الآثار السلبية والنتائج الوخيمة على المنطقة، وطال أمد إصلاح الآثار والعودة من حيث بدأ التصعيد.  فالاختلالات الاقتصادية آخذة في التفاقم، والضغط على الأنظمة الاجتماعية الهشة أصلاً بات فوق الاحتمال.

الحرب الدائرة سلطت الضوء على أزمة ملحة في المنطقة العربية، والمتمثلة في الحاجة الماسة إلى إعادة تقييم شاملة لنماذج التنمية المعقدة. عقب انتهاء الأزمة، ستحتاج الدول العربية إلى إعادة تصميم وتنفيذ حازمين للمنظومات الاقتصادية، تكون ذات معايير مُحكمة، مع وضع أطر سياسات متماسكة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. وينبغي أن تركز الأولويات على حماية الفئات الأكثر ضعفاً من خلال منظومات الدعم الاجتماعي الموجه، وضمان التعافي السريع لأنظمة التعليم والصحة للتخفيف من الخسائر طويلة الأجل.

بعد التعافي

وبعد اتخاذ الإجراءات المصيرية للتعافي السريع، يوصي التقرير بتسريع استراتيجيات طالما نُودي بها وذلك لتحقيق مبدأ التنوع الاقتصادي، ليس فقط من خلال توسيع قاعدة الإنتاج لكن بتنويع سلاسل التوريد والتجارة للحد من الاعتماد المفرط على ممرات وشركات محددين.

وينبغي وضع التحول في مجال الطاقة وكفاءتها وتنويع سلاسل التوريد على رأس أولويات الإصلاح وإعادة البناء بعد الحرب، باعتبارهما محركين حاسمين للقدرة على مواجهة الأحداث المفاجئة بأقل خسائر ممكنة.

من جهة أخرى، يشير التقرير إلى أن هذه الحرب كشفت عن أن هشاشة المناطق والدول مترابطة ترابطاً وثيقاً، وذلك على رغم انخفاض مستويات التكامل التجاري الرسمي بينها. وكشفت عن أن تأثيرات تداعيات الصراعات والأزمات لا تفرق بين دول المنطقة العربية، على رغم اختلاف أوضاعها وظروفها، إذ إنها تنال من الجميع.

قائمة التوصيات تشمل توثيق قواعد التكامل والتعاون الاقتصاديين بين الدول، وتعزيز دور وأثر المؤسسات دون الإقليمية، التي تعد إحدى السبل الناجعة لتحين المرونة الجماعية للمنطقة.

 

وعن أبرز الانكشافات الناجمة عن "التصعيد العسكري"، يقول الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبدالله الدردري إن الحرب كشفت عن أن الاقتصادات العربية مترابطة اقتصادياً واجتماعياً بعمق لم يكن واضحاً أو ظاهراً قبلها. وأثبتت أن نماذج التنمية العربية المصممة بمعزل عن غيرها ودون مراعاة الديناميات الإقليمية تزداد هشاشة في مواجهة عدم الاستقرار.

وأضاف أن تداعيات الأحداث الحالية سلطت الضوء على الحاجة الملحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات، وتأمين أنظمة التجارة والخدمات اللوجيستية وتوسيع الشراكات الاقتصادية وتوسيع قواعد الإنتاج، بالتالي تقليل التعرض للصدمات والصراعات.

أحد الدروس التي يجب على الدول العربية أن تخرج بها من الحرب الدائرة هي علاج نقاط الضعف الكثيرة التي كشفت عنها الأحداث، ويكفي أن الجهود والإنجازات التي تحققت بشق الأنفس على أصعدة التنمية ودرء الفقر والتعليم والتشغيل وغيرها تبخرت في هواء الحرب. 

تجدر الإشارة إلى أن واضعي التقرير اعتمدوا على عمليات محاكاة لتقدير حجم الاضطرابات الإقليمية المحتملة، بناءً على فرضية "نزاع قصير لكن شديد" لمدة أربعة أسابيع، مع الوضع في الاعتبار أنها تقديرات توضيحية للنتائج المحتملة في ظل شدة الصدمات المتلاحقة. 

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات