ملخص
مع استمرار الحرب وتأثيرها في تدفقات النفط العالمية، تتزايد رهانات البنوك الاستثمارية على صمود الاقتصاد الصيني، ويعكس أداء الأسواق خلال مارس الماضي تفوقاً نسبياً للصين مقارنة بنظرائها في آسيا والعالم.
تتزايد جاذبية الأسهم الصينية لدى المستثمرين العالميين في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ومع استمرار الحرب وتأثيرها في إمدادات الطاقة، تبحث المؤسسات المالية عن أسواق أكثر استقراراً، وتبرز الصين كخيار مفضل بفضل مرونتها الاقتصادية وتراجع تأثرها بصدمات النفط العالمية.
وتتجه البنوك العالمية بصورة متزايدة نحو الأسهم الصينية باعتبارها ملاذاً آمناً نسبياً، خلال وقت تستمر فيه الحرب المرتبطة بإيران في إضعاف شهية المخاطرة في الأسواق العالمية، وإحداث تقلبات حادة في مختلف الأصول المالية.
ومع دخول الصراع شهره الثاني، تعرضت الأسواق العالمية لضغوط قوية، وبخاصة بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم، والذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية.
تباطؤ النمو الاقتصادي
تسبب هذا التطور بارتفاع حاد في أسعار النفط، مما انعكس سلباً على أسواق الأسهم وأثار مخاوف واسعة في شأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.
في هذا السياق، برزت الصين كوجهة استثمارية أكثر استقراراً مقارنة بنظرائها الإقليميين، إذ أظهرت أسواقها قدرة ملحوظة على الصمود في وجه الاضطرابات العالمية. وأشار بنك "جيه بي مورغان" وفقاً لـ"رويترز" إلى أنه يفضل السوق الصينية على غيرها في المنطقة خلال الفترة الحالية، مستنداً إلى عوامل عدة رئيسة، من بينها انخفاض اعتماد الصين على واردات الطاقة من منطقة الخليج، إلى جانب امتلاك الحكومة أدوات مالية قوية تمكنها من دعم الاقتصاد في أوقات الأزمات.
وأكد بنك "أتش أس بي سي" موقفه الإيجابي تجاه الأسهم الصينية، مشيراً إلى أن السوق تتمتع بخصائص دفاعية مهمة، أبرزها اعتمادها الكبير على المستثمرين المحليين، وهو ما يقلل من تأثير تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية السريعة، إضافة إلى ذلك أسهم استقرار العملة الصينية نسبياً في تعزيز جاذبية السوق، وبخاصة في ظل التقلبات التي تشهدها العملات الأخرى.
الأسواق والقدرة على امتصاص الصدمات
على مستوى الأداء، أظهرت البيانات أن مؤشر شنغهاي المركب تراجع بنحو ستة في المئة خلال مارس (آذار) الماضي، وهو انخفاض محدود نسبياً مقارنة بالانخفاضات الحادة التي شهدتها أسواق آسيوية أخرى، إذ تكبدت الأسهم في كوريا الجنوبية خسائر بلغت نحو 18 في المئة، بينما تراجع مؤشر "نيكاي" الياباني بنحو 13 في المئة، مما يعكس الفارق في قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات.
ويرى محللو بنك "بي أن بي" أن هذا الأداء المتفوق للأسهم الصينية مرشح للاستمرار، بل وقد يتعزز بصورة أكبر في حال طال أمد الحرب. ويشيرون إلى أن استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسواق الأكثر انكشافاً على تدفقات الطاقة، في حين ستستفيد الأسواق الأقل تأثراً، وفي مقدمها الصين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جانب آخر، أوضح محللو "غولدمان ساكس" أن الاقتصاد الصيني يتمتع بقدرة أفضل نسبياً على مواجهة صدمة إمدادات النفط، نتيجة لسياسات طويلة الأمد ركزت على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط، وعززت الصين خلال الأعوام الماضية احتياطاتها الاستراتيجية من النفط، ما يمنحها هامشاً أكبر للتعامل مع أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات.
إعادة رسم خريطة الاستثمارات الدولية
إضافة إلى ذلك، تمتلك الصين علاقات تجارية واسعة مع دول منتجة للطاقة خارج منطقة النزاع، مما يتيح لها مرونة أكبر في تأمين حاجاتها. وتعد هذه العوامل مجتمعة من أبرز الأسباب التي تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية وتوجيه جزء أكبر من أموالهم نحو السوق الصينية.
وفي ظل استمرار حال عدم اليقين، من المتوقع أن تظل الأسهم الصينية محط اهتمام المؤسسات المالية العالمية، وبخاصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في التأثير في تدفقات الطاقة والأسواق العالمية.
وقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم خريطة الاستثمارات الدولية، مع تزايد التركيز على الأسواق التي تتمتع بمرونة داخلية وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات الخارجية.
وبينما تظل الأخطار قائمة، يرى عدد من المحللين أن الصين قد تكون من أبرز المستفيدين من التحولات الحالية في الأسواق، خلال وقت يبحث فيه المستثمرون عن الاستقرار وسط بيئة عالمية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.