ملخص
في روايتها "صيف لا ينسى"، تنطلق الكاتبة كارمي رييرا من مفارقة مؤلمة تضرب في عمق الوعي الإنساني، فتكشف عن وجهين متناقضين للمعرفة، أحدهما يضيء الطريق ويعد بالتحرر والنجاة، وآخر يجعل منها فخاً، فتغدو أداة للحصار، وشرنقة تحكم قبضتها على ضحاياها.
تتمرد الكاتبة الإسبانية كارمي رييرا في روايتها "صيف لا ينسى" (دار العربي، بترجمة من الإسبانية أنجزها أحمد عويضة) على نقاء النوع الأدبي وتهدم حدوداً بين أنواع أدبية عدة فيحمل نصها بعض سمات أدب الجريمة وأدواته، ولا سيما الغموض والتهديد والتشويق، ويتقاطع في الوقت ذاته مع الرواية النفسية، إذ تُبرز التلاعب النفسي والتوتر الداخلي، تفكك الوعي وتكشف عن أكثر البقع إظلاماً داخل النفس الإنسانية. كذلك تتجلى أبعاد اجتماعية أخرى، فتطرق قضايا تدور حول العمل والترقي والعلاقات المركبة بين الرجال والنساء، لكن النص الذي ينهل من روافد متنوعة، لا ينتمي كلياً لأي منها، إذ تتجلى جميعها كظلال تتداخل معاً لتدفع بالسرد خارج منطقة التصنيف المريح، وتبرز منذ البداية سواء على مستوى التقنية أو على مستوى الحدث؛ قضية الالتباس كثيمة جوهرية للنص.
تنطلق الأحداث من قرار تتخذه "لاورا براتس" ذات التسعة وأربعين سنة، بتعلم اللغة الإنجليزية، بعد أن أعاق عدم معرفتها بها محاولاتها للترقي والتقدم المهني كمسوقة عقارية. تقوم بإلغاء إجازتها الصيفية وتحول وجهتها إلى الريف الإنجليزي، للحصول على المساعدة من معلمة غريبة الأطوار. وبعد وصولها المنزل القابع في منطقة نائية؛ تتلاشى المسافة بين التعلم والاستلاب وتبدأ رحلة من الرعب النفسي والمفاجآت الصادمة.
العتبة الأولى
لم تحتفظ الترجمة بعنوان النص الأصلي، وهو "صيف إنجليزي"، وعلى رغم الترجمة المثالية التي انساب عبرها السرد كما في حال لغته الأم، فإن العنوان الجديد سقط في فخ "الكليشيه" المكرر من جهة، ومن جهة أخرى أفقد النص مفاتيحه الدلالية، ومنحه دلالات رومانسية زائفة، تتصل بالنوستالجيا والذكريات وربما الحب، وهي إحالات قد تخدم الغاية التسويقية، لكنها لا تتسق مع بنية الرواية، ولا مع مناخها الملغوم بالتوتر والصراع. ولا سيما أن اللغة الإنجليزية ومحاولات تعلمها لم تكن بوابة تسللت عبرها الكاتبة إلى عالم من الرعب النفسي وحسب، بل كانت أيضاً قضية مركزية شائكة، أضاءت عبرها انكسارات سياسية وقومية ومفارقات موجعة.
وعلى رغم ما يتيحه إتقان تلك اللغة من تحرير الإرادة واستقلال الفعل؛ "كنتُ متأكدة أيضاً من أن بعض الأحداث السياسية التي وقعت في بلدنا عاثر الحظ لها علاقة بهذا. آمنتُ مثلاً بأنه لو كان رئيس الوزراء أثنار يعرف قدراً كافياً من الإنجليزية لما شاركنا في حرب العراق. دفعته عُقد النقص التي عاناها إلى قول نعم لبوش بدلاً من لا يا عزيزي. لا يمكنك التفاوض بلغة لا تتقنها" (ص10). وهكذا فإن الهوس بتعلم الإنجليزية يعكس في الوقت نفسه تكريس هيمنة المركز وانسحاق الهامش، الذي بدا ضمناً في علاقة "السيدة جروس" بالبطلة الإسبانية، وكذا عبر رمزية ما تكبدته "براتس" على يد تلك المرأة الإنجليزية من محاولات الإخضاع والهيمنة والحصار.
كذلك كانت إشكالية اللغة جسراً سلكته الكاتبة لطرح رؤى حول شروط الاندماج في عالم لا تتوازن فيه القوى، وحول التباين الثقافي بين أمة وأخرى، كذلك كانت وسيلة لتمرير إحالات رمزية تشي بتناقضات الشخصية الإنجليزية، وكذا بالعداء السياسي التاريخي بين كل من إسبانيا وبريطانيا. وإلى جانب هذه الإشكالية المركزية، عرجت كارمي على قضايا أخرى مثل التغيرات المناخية والإجهاد الحراري، والتطور التكنولوجي الذي أسفر عن تغير في نمط الحياة، بدا على سبيل المثال في التصاق الناس بهواتفهم؛ "التلفون بالنسبة لي، مثل الكثيرين، جزء أساسي، عضو من أعضاء جسدي، ليس بإمكاني العيش من دونه" (ص53).
الاستباق والتشويق
مع بداية رحلتها أطلقت الكاتبة صوت شخصيتها المحورية، "لاورا براتس"، في سرد ذاتي، معتمدة بناءً دائرياً يبدأ بالحدث الأخير، إذ شرعت البطلة في مخاطبة أحد المحامين، ساردة له رحلة قادتها إلى السجن، ومؤكدة حرصها على الاعتناء بأدق التفاصيل كي يتمكن من الدفاع عنها. وضمنت الكاتبة عبر هذا الخطاب المباشر وضع القارئ في موقع المحامي، ومن ثم إشراكه في لعبة السرد. واتسق السرد الذاتي باستخدام ضمير المتكلم مع حالة الدفاع عن النفس، التي تعيشها البطلة، وسمح في الوقت نفسه ببلوغ أعماق ذاتها، وسبر أغوارها، والكشف عما اعتمل في دواخلها من مشاعر الخوف والفزع والندم، بصدقية وحميمية لم تكن لتتسنى لراوٍ خارجي.
كذلك فإن الكاتبة عبر هذا النمط الاعترافي، والاستباق بالتلويح بكارثة ومأزق استدعى تدخل محامٍ للدفاع؛ مررت جرعة هائلة من التشويق دعمتها باستباقات متوالية ولا سيما في وصف البطلة للصيف الذي قامت فيه برحلتها بالمؤسف، وفي شكوكها حول المعلمة، وكذا في إشارتها للثمن الباهظ الذي دفعته مقابل سعيها لتعلم الإنجليزية. وعزَّزت الكاتبة تلك النبرة التشويقية عبر ما دفعت به في نسيجها السردي من غموض ومطاردات ومفاجآت، فبينما مثّل مظهر المعلمة المفاجأة الأولى للبطلة والقارئ معاً، توالت المفاجآت التي اتصلت بسماتها النفسية، وأوهامها وجنونها؛ "لا وجود لريتشارد، الآن أدركتُ أنه لم يكن سوى اختراع من جروس التي لم تتزوج قط. كان نتاج خيالها الذي حوَّله جنونها إلى حقيقة أسقطتها على شخصيتها. حاولت التكيف مع الذات الذكورية التي ربما جعلتها أكثر سعادة" (ص131).
ظلال نفسية واجتماعية
في ثنايا هذا البناء التشويقي المتسارع الأحداث توغلت الكاتبة في الطبقات الأعمق للنفس الإنسانية. وعمدت لتشريح سماتها السيكولوجية المعقدة، فرصدت تآكل تقدير المرأة لذاتها حين تتعرض للترك، وممارستها الاستخفاف برجل تحبه وتحتاجه، وغاصت أبعد في سوداوية الأنثى عبر شخصية "جروس"، التي ناصبت جسدها الضخم العداء، وتنكرت في هوية ذكورية، كمحاولة بائسة للهروب من أنوثة لم يمنحها رجل صك الاعتراف. كذلك رصدت رييرا الأنانية الفطرية للبشر وانسحابهم عند الشعور باحتياج الآخر، وكذا التهور اللامحدود تحت وطأة الرغبة والهوس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واشتبكت مع الاستجابات المركبة للنفس البشرية حين تشعر بالوحدة، الخوف والخطر، وما تنتهجه من ميكانيزمات الدفاع كاستدعاء الأمل، والارتحال إلى المستقبل والإنكار: "شعرتُ أن الداخل يحوي أخطار أكثر بكثير من الخارج. حاولتُ تهدئة نفسي بإخبارها أن الرؤية ربما لم تكن واضحة، وأن سريراً واحداً هو المشغول وليس كلاهما، سرير جروس فقط" (ص77). وإلى جانب هذا الحضور الكثيف للبعد النفسي، منحت حضوراً مماثلاً للبعد الاجتماعي عبر تتبعها لعلاقات مرتبكة بين الرجل والمرأة، وما تتعرض له بعض النساء من تعنيف وامتهان؛ "لم أجد أمامي سوى قطع باقي المسافة سيراً، ولم أعرف أيهما أفضل، التوجه إلى الفندق أم الاستمرار نحو ليدبوري وهو ما يعني أنني سأستغرق ساعات طويلة، ما يترتب عليه خطر أن يلتقطني أحد أقارب ريتشارد الذي ربما لعدم وجود امرأة يعنفها ويسيئ معاملتها، سيفرغ قوته في أول جسد أنثوي يقترب منه" (ص96).
كثافة الوصف
عبر تقنية الوصف رسمت الكاتبة ملامح الأماكن والشخوص، وشيدت عوالم بصرية يمكن لحواس القارئ أن تدركها. ووظفت هذه التقنية في خدمة الحبكة، والتنامي الدرامي للأحداث، إذ برر وصف شعور البطلة بالعجز والإحباط لعدم معرفتها باللغة الإنجليزية؛ رحلتها إلى الريف الإنجليزي بعد اتفاق إلكتروني لم تدعمه معلومات كافية، ولا ضمانات من مركز وسيط. ومهد وصف دمامة "جروس" وجسدها الضخم وبنيتها الرجولية القوية؛ لخللها النفسي واضطرابها السلوكي، الذي تجلى في اللاحق من الأحداث. كما مهَّد لعدم تكافؤ القوة بين طرفي الصراع "المعلمة والدارسة"، مما شرعن جريمة "لاورا"، وبررها كوسيلة للدفاع عن النفس.
أما الوصف الدقيق للمنزل على لسان البطلة، ففضلاً عن اتساقه مع مقتضى حالها وعملها كمسوقة عقارية، أسهم أيضاً في إبراز التناقض بين جمال المكان وقبح المعلمة، واتسقت هذه الحال من التضاد وعدم الانسجام مع الحقيقة التي تكشفت عبر تطور الأحداث، معلنة ألا صلة بين المرأة والبيت الذي ادعت ملكيته. ولم يقف الوصف عند حدود المكان والملابس والشخوص، بل امتد إلى الطعام مما سمح بتمرير دلالات ضمنية مبطنة، فأحال وصف البطلة لوجبة "الهاجيس" الإنجليزية بأنها عقاب من جهنم، إلى عمق الاستلاب، إذ حاولت "جروس" السيطرة على البطلة حدَّ فرض سلطتها على ما يمر إلى معدتها، وأحال في الوقت نفسه إلى رفض الهامش المتمثل في البطلة الإسبانية، للمركز المتمثل في ثقافة إنجليزية تحاول استلابه. وعلى رغم تكشف الحقائق وتساقط الأقنعة، تعود ثيمة الالتباس إلى واجهة السرد، فيرى المجتمع الإنجليزي "لاورا" كجانية، ويحاول إلباس المعلمة المقتولة، التي يتبين أنها "آني" جليسة السيدة "جروس" الحقيقية؛ ثوب الضحية، بإصرار يعززه عدم ثبوت جرائمها. وتنطلق الكاتبة من هذا الالتباس إلى نهاية مفتوحة، يقرر عبرها القارئ؛ إما أن تتحقق العدالة أو أن تظل غائبة!