Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أنهت الحرب الإيرانية ما تبقى من دور للجامعة العربية؟

غياب "الحضور والفعالية" وضع الجامعة أمام "حالة انكشاف" وطرح أسئلة في شأن جدوى وأهمية منظومة عملها في مواجهة تحديات المرحلة ومستقبلها يبقى رهن "التحولات المرتقبة"

مقر جامعة الدول العربية بالعاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

ملخص

أمام حالة "الغياب والهشاشة" التي بدت عليها الجامعة العربية في تعاطيها مع الحرب الإيرانية، طفت على السطح كثير من الأسئلة طاولت "واقعية وجدوى" مفاهيم العمل العربي المشترك الراهنة، وفي القلب منها جامعة الدول العربية التي تأسست في عام 1945، بعد أن كشفت الأزمة عن محدودية فاعليتها، وغياب أي دور لها في حماية مصالح وسيادة دولها الأعضاء.

على وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي تعكس في تبعاتها الاستراتيجية والأمنية محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في الشرق الأوسط، يواجه العمل العربي اختباراً غير مسبوق على مستوى "تماسكه وجدواه"، مع عودة أسئلة قديمة متجددة، في شأن ما إذا كانت جامعة الدول العربية لا تزال قادرة على إداء دورها الذي أسست من أجله قبل أكثر من ثمانية عقود كـ"إطار جامع لتحقيق التكامل والتعاون العربي متعدد الأطراف".

وأمام تصاعد وتيرة الحرب وتمدد جغرافيتها في الإقليم، حيث استمرار طهران لاستهداف دول الخليج العربي والأردن والعراق وإدخالهم في معادلة الصراع، وتنامي المخاوف من اندلاع "حرب شاملة"، بدا حضور الجامعة "باهتاً ومتراجعاً" كالمعتاد، وفق توصيف كثر، لا سيما بعد أن استغرق أول تحرك رسمي لها أكثر من أسبوع من اندلاع الحرب، حين دعي إلى عقد اجتماع طارئ عبر تقنية الفيديو لوزراء خارجية الدول الأعضاء في الثامن من الشهر الجاري، لـ"إدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن"، مما عمق ما اعتبره بعضهم "لحظة انكشاف" حالة الجامعة العربية في مواجهة "ثقل الأزمة وتعقيداتها وتداعياتها".

وبقدر حالة "الانكشاف" تلك تجاوزت الأسئلة في شأن "حاضر ومستقبل" العمل العربي المشترك ثنائية "الفاعلية والغياب" لدور الجامعة العربية، إذ تباينت الرؤى في شأن ما إذا كان تراجع دور الجامعة وتفاعلها مع أزمات المنطقة وبخاصة المصيرية منها، ليس نتاج الحرب الراهنة بقدر ما هو نتيجة مسار طويل من غياب الإرادة السياسية وتباين أولويات الدول الأعضاء، فيما اعتبر بعضهم أن بنية النظام الإقليمي نفسه تجاوزت قدرة الجامعة على التحرك، في وقت تمسك فيه آخرون بضرورة إحياء تفعيل المؤسسة كمنصة "جامعة" لإبقاء آمال قد تحقق حول التكامل والتعاون العربي المنشود كمسار وحيد لا غنى عنه لتجاوز التحديات التي فرضتها الحرب الإيرانية.

لماذا غابت "فاعلية" الجامعة؟

أمام حالة "الغياب والهشاشة" التي بدت عليها الجامعة العربية في تعاطيها مع الحرب الإيرانية، طفت على السطح كثير من الأسئلة طاولت "واقعية وجدوى" مفاهيم العمل العربي المشترك، وفي القلب منها جامعة الدول العربية التي تأسست في عام 1945، بعد أن كشفت الأزمة الراهنة عن محدودية فاعليتها، وغياب أي دور لها في حماية مصالح وسيادة دولها الأعضاء.

 

ولفهم أسباب التراجع تلك، يقول السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، إنه لا يتوجب القول إن "الحديث عن تراجع في دور جامعة الدول العربية لا ينبغي من دون الإقرار والاعتراف أن الجامعة هي تنظيم إقليمي دولي يعكس الإرادة الجماعية للدول الأعضاء بها"، موضحاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية" بأن "نجاح الجامعة العربية من عدمه في التعامل مع قضايا بعينها يرتبط أساساً وبطريقة مباشرة بالدول الأعضاء بها ورغبتهم في إنجاح منظومة عملها، وهذا أمر يبقي بعيداً مع اعتبار بعض الدول الأعضاء للجامعة كمكان فقط لإلقاء الخطب والبيانات لا أكثر ولا أقل".

وبحسب هريدي، فإن "السؤال الأساس عندما نتحدث عن دور الجامعة وفاعليته، يكمن في مدى احترام والتزام الدول الأعضاء بما جاء في ميثاق الجامعة، هذا سؤال يجب أن يطرح، بمعنى أنه وفقاً للمادة الثامنة من ميثاق الجامعة فإن على الجميع احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء، وعلى رغم ذلك هناك عدد من الدول العربية تسمح لنفسها بالتدخل في الدول العربية، وتسمح لنفسها بدعم قوى معارضة في دول بعينها وهو ما رأيناه في السنوات الأخيرة"، وتابع "وعليه قبل أن نحكم على مدى فاعلية الدول العربية يتوجب علينا أن نطرح السؤال في شأن التزام الدول الأعضاء بميثاق الجامعة".

من جانبه يقول السفير سيد قاسم المصري، مندوب مصر السابق بالجامعة العربية، أن أزمة الحرب الإيرانية الراهنة "ليست هي الوحيدة التي كشفت عن تضاؤل دور الجامعة وعجزها عن القيام بمهماتها"، موضحاً في حديثه معنا "منذ فترة طويلة ومنظومة عمل الجامعة تحتضر، وذلك بفعل عوامل عدة من بينها ضيق مساحة الحركة المتاحة للأمين العام، وهيمنة أطراف عربية بعينها على نشاطها، فضلاً عن تأثير وتبعات التدخلات الخارجية، التي انعكست بصورة سلبية على فاعلية دورها"، معتبراً أن "الفعالية السياسية لجامعة الدول العربية أصبحت ما دون الصفر على رغم بعض النجاحات والتقدم الذي حققته في مجالات أخرى غير السياسية".

وتابع المصري أن "الجامعة العربية كأية منظمة إقليمية أو دولية هي مرآة لأعضائها، إذ لا توجد شخصية مستقلة اسمها الجامعة العربية، بل هي مؤسسة تتحرك وفق وما تمليه عليها الدول الأعضاء إذا اتفقوا، أي أنها تستمد قوتها من أعضائها ورغبتهم في تقوية المظلة الجامعة لهم على جميع مستويات التعاون، الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية والثقافية"، مضيفاً "إذا توفرت الإرادة والنوايا للدول الأعضاء فإنها ستنجح وفق إطار عملها، ومن دون ذلك ستتحول إلى مجرد شكل وهيكل يلتقي به القادة والرؤساء".

ويتابع المصري "يكمن الإشكال في فاعلية الجامعة العربية في سببين، أولهما رغبة الدول الأعضاء في تقوية دورها، والآخر في ميثاقها المنشئ لها وطريقة تصويت أعضائها، الذي لم يشهد تعديلاً منذ وضعه على رغم التطورات والأحداث التي شهدتها دول المنطقة على مر العقود السابقة"، مشيراً في الوقت ذاته إلى محاولة بعض الأعضاء لحلحلة موضوع التصويت قليلاً خلال الفترة الأخيرة، إلا أن تلك المحاولات لم تكتمل.

ووفقاً لميثاق الجامعة العربية، تنص المادة السابعة منه والمعنية بطريقة التصويت، على أن ما يقرره مجلس الجامعة بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، أما ما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله، وذلك بخلاف مفهوم الغالبية البسيطة أو المطلقة الذي تتبناه غالب المنظمات الدولية في طريقة التصويت وإلزام أعضائها به. كما أن الميثاق لا يشترط الإجماع في كل الحالات المعروضة، لأن الإجماع غير مطلوب إلا عند اتخاذ التدابير اللازمة لدفع العدوان على إحدى دول الجامعة، أو عند اتخاذ قرار حول فصل أحد الأعضاء من الجامعة.

في المقابل، يعزو خالد شنيكات، رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، تراجع دور الجامعة على مجموعة من الأسباب، قائلاً "تشير الأحداث والأزمات الأخيرة التي شهدتها المنطقة العربية إلى احتمالية أن تواجه الجامعة العربية التفكك في ظل غياب دورها وفاعليتها الواضحة"، موضحاً في حديثه معنا "تأسست الجامعة العربية على أساس القومية العربية، وبقيت على هذا الوضع من دون أية قدرة على تطوير أدواتها أو التكيف مع المتغيرات الدولية، فضلاً عن عدم قدرتها على تحديث طريقة عملها، بما يقيها أو يحافظ على المصالح العربية، كما بقيت مؤتمرات القمة وقراراتها التي أعلنت تحت مظلة الجامعة، لم تجد طريقها للتطبيق والنفاذ، مما أثر بالتبعية في فاعلية ودور الجامعة في مواجهة الأزمات الكبرى والمصيرية".

 

وتابع شنيكات "هناك عامل آخر أثر في عمل الجامعة العربية ودورها، وهو المتمثل في التدخلات الدولية التي كانت عائقاً للعمل العربي وعمل الجامعة، وخصوصاً مع تدخلات القوى الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقاً، التي قادت إلى حالة من الاستقطاب بين الدول الأعضاء"، مضيفاً "القضية الأخرى أن الجامعة العربية لم تنشئ عملاً مؤسسياً عربياً أو حتى سعت بصورة جادة نحو تحقيق التكامل العربي وتوحيد السياسات الأمنية والاقتصادية وغير ذلك، وهو أمر لو تم لربما قلل من تأثير التدخلات الدولية والإقليمية".

ومضي شنيكات قائلاً "على رغم ما تملكه الدول العربية من قدرات وإمكانات اقتصادية وبشرية هائلة وموقع استراتيجي على المستوي الجغرافي، إلا أن إطار العمل العربي بقي دون المستوى، ولم تتمكن الجامعة العربية من بلورة تلك الإمكانات لخدمة الأهداف التي تأسست من أجلها".

هل انتهى دورها؟

على مدار أيام الحرب الماضية، بدا لافتاً صعود أصوات عربية رسمية وغير رسمية منتقدة لـ"جدوى العمل العربي المشترك" وتراجع دور الجامعة العربية إثر غياب فاعليتها وحضورها في الأزمة الراهنة، مطالبين بإعادة مراجعة وتعريف "آليات العمل العربية"، بعد أن كشفت عن ضعفها الحرب الإيرانية الراهنة.

من بين تلك الأصوات، كان حديث وزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، حين قال في كلمته خلال أعمال اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري أول من أمس إن "التجارب المتعاقبة كشفت عن محدودية فاعلية منظومة العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، مما يستدعي وقفة مراجعة صريحة ومسؤولة، فقد أثبتت جامعة الدول العربية على رغم مكانتها الرمزية عجزاً واضحاً عن مواكبة التحديات المتسارعة، وعن الاضطلاع بدور مؤثر في صون الأمن العربي".

ودعا الشيخ جراح الصباح إلى "الحاجة الملحة إلى إعادة هيكلة شاملة تعزز من كفاءة آليات اتخاذ القرار وترسخ أدوات تنفيذية أكثر فاعلية واستجابة بما يتناسب مع تعقيدات المرحلة"، مضيفاً أنه "من المؤسف أن يأتي هذا القصور في وقت لم تدخر فيه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جهداً في نصرة قضايا الأمة العربية والإسلامية سياسياً واقتصادياً، إذ كانت ولا تزال في طليعة الداعمين للاستقرار والتنمية والحريصين على وحدة الصف العربي، مما يضاعف من مسؤولية تطوير الإطار المؤسسي العربي ليواكب هذه الجهود ويترجمها إلى نتائج ملموسة".

 

كلام رأس الدبلوماسية الكويتي، سبقه حديث مشابه لأنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، حين غرد قبل نحو أسبوع على منصة "إكس" قائلاً "إنه يحق لدول الخليج العربي أن تتساءل عن دور مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في وقت تتعرض دول الخليج العربي وشعوبها للعدوان الإيراني، كما يحق لها أن تتساءل عن دور الدول العربية والإقليمية الكبرى"، معتبراً أنه "في ظل هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقاً الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي أو انتقاد الحضور الأميركي والغربي".

وأمام تلك الأصوات، وعلى رغم الإقرار بتراجع منظومة العمل العربي المشترك بأدواتها وحركتها، يبقي الحديث عن تجاوز الحرب الراهنة بمفاعيلها وتداعيتها "وجود وبقاء" جامعة الدول العربية كإطار لأي عمل عربي مشترك محتمل في المستقبل، متبايناً بين المراقبين.

فمن جانبه، يقول رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية خالد شنيكات إن "الجامعة العربية وما تمثله انتهى دورها منذ أمد طويل، إذ أثبتت في كل أزمة أنها مؤسسة عاجزة فاشلة لا يوجد لها أي دور أو فاعلية، وتعكس الإرادة المجزأة للحالة العربية"، موضحاً في حديثه معنا "لم يكن فشل الجامعة في التعاطي مع أزمات المنطقة فقط في الحرب الإيرانية الراهنة، بل إن الفشل والتراجع بدأ بصورة واضحة منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 عندما لم تأخذ دورها ومكانتها في حل الصراع العراقي - الكويتي وجاء التدخل الدولي كبديل، ومنذ ذلك الحين بدأت منظومة العمل العربي في التراجع، وهو ما تجلى في الأزمات اللاحقة، ولعل أبرزها غزو العراق 2003، ولاحقاً ما عرف بالربيع العربي 2011 وصولاً إلى حرب غزة الأخيرة، التي لم يكن للجامعة أي دور ذي مغزى بها".

ومع وصفه لطبيعة عمل الجامعة الراهن بأنها "ليست أكثر من منظمة لأشخاص يتقاضون رواتب من دون عمل"، ذكر شنيكات "على رغم الحديث المبكر في منظومة العمل العربي عن توقيع اتفاقات كالدفاع العربي المشترك والتكامل الاقتصادي والوحدة الاقتصادية، إلا أنها جميعا لم تر النور على مدار عقود، وتدريجاً أصبح كل شيء لم يطبق، كما أن طبيعة استصدار قراراتها التي تتطلب الإجماع، كلها عوامل قادت إلى فشل منظومة العمل العربي"، معتبراً أن "الجامعة العربية لم تعد أكثر من ناد يجتمع فيه الأعضاء ثم يغادرون، وليس لديها أي دور لا على مستوى الأمانة العامة، فضلاً عن أن دورها ثانوي وغير حاسم ولا تمتلك قدرة تنظيمية ولا تنفيذية ولا أية أدوات تبشر بأن يشهد دورها فاعلية في المستقبل".

ومضي شنيكات قائلاً "إذا نظرنا حتى إلى التنظيمات الإقليمية العربية كمجلس التعاون العربي (تأسس عام 1989)، ومجلس التعاون الخليجي (تأسس عام 1981 ويضم في عضويته ست دول مطلة على الخليج العربي) أو حتى الاتحاد المغاربي (تأسس عام 1989 ويضم في عضويته خمس دول غرب المنطقة العربية)، كلهم سعوا إلى تجاوز أطر الجامعة العربية بعدما أثبتت عدم فاعليتها وفشلها"، مرجحاً أن تشهد الجامعة في المستقبل القريب إعادة تقييم شاملة من أعضائها ربما تقود إلى "تفككها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هو الآخر، يقول مصطفى الزايدي، نائب وزير الخارجية الليبي السابق، إن "الجامعة العربية منذ تأسيسها لم تستطع الوصول إلى أن تكون كياناً وحدوياً جامعاً لمصالح دولها الأعضاء، ولكن بقيت فقط في مساحة التنسيق السياسي والاقتصادي بين الدول"، مضيفاً في حديثه معنا "حين تأسست الجامعة في أربعينيات القرن الماضي كانت في ظل ظروف وسياقات معينة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، وبقيت على حالها من دون أن تتمكن من مواكبة السياقات والظروف المتغيرة والمتسارعة التي تشهدها المنطقة".

وذكر الزايدي، أنه في ظل السياق والظروف الراهنة "لا يمكن للجامعة أن تقوم بدور لا سيما مع ما تشهده الدول العربية من انقسام واضح في شأن نظرتها للحرب من الأساس"، معتبراً أن "ما يجري الآن من حرب سيعيد تشكيل المنطقة بالكامل، والجامعة العربية أحد هذه الأشياء التي سيعاد تشكيلها بصورة أو أخرى"، مشيراً إلى أن الأمين العام ومنصبه أياً كان من يتولاه "لا يملك من الأمر شيئاً، إذ تبقى فاعلية الجامعة جزء إرادة الدول العربية القادرة على تفعيل العمل العربي من عدمه"، على حد وصفه.

في المقابل، يقول السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، إنه لا يمكن "الحكم على الجامعة العربية ودورها في ظل الوضع والقضية الراهنة، بل عبر مسارها وتجاربها السابقة"، موضحاً "في السابق مثلاً كان هناك سابقة مهمة للغاية تعود لعام 1961، عندما لم يعترف الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم باستقلال الكويت، وهو الأمر الذي قابلته الجامعة العربية بموقف حاسم  بعد أن تدخلت الجمهورية العربية والمتحدة والرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، لاستصدار قرار من الجامعة بتشكيل ما يعرف قوة حفظ السلام العربية لأول وآخر مرة في تاريخ الجامعة العربية، وهو ما وافقت عليه الدول العربية في حينه بالإجماع وجرى نشر هذه القوات على الحدود العراقية - الكويتية، التي حالت دون اقتحام قوات العراق للكويت"، مضيفاً "هذه هي الجامعة العربية ودورها، الذي ينبغي أن يكون ومثال لما يمكن أن تقوم به الجامعة في ضوء ميثاق الجامعة".

وتابع هريدي "هناك سوابق نجحت فيها الجامعة في التعامل مع أزمات وجودية لكن الزمن والسياق تغير"، مشدداً على أنه لا يمكن "تحميل الجامعة العربية أكثر مما تحتمل في ظل عدم توافر إرادات الدول الأعضاء لإنجاحها"، معتبراً أن تعاطي الجامعة مع الحرب الإيرانية الراهنة تم وفق التسلسل الطبيعي لعملها، إذ عقد اجتماع عقد بناء على طلب بعض الأعضاء، وصدر بيان عن الجامعة وعليه "لا يمكن أن نحمل الأمين العام وأمانة الجامعة أكثر مما تحتمل".

لماذا هي باقية إذاً؟

على رغم خفوت الدور المنوط أو المأمول للجامعة العربية، يرى بعض المراقبين أن هناك ضرورة لبقائها مع ضرورة الإصلاح، على اعتبار أنها "بيت العرب الأخير والمظلة الجامعة لقضاياهم"، لا سيما في ظل وجود مشاريع منافسة تهدد المصالح العربية، وعدم وجود بدائل لها في الوقت الراهن.

وبحسب السفير سيد قاسم المصري، المندوب المصري السابق في الجامعة العربية، فإن الحرب الإيرانية الراهنة وتداعياتها كشفت عن كثير من الأمور لا سيما في ما يتعلق بالأمور الدفاعية والعسكرية، معتبراً أن كثير من الأفكار والأطروحات بدأت تطالب بإعادة "تعريف مفاهيم العمل العربي المشترك وآلياته".

 

وفي ما يتعلق بإطار العمل العربي بين التفكك أو إعادة صياغتها، أوضح المصري أن "هناك خطين رئيسين ظهرا على المشهد أخيراً، الأول يعتبر أن هذه الحرب كشفت عن مدى هشاشة التعاون الأمني والعسكري العربي المشترك، وعليه فإن الحاجة باتت ملحة لإعادة فاعلية وجدية العمل العربي المشترك في هذه المحالات وبخاصة مع توافر القدرات والإمكانات لذلك"، مضيفاً "الجانب الآخر تلك الأصوات التي تعتبر أن لا جدوى من العمل العربي المشترك، وبالتالي إعادة التفكير في مسارات وتحركات أخرى تتجاوزه".

وأمام هذين المسارين، اعتبر المصري أن الحاجة باتت ملحة أمام الجامعة العربية "لإعادة النظر في إحداث تغيرات جذرية في الميثاق المؤسس لها مع اختلاف الظروف والسياقات، فضلاً عن زيادة المساحة الممنوحة للأمين العام في الحركة السياسية".

من جانبه يرى السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، أن الحرب الراهنة كشفت عن ضرورة "تمسك الدول الأعضاء باحترام والالتزام بميثاق الجامعة وتفعيل اتفاق التعاون والدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي"، مضيفاً "عند الحديث عن جامعة الدول العربية لا بد من ذكر الوثيقتين الأساسيتين التي قامت عليها وهما ميثاق الجامعة واتفاق الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، أفترض انه إذا التزمت الدول الأعضاء جمعاء الالتزام بهاتين الوثيقتين سيكون دور الجامعة فعالاً للغاية".

وذكر هريدي "عندما تقوم بعض الدول العربية بإهمال وانتهاك ميثاق الجامعة، وآخر يقوم بعدم أخذ اتفاق الدفاع المشترك في الحسبان، ورفض بالأساس وجود قوات عربية مشتركة، ففي هذه الحالة لا يمكن أن نلوم الجامعة".

من جانبه، يرى إبراهيم المنشاوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن "بقاء الجامعة كإطار للعمل العربي المشترك ضروري في ظل التحديات غير المسبوقة التي تشهدها المنطقة العربية وذلك على رغم تراجع دورها وفاعليتها"، موضحاً في حديثه معنا "غالبية التجمعات الإقليمية والدولية تواجه تحديات طوال عملها، ولا يمكن الحديث عن تجاوزها أو تفكيكها على رغم ضعفها، ولنا في ذلك المؤسسات الدولية الكبرى التي كانت عاجزة أمام الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة طوال عامين، لم يطرح دولها الأعضاء فكرة تجاوزها على رغم غياب دورها وفاعليتها في هذا المشهد".

وتابع المنشاوي "على رغم التعثر والأزمات تبقى جامعة الدول العربية هي المظلة الوحيدة لأية آلية للعمل العربي المشترك، وعلى رغم الوهن الذي باتت عليه، فإن أهمية بقائها تبقى قائمة، وليس من الصحيح قياس حضورها بعقود عهود سابقة".

ومنذ تأسيسها في مارس 1945، أي قبل نحو 80 عاماً، مر على منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية تسع شخصيات، ثمان منها مصرية، فيما كان الأمين الرابع في عمرها تونسي، وهو الشاذلي القليبي، وذلك في وقت بقي ميثاق الجامعة المؤلف من 20 مادة حددت أهداف ومقاصد الجامعة والأطر الأساسية لنظام عملها، من دون تغيير أو تطوير، مما مثل إشكالاً متجدداً في شأن فاعلية المظلة العربية الأبرز في المنطقة. وقبل يومين صادق وزراء خارجية الدول العربية على ترشيح السفير نبيل فهمي أميناً عام للجامعة العربية، خلفاً للسفير أحمد أبو الغيط، على أن يبدأ مهمات منصبه رسمياً اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل