Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الطرد إلى القطيعة... لإيران باع طويل في التصعيد الدبلوماسي

طرد السفير وقطع العلاقات أشد درجات التوتر واعتداءات طهران أعادت فتح الملف

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يصافح سفير بلاده (المسحوب اعتماده) في لبنان محمد رضا شيباني (أ ف ب)

ملخص

يتدرج "غضب الدول" على مستويات مختلفة، أولها "طلب إيضاح"، الذي يعني استدعاء وزارة خارجية الدولة الذي لديها تحفظات على سياسة أو إجراءات دولة أخرى لسفير تلك الدولة، لتطلب منه تفسيراً لتصريح أو إجراء أو سياسة تراها غامضة أو مرفوضة.

جاء إعلان لبنان عن سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعين لديه، محمد رضا شيباني، ومطالبته بمغادرة أراضيه ليكون أحدث تداعيات التصعيد العسكري الحالي في الشرق الأوسط، الذي امتدت شظاياه إلى العلاقات الدبلوماسية بين إيران وعدد من الدول العربية التي تضررت إمّا بالصواريخ الإيرانية، مثل دول الخليج والأردن، أو لبنان الذي نقلت طهران المعركة مع إسرائيل إلى أراضيه عبر "حزب الله".

ويعد طرد السفير أحد أقوى الأسلحة في "الحروب الدبلوماسية" للرد على سياسات دولة أخرى، التي تستخدمها الدول عادة قبل خفض أو قطع العلاقات الدبلوماسية، وفق الاتفاقات الدولية المنظمة للعمل الدبلوماسي، وأهمها اتفاقية فيينا لعام 1961.

حق سيادي

ومثلما يعد إرسال وقبول التمثيل الدبلوماسي من مظاهر السيادة الكاملة للدول، فإن من حقها أن تسحب مبعوثيها أو تستدعي وتطرد سفراء غيرها من الدول. وتمنح المادة التاسعة من الاتفاقية الموقعة في 18 أبريل (نيسان) 1961، الحق للدولة المعتمد لديها الدبلوماسي أن تعلن رئيس البعثة أو أي من دبلوماسييها شخصاً غير مرغوب فيه، وذلك في أي وقت ومن دون بيان أسباب قرارها.

إلا أن الدول تعلن عادة عن أسباب قراراتها التي تكون مسبوقة بالتأكيد بتوتر أو حدث يقوض العلاقات، ومن الأمثلة على ذلك قرار مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 بخفض العلاقات الدبلوماسية مع تركيا واعتبار سفيرها لدى القاهرة "شخصاً غير مرغوب فيه"، بسبب تصريحات رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب أردوغان، التي دأب فيها على انتقاد مصر في أعقاب ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وهو ما عده متحدث الخارجية المصرية حينذاك بدر عبدالعاطي "تدخلاً في الشأن الداخلي للبلاد فضلاً عما تتضمنه هذه التصريحات من افتراءات وقلب للحقائق وتزييف لها بشكل يجافي الواقع منذ ثورة 30 يونيو". كذلك، ردت تركيا باعتبار السفير المصري لدى أنقرة غير مرغوب فيه وخفض العلاقات إلى مستوى القائم بالأعمال، "وفقاً لمبدأ المعاملة بالمثل الذي هو أساس العلاقات الدولية"، بحسب بيان للخارجية التركية في ذلك الوقت.

ويتدرج "غضب الدول" على مستويات مختلفة، أولها "طلب إيضاح"، الذي يعني استدعاء وزارة خارجية الدولة الذي لديها تحفظات على سياسة أو إجراءات دولة أخرى لسفير تلك الدولة، لتطلب منه تفسيراً لتصريح أو إجراء أو سياسة تراها غامضة أو مرفوضة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جنوب أفريقيا كانت آخر من يستخدم طلب التوضيحات، إذ استدعى وزير الخارجية رونالد لامولا السفير الأميركي برنت بوزيل لطلب توضيحات بشأن تصريحات وصفت بأنها "غير دبلوماسية"، حين انتقد أنشودة من زمن النضال ضد نظام الفصل العنصري تتضمن عبارة "اقتلوا البوير، اقتلوا المزارع"، إذ عد أنها "تحضّ على الكراهية"، وانتقد قوانين تهدف لفتح أسواق العمل أمام السود.

وعلى عكس الطابع الشفهي للاستيضاح، تكون مذكرة الاحتجاج المكتوبة الإجراء التالي الأكثر شدة في درجات التعبير عن الاعتراض على سياسة أو تصريح لدولة أخرى. وعادة تحمل المذكرة لهجة حادة تدل على وضع "خط أحمر" بشأن القضية محل الاعتراض. وتُحفظ مذكرة الاحتجاج وتكون وثيقة تثبت موقف الدولة.

في سبتمبر (أيلول) 2023، استدعت وزارة الخارجية الروسية السفير الأرميني لدى موسكو فاغارشاك هاروتيونيان، وسلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إثر ما وصفته بـ"تصريحات مسيئة" لمسؤولين أرمنيين عن العلاقات بين البلدين، إضافة إلى ما رأت موسكو أنه "خطوات غير ودية" مثل إجراء مناورات عسكرية في أراضي أرمينيا بمشاركة الولايات المتحدة، وتسليم مساعدات إنسانية إلى أوكرانيا.

سحب السفير

بالصعود درجة على سلم التوتر الدبلوماسي، تلجأ دولة إلى سحب سفيرها من دولة أخرى اعتراضاً على سياساتها. وبحسب مقال لمدير المراسم في وزارة الخارجية المصرية السفير نبيل حبشي في صحيفة "الأهرام" المصرية عام 2014، قد يعني ذلك الإجراء استمرار البعثة الدبلوماسية في عملها برئاسة القائم بالأعمال بالإنابة، وهو ما يعني عملياً خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي موقتاً، ويضيف أنه من الممكن أن يكون الاستدعاء للتشاور بشأن القضايا محل الخلاف، أو قد تبدي دولة موقفها من خلال التباطؤ في إرسال سفير جديد محل سلفه الذي انتهت مدته بشكل طبيعي، أو قد يكون من خلال قيام السفير بإجازة في بلده لمدة طويلة بشكل متعمد ومفهوم سببه.

ولمصر تاريخ من وقائع سحب سفيرها لدى تل أبيب، كان أولها بعد ثلاثة أعوام من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسحب السفير سعد مرتضى عام 1982، احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على لبنان، واستمرت البعثة الدبلوماسية من دون سفير أربعة أعوام. وفي عام 2000 سحبت القاهرة سفيرها محمد بسيوني اعتراضاً على قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ثم سحبت مصر سفيرها عام 2012 رداً على العمليات العسكرية على غزة.

في كثير من الأحيان ترد الدول بالمثل على خطوة سحب السفير، ومن أحدث الأمثلة على ذلك قيام إسبانيا بسحب سفيرتها لدى تل أبيب، آنا سالومون بيريز، نهائياً في وقت سابق من مارس (آذار) الجاري، مما يعني خفض التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى قائم بالأعمال، وهو نفس مستوى التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي لدى مدريد منذ مايو (أيار) 2024، حين سحب حكومة بنيامين نتنياهو سفيرتها روديكا راديان-جوردون. وكانت السفيرة الإسبانية قد استدعيت إلى مدريد في سبتمبر (أيلول) 2025، لإجراء مشاورات وذلك احتجاجاً على تصريحات لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اتهم فيها الحكومة الإسبانية بأنها "معادية للسامية".

الرد على إيران

إن لم تكن كل الخطوات السابقة كافية لتصحيح مسار العلاقات الدبلوماسية تبدأ الدول في اتخاذ المسار الأكثر صرامة، وهو طرد دبلوماسيين، وهو المسار الذي اتبعته عدة دول خليجية تجاه إيران رداً على اعتداءاتها الصاروخية.

السعودية قررت في 22 مارس الجاري إمهال الملحق العسكري الإيراني ومساعده وثلاثة من أفراد البعثة الدبلوماسية الإيرانية، 24 ساعة لمغادرة أراضيها، واعتبرتهم "أشخاصاً غير مرغوب فيهم". وسبقتها قطر بطرد الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين والعاملين معهما، وإمهالهم 24 ساعة للمغادرة.

وخلال الأزمة الحالية لجأت السعودية أيضاً إلى استدعاء سفير إيران علي رضا عنايتي، في الأول من مارس الجاري، حيث شدد نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي على استياء وإدانة واستنكار الرياض للاعتداءات الإيرانية على السعودية ودول الخليج، مؤكداً رفض انتهاك سيادة الدول بما يقوّض أمن واستقرار المنطقة، وأن "السعودية ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وحماية أراضيها".

فيما اتخذت الإمارات تحركاً سريعاً بعد يوم من اندلاع الأزمة بإعلان إغلاق سفارتها في طهران وسحب سفيرها وكل أعضاء بعثتها الدبلوماسية. وفي اليوم التالي، استدعت الخارجية الإماراتية، السفير الإيراني لدى الإمارات رضا عامري، وسلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، وأبلغته إدانة الدولة واحتجاجها بأشد العبارات على الهجمات الإيرانية.

أما الأردن، فقد رفض تمديد إقامة أحد الدبلوماسيين الإيرانيين، ورفض منح اعتماد لآخر، في "رسالة واضحة" تعبر عن موقفه من السياسات الإيرانية، بحسب وزير الخارجية أيمن الصفدي.

عند الوصول إلى ذروة التوتر تتخذ الدول الخيار الأخير وهو قطع العلاقات الدبلوماسية، وهي عبارة التصقت بإيران بالنسبة إلى عديد من الدول؛ فالحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بدأها الرئيس دونالد ترمب بالتذكير باحتجاز الدبلوماسييين الإيرانيين في طهران عام 1980، التي أدت إلى قطع العلاقات بين البلدين حتى الآن.

وفي أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، قطعت مصر وإيران علاقاتهما الدبلوماسية بصورة متبادلة على إثر استقبال القاهرة الشاه المعزول محمد رضا بهلوي وتوقيع اتفاق السلام مع إسرائيل. ويحتفظ البلدان حالياً بعثتين لرعاية مصالح كل منهما في القاهرة وطهران، وإن كان عادة ما يتم يعين البلدان دبلوماسي بدرجة سفير على رأسه.

ويعد قطع العلاقات مع دولة ما من بين الإجراءات التي قد تطلب الأمم المتحدة من أعضائها تنفيذها، لإجبار تلك الدولة على الامتثال لقرارات المنظمة في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وذلك تطبيقاً للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير