Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب يطبق خطة ثلاثية لتحقيق "التقشف الذكي"

الحكومة تعتمد خفض النفقات غير الضرورية إلى الحد الأقصى خلال الفترة بين عامي 2027 و2029

وجهت الحكومة بضرورة ترشيد نفقات الموظفين والمعدات والنفقات التشغيلية المختلفة (وكالة الأنباء المغربية)

ملخص

يرى مراقبون أن توجه الحكومة المغربية نحو سياسات تقشفية من خلال تقليص النفقات العمومية لا يعد خياراً معزولاً، بل هو نتاج تراكم ضغوط اقتصادية ومالية داخلية وخارجية. لهذا، توجهت هذه الحكومة نحو ترسيخ سياسة مالية تقوم على الصرامة في التدبير والانتقائية في الإنفاق، مع الحرص على توجيه المال العام نحو المجالات الأكثر أولوية ومردودية.

تتجه الحكومة المغربية إلى سن تدابير تقشفية وخفض النفقات غير الضرورية إلى الحد الأقصى خلال الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 2027 و2029، وذلك ضمن منشور رسمي وجهه رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى الوزراء ومديري المؤسسات العمومية بمناسبة خطط الموازنة للأعوام الثلاثة المقبلة.

ويرى مراقبون في هذا الصدد أن توجه الحكومة المغربية نحو سياسات تقشفية من خلال تقليص النفقات العمومية لا يعد خياراً معزولاً، بل هو نتاج تراكم ضغوط اقتصادية ومالية داخلية وخارجية، لهذا توجهت هذه الحكومة نحو ترسيخ سياسة مالية تقوم على الصرامة في التدبير والانتقائية في الإنفاق، مع الحرص على توجيه المال العام نحو المجالات الأكثر أولوية ومردودية.

أوامر حكومية بالتقشف

أصدر رئيس الحكومة المغربية أوامره، ضمن منشور رسمي، إلى الوزراء ورؤساء المؤسسات العمومية من أجل سن تدابير حازمة وإجراءات صارمة تهدف إلى تقليص النفقات إلى الحد الأدنى، وعلى وجه الخصوص وقف اقتناء "سيارات الدولة"، والنأي عن تنظيم الحفلات والسفريات ووقف تشييد أو تهيئة المقار الإدارية الجديدة.

وتضمن منشور أخنوش أيضاً الموجه إلى مختلف القطاعات الوزارية توصيات بضرورة ترشيد نفقات الموظفين والمعدات والنفقات التشغيلية المختلفة، وذلك تنفيذاً للرؤية الحكومية القاضية بتعبئة الموارد المالية الضرورية لتمويل مشاريع وأوراش كبرى في أفق عام 2030.

ووازن منشور رئيس الحكومة المذكور بين ضرورة تقليص نفقات شراء السيارات الحكومية وبناء المقار الإدارية أو تجهيزها إلى أقصى الحدود، وبين ضبط نفقات الموظفين من خلال حصر إحداث المناصب المالية في الحاجات الفعلية والضرورية فحسب.

ومن بين مقتضيات هذه السياسة التقشفية للأعوام الثلاثة المقبلة "ضرورة تعزيز النجاعة الوظيفية عبر التكوين والتقييم، واعتماد آليات إعادة الانتشار داخل الإدارات وبين القطاعات لسد الخصاص (العجز) دون اللجوء إلى توظيفات إضافية غير مبررة".

وإضافة إلى ما سبق دعا رئيس الحكومة المغربية وزراءه ومديري المؤسسات العمومية إلى إجراء عقلنة وترشيد صارم للنفقات العادية على مستوى نفقات التسيير، عبر تقليص مصاريف الماء والكهرباء وإيجار السيارات وتهيئة المقار الإدارية، وترشيد نفقات النقل والتنقل.

وتبعاً لنفس المنشور الرسمي، سيتم "حصر إعانات التسيير الموجهة إلى المؤسسات العمومية في تغطية نفقات الموظفين والحاجات الأساس فحسب، مع ربطها بمستوى السيولة المتوافرة لدى هذه المؤسسات".

من الكم إلى النجاعة

أفاد الباحث والمحلل السياسي والاجتماعي كريم عايش بأنه في ظل التحضيرات المرتبطة ببرمجة موازنات أعوام 2027 و2028 و2029، تتجه الحكومة المغربية نحو اعتماد مقاربة أكثر صرامة في تدبير المالية العمومية، تقوم أساساً على ترشيد النفقات وضبط الأولويات.

وأكد عايش أن هذا التوجه الحكومي لا يعني بالضرورة الدخول في سياسة تقشف شامل، بقدر ما يعكس إرادة واضحة لتقوية انضباط الموازنة وتفادي مختلف صور الإنفاق المالي غير المنتج أو غير الضروري.

وأورد المتحدث أن المؤشرات المتداولة توحي بسعي الدولة إلى إرساء توازن دقيق بين مواصلة الإصلاحات الكبرى والحفاظ على استدامة التوازنات المالية، مسجلاً أن الرهان لم يعد يقتصر على تعبئة الموارد، بل يشمل أيضاً تحسين جودة الإنفاق العمومي وربط الاعتمادات بمدى فعاليتها الاقتصادية والاجتماعية، وأن هذا التوجه يعكس تحولاً في فلسفة تدبير الموازنة، من منطق الكم إلى منطق النجاعة.

وشدد على أن "هذه المقاربة قد تترجم عملياً من خلال تشديد المراقبة على نفقات التسيير، والحد من المصاريف الإدارية القابلة للتقليص، إلى جانب مراجعة بعض أوجه الإنفاق التي لم تعد تستجيب لأولويات المرحلة"، موضحاً أن "الحكومة تبدو واعية بضرورة إعادة ترتيب أولوياتها بما ينسجم مع التحديات الراهنة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي السياق ذاته، اعتبر عايش أن عقلنة الاستثمار العمومي تشكل أحد المحاور الأساس لهذا التوجه، موضحاً أن الأولوية ستمنح للمشاريع ذات الأثر المباشر على النمو والتشغيل والتماسك الاجتماعي، مع تعزيز آليات التقييم والنجاعة.

وأكد في المقابل أن دعم القطاعات الحيوية وعلى رأسها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية سيظل مستمراً، باعتبارها مجالات لا تخضع لمنطق التقليص، بل لإعادة التوجيه وتحسين الاستهداف.

وأفاد المحلل بأن هذا التوجه يعكس وعياً متزايداً بحجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، وبخاصة ما يتعلق بضغط المديونية وضرورة الحفاظ على ثقة المؤسسات المالية، فضلاً عن الحاجة إلى تمويل الأوراش الاستراتيجية خلال الأعوام المقبلة، مشدداً على أن هذه العوامل مجتمعة تفرض نوعاً من الحذر في تدبير المالية العمومية.

وفي ختام تحليله، سجل عايش أن الحكومة تتجه نحو ترسيخ سياسة مالية تقوم على الصرامة في التدبير والانتقائية في الإنفاق، مع الحرص على توجيه المال العام نحو المجالات الأكثر أولوية ومردودية، معتبراً أن التحدي الأساس يكمن في تحقيق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الاستدامة المالية.

تقشف ذكي

من جهته، أفاد الباحث في الاقتصاد الاجتماعي محمد مجدولين بأن التقشف الذي أوصت به الحكومة نفسها، من خلال توجيه منشور من رئيسها إلى وزرائه والمؤسسات العمومية، هو من نوع التقشف المرن أو التقشف الذكي، إذا صح التعبير، وليس تقشفاً حاداً".

ويشرح مجدولين بالقول "إن الذين يصوغون السياسات المالية في المغرب غالباً ما ينهجون التقشف المرن في سياقات الأزمة، أو سياقات ضبط النفقات العمومية، ولكنهم لا يعتمدون السياسات التقشفية الصارمة والحادة، إذ إن الحكومة تسعى إلى تقليص العجز المالي لكن بالحفاظ على تنفيذ المخططات الاجتماعية".

ووفق المحلل نفسه، فإن الحكومة الحالية تراهن على تحقيق معادلة صعبة من طرفين رئيسين، الأول يتجسد في نهج سياسة تقشفية ذكية بتقليص النفقات الحكومية، والثاني يكمن في المضي قدماً نحو تنفيذ ما تتطلبه "الدولة الاجتماعية"، وهي الهدف الأكبر الذي وضعته الحكومة، من برامج وخطط اجتماعية واقتصادية تستوجب موازنة مالية معتبرة.

وتقوم "الدولة الاجتماعية" التي رفعتها الحكومة شعاراً لها على أربع دعائم، الأولى تعميم الحماية الاجتماعية على جميع المواطنين المغاربة، والثانية دعم الأسر في وضعية هشاشة وحاجة وفاقة، والثالثة رعاية صحية جيدة تصون كرامة الجميع، أما الرابعة فتهتم بتحقيق هدف مدرسة عمومية منصفة.

وذهب مجدولين إلى أن السياسة التقشفية التي تدعو إليها الحكومة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة ليست خياراً معزولاً أو قراراً اعتباطياً، بل تعد خياراً جاء نتيجة تراكم ضغوط مالية واقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية.

ويشرح الباحث الاقتصادي والاجتماعي "شهدت النفقات الاجتماعية والاستثمارية تنامياً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة جراء عدد من الأحداث المؤثرة، لعل أبرزها جائحة كوفيد-19 التي تطلبت ضخ مزيد من النفقات من أجل الرعاية الصحية، وأيضاً جراء ارتفاع أسعار المحروقات، وهي النفقات التي رأت الحكومة أنه حان الوقت لتحديدها والتقليص منها ما أمكن، لإحداث التوازن المطلوب".

وخلص المتحدث عينه إلى أن التقشف الذي تدعو إليه الحكومة زيادة على أنه تقشف مرن وذكي، فهو تقشف يروم إعادة ترتيب سلم الأولويات لدى السلطات الحكومية، فتقليص النفقات في التوظيفات وبناء المقار وشراء السيارات سيتيح لها توجيه بعض تلك النفقات إلى القطاعات الاجتماعية ذات الحساسية، مثل الصحة والتعليم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير