ملخص
يذكر أن اليسار المغربي عرف منذ حصول المغرب على الاستقلال في عام 1956 مسارات سياسية معقدة، تأرجحت بين محاولات الوحدة وواقع الانقسام والتشرذم، أي بين منطق الطموح إلى بناء قطب يساري موحد قادر على التأثير في موازين القوى، ومنطق الانقسام والتشتت جراء الاختلافات السياسية والمناوشات الأيديولوجية.
في وقت حاولت فيه بعض مكونات اليسار بالمغرب القيام بمبادرات لم الشمل، قبل الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في سبتمبر (أيلول) المقبل، تأسس تيار جديد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد (أحد أبرز مكونات اليسار المغربي)، مما فاقم حالة الشتات داخل الطيف اليساري.
ويرى مراقبون أن محاولات وحدة أحزاب ومكونات اليسار على مقربة من الانتخابات البرلمانية تنم عن رؤية ظرفية محدودة وحسابات سياسية ضيقة، باعتبار أن أزمة اليسار تظل "أزمة مركبة تمس الهوية السياسية والوظيفة المجتمعية وأفق الفعل لدى اليسار المغربي".
مبادرات وتيارات
يعتزم "الحزب الاشتراكي الموحد" و"حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي" الاتفاق على مرشحين موحدين في انتخابات الـ23 من سبتمبر المقبل، كما اتفقا على الخطوط السياسية العريضة، من قبيل عدم المشاركة في الحكومة كيفما كانت النتائج، والتموقع في صفوف المعارضة البرلمانية.
واتفق "الحزب الاشتراكي الموحد" و"حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي" على معظم القرارات الكبرى المتعلقة بالانتخابات التشريعية المقبلة، غير أن تفاصيل تقنية صغيرة ما زالت قيد الدرس بين قيادات الطرفين، في أفق إعلان الوحدة بينهما لخوض غمار الانتخابات المرتقبة.
في هذا الوقت الذي يسير فيه الحزبان نحو الاتفاق وخوض الانتخابات البرلمانية بمرشحين موحدين، أعلن تيار جديد سمى نفسه "تيار اليسار الجديد المتجدد" ولادته من داخل الحزب الاشتراكي الموحد، الشيء الذي أثار امتعاض هذا الأخير.
ولم يخف التيار الجديد انتقاداته لغالب الأحزاب اليسارية، خاصاً بهذه الانتقادات "الحزب الاشتراكي الموحد"، وذلك في شأن "التوجهات الفكرية والديمقراطية الداخلية والتحالفات السياسية والمواقف من القضية الأمازيغية ومسألة الدين والمعتقد".
واستعرض التيار اليساري الجديد ما اعتبرها شوائب بنيوية لليسار الجديد بالمغرب، منها أنه "يسار جامد ودوغمائي، وغير دينامي، لا يتفاعل مع التطورات الفكرية والتحولات السياسية والجيوسياسية، سواء على المستوى المحلي أم العالمي، ولا يتأثر بتطور وسائل وأنماط الإنتاج والديناميات المجتمعية المعاصرة".
ووسط هذه التحولات والتفاعلات في الطيف اليساري بالمغرب، قدم "حزب التقدم والاشتراكية" (الذي يعتبر نفسه حزباً يسارياً، ويصطف حالياً في صفوف المعارضة وسبق له المشاركة في حكومات سابقة)، مبادرة جديدة لتوحيد أحزاب اليسار، مستثنياً "حزب الاتحاد الاشتراكي" الذي بدوره يتحين الفرصة لتقديم مبادرة للم شتات هذا اليسار من دون إقصاء أي حزب أو تيار، بحسب تصريحاته.
يذكر أن اليسار المغربي عرف منذ حصول المغرب على الاستقلال في عام 1956 مسارات سياسية معقدة، تأرجحت بين محاولات الوحدة وواقع الانقسام والتشرذم، أي بين منطق الطموح إلى بناء قطب يساري موحد قادر على التأثير في موازين القوى، ومنطق الانقسام والتشتت جراء الاختلافات السياسية والمناوشات الأيديولوجية.
تحالفات ظرفية
في السياق يرى محمد نشطاوي محلل سياسي وأستاذ في جامعة مراكش، أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب يرافقه بصورة متكررة الحديث عن تحالفات سياسية، مشيراً إلى أن بعضها يكون "هجيناً"، بينما يسعى بعضها الآخر إلى لملمة مكونات متفرقة، خصوصاً داخل تيار اليسار الذي عرف، بحسب تعبيره، تشرذماً كبيراً في ظل ما وصفه باكتساح "الأحزاب الإدارية" لمختلف الاستحقاقات، سواء المحلية أم الجهوية أم الوطنية.
وأفاد نشطاوي بأن المرحلة الراهنة تشهد مبادرة تهدف إلى توحيد ما تبقى من مكونات فيدرالية اليسار و"الحزب الاشتراكي الموحد"، وذلك من خلال العمل على تقديم مرشحين مشتركين خلال الانتخابات التشريعية في سبتمبر، موضحاً أن مثل هذه التحالفات غالباً ما تكون ظرفية، كما جرت العادة في التجربة الانتخابية المغربية، إذ سرعان ما تنتهي بانشقاقات أو تفكك تنظيمي.
وأوضح المتحدث ذاته أن "أحد أبرز أسباب هشاشة هذه التحالفات يعود لغياب رؤية واضحة، ليس فقط على مستوى البرامج الانتخابية، بل أيضاً في ما يتعلق ببروفايلات المرشحين الذين يجري تقديمهم بصورة موحدة"، ورأى أن "هذا العامل يظل حاسماً في استمرارية أو فشل أي تكتل سياسي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واسترسل قائلاً إن المبادرة الحالية "مهمة وتحسب لصالح اليسار"، غير أنه شدد على ضرورة أن تبنى على أسس صلبة، من خلال اعتماد برامج موحدة ورؤية مشتركة لمعالجة الإشكالات الكبرى التي يعرفها المغرب، وعلى رأسها ارتفاع الأسعار وتفاقم البطالة، إضافة إلى غياب تصور واضح للتعامل مع اللوبيات الاقتصادية التي قال إنها باتت تؤثر بصورة كبيرة في الحياة المعيشية، وهو ما انعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.
وذهب نشطاوي إلى أن "هذه التحالفات، على رغم أهميتها في تقليص عدد الأحزاب والمرشحين، بل وحتى في خفض كلفة العمليات الانتخابية، تظل رهناً بمدى قدرتها على تأسيس مشروع سياسي واضح وطويل الأمد، وليس مجرد توافق ظرفي ينتهي بانتهاء الاستحقاق الانتخابي".
وختم المحلل السياسي تصريحه بالتأكيد على أن "نجاح هذه التكتلات يظل مشروطاً بتجنب الطابع الهجين والمصلحي"، داعياً اليسار المغربي إلى إعادة قراءة الواقعين السياسي والاقتصادي بصورة أعمق، والعمل على بلورة رؤية منبثقة من السياق الوطني تستجيب لمشكلات المغرب الحقيقية، بدل الاعتماد على تصورات مستوردة لم تعد، وفق تعبيره، صالحة "لا من حيث الزمان ولا المكان".
أزمة التحول التاريخي
من جهته أورد أسامة باجي، رئيس مركز "أكورا" للدراسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية، أن مقاربة سؤال تشرذم اليسار المغربي لا يمكن اختزالها في خلافات ظرفية أو حسابات انتخابية ضيقة، مشدداً على أن الأمر يتعلق بأزمة مركبة تمس الهوية السياسية والوظيفة المجتمعية وأفق الفعل لدى هذا التيار.
وأوضح المحلل عينه أن هذا الوضع يتجلى بوضوح عند تتبع مسارات عدد من مكوناته، من قبيل "حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" و"حزب التقدم والاشتراكية" و"الحزب الاشتراكي الموحد" و"فدرالية اليسار الديمقراطي"، إذ تعكس التعددية التنظيمية، بحسبه، تبايناً عميقاً في التصورات أكثر مما تعكس غنى سياسياً.
وأفاد باجي بأن أولى تجليات الأزمة تتمثل في ما وصفه بـ"أزمة التحول التاريخي"، مبرزاً أن جزءاً من اليسار، بخاصة الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، انتقل من موقع المعارضة الراديكالية إلى منطق المشاركة المؤسساتية، وهو انتقال لم تواكبه دائماً مراجعات فكرية عميقة، بل حصل في كثير من الأحيان بصورة براغماتية فرضته توازنات الحقل السياسي، مما أفرز، بحسب قوله، ازدواجية بين خطاب نقدي يستحضر المرجعية اليسارية وممارسة حكومية محكومة بإكراهات الواقع، وهو ما أسهم في تآكل الصدقية لدى جزء من القاعدة الاجتماعية.
وفي المقابل، أوضح المتحدث أن "مكونات أخرى، مثل الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، اختارت التموقع في المعارضة، مع تبني خطاب نقدي تجاه الدولة وبقية مكونات اليسار"، مسترسلاً بأن "هذا الخيار، على رغم اتساقه المبدئي، اصطدم بحدود الفعالية السياسية، إذ ظل حضوره الانتخابي محدوداً، ولم ينجح في توسيع قاعدته الاجتماعية خارج النخب الحضرية وبعض الفئات المثقفة".
خطاب قوي وحضور ضعيف
وأضاف باجي أن "أزمة العلاقة بالمجتمع تبرز كأحد أعقد أبعاد الإشكال"، وأن اليسار المغربي لم يعد يمتلك الامتداد نفسه داخل الفئات الشعبية كما كان في السابق، في ظل تحولات عميقة مست القيم والبنيات الاجتماعية، من بينها صعود النزعة الفردانية وتغير أنماط التعبئة وبروز فاعلين جدد. هذه تحولات لم يستطع اليسار مواكبتها بالسرعة المطلوبة، مما جعله، وفق تعبيره، قوياً على مستوى الخطاب والتحليل، وضعيفاً في التأطير والتنظيم والحضور الميداني.
ومضى قائلاً بأن "حالة التشرذم تتغذى أيضاً من اختلاف التقديرات حول معنى العمل السياسي، متسائلاً عما إذا كان الهدف هو التموقع داخل المؤسسات ولو بشروط محدودة، أم الحفاظ على نقاء الخطاب ولو على حساب الفعالية"، مبرزاً أن هذا السؤال تحول إلى خط فاصل بين مكونات تعتبر المشاركة "إصلاحاً من الداخل"، وأخرى تراها "اندماجاً في لعبة سياسية فاقدة للجدوى"، بل إن بعض التيارات غير الممثلة برلمانياً، يضيف المتحدث، تذهب إلى حد نزع الشرعية عن بقية المكونات، مما يعمق منطق التفكك.
وفي ما يتعلق بالتحالفات، قال باجي "نحن أمام أزمة أفق حقيقية، وأي غياب لمشروع مجتمعي مشترك يجعل هذه التحالفات إما تقنية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية أو متعثرة بسبب الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية"، مسترسلاً بأن "التجارب الوحدوية، مثل فدرالية اليسار، لم تنجح في التحول إلى قطب جامع، بسبب استمرار منطق الحساسيات التنظيمية وتفاوت الرهانات السياسية".
وختم رئيس مركز "أكورا" تصريحه بالتأكيد أن اليسار المغربي يعيش أزمة ثلاثية الأبعاد، تتوزع بين أزمة ذاتية مرتبطة بغياب نقد داخلي عميق، وأزمة موضوعية ناتجة من تحولات الحقلين السياسي والاجتماعي، ثم أزمة أفق تتجلى في غياب تصور موحد لدوره المستقبلي.