ملخص
تواجه مصر ضغوطاً متزايدة من أزمة الطاقة العالمية، وترد بسياسات ترشيد وإنفاق مرن، مع الحفاظ على الاستثمار والإنتاج، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستقرار الاقتصادي واستدامة النمو.
تتحرك الحكومة المصرية في مسار مزدوج يجمع بين إدارة صدمة الطاقة قصيرة الأجل والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، في ظل ضغوط خارجية متصاعدة مرتبطة بالتوترات الإقليمية التي انعكست بصورة مباشرة على فاتورة الاستيراد وتدفقات النقد الأجنبي. وتعكس حزمة الإجراءات الأخيرة تحولاً واضحاً نحو سياسات ترشيد الطلب على الطاقة، بالتوازي مع استمرار التزام أجندة الإصلاح الاقتصادي وتحفيز الاستثمار.
وأحد أبرز المؤشرات على تصاعد الضغوط يتمثل في تضاعف فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى نحو 2.5 مليار دولار في مارس (آذار) الجاري، مما يعكس حساسية الاقتصاد المصري لتقلبات أسواق الطاقة العالمية، كما أن ارتفاع كلفة استهلاك السولار نحو 720 مليون دولار شهرياً، مع استهلاك يومي يبلغ 24 ألف طن، يفرض تحديات إضافية على ميزان المدفوعات والمالية العامة.
يشار إلى أن وزارة النقل المصرية أعلنت زيادة أسعار تذاكر قطارات السكك الحديد وأسعار تذاكر بعض الشرائح الخاصة بركوب مترو الأنفاق بداية من صباح أمس الجمعة.
تحريك أسعار تذاكر قطارات السكك الحديد
وقالت الوزارة في بيان أول من أمس الخميس إنه جرى تحريك أسعار تذاكر قطارات السكك الحديد بالخطوط الطويلة بنسبة 12.5 في المئة، وتحريك أسعار تذاكر القطارات بالخطوط القصيرة بنسبة 25 في المئة.
وجرى تحريك أسعار تذاكر مترو الأنفاق ليصبح سعر التذكرة لعدد المحطات حتى تسع محطات 10 جنيهات (نحو 0.19 دولار) بدلاً من ثمانية جنيهات (نحو 0.15 دولار)، وسعر التذكرة لعدد المحطات حتى 16 محطة 12 جنيهاً (نحو 0.23 دولار) بدلاً من 10 جنيهات (نحو 0.19 دولار).
في هذا السياق، تبنت الحكومة إجراءات مباشرة لإدارة الطلب، شملت خفض مخصصات البنزين والسولار للجهات الحكومية بنسبة 30 في المئة، فضلاً عن إبطاء تنفيذ المشاريع كثيفة الاستهلاك للطاقة لمدة شهرين، مع تطبيق نظام العمل عن بُعد يوماً أسبوعياً، بما يهدف إلى تقليل استهلاك الوقود من دون التأثير في كفاءة التشغيل، باستثناء القطاعات الحيوية لضمان استمرارية الإنتاج والخدمات الأساسية.
ومن الواضح جلياً أن هذه السياسات تعكس نهجاً مرناً لإدارة الأزمة، يوازن بين ترشيد الموارد والحفاظ على النشاط الاقتصادي، خصوصاً في ظل تأثر موارد النقد الأجنبي نتيجة تراجع إيرادات بعض القطاعات، وعلى رأسها القطاعات المرتبطة بالتدفقات الخارجية.
وعلى رغم ذلك، تؤكد الحكومة أن الأولوية تظل لدعم الإنتاج المحلي واستقرار سلاسل الإمداد، بما يضمن توافر السلع في الأسواق.
نقطة التوازن
في هذا السياق، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن موازنة الدولة الجديدة للعام المالي 2026- 2027 تستهدف زيادة الإيرادات أكثر من المصاريف حتى تصل إلى نقطة التوازن"، مضيفاً خلال اجتماع مجلس الوزراء اليوم السبت، "نستهدف فيها فائضاً أولياً خمسة في المئة أي نحو 1.2 تريليون جنيه (22.7 مليار دولار)، كما نستهدف خفض العجز الكلي إلى 4.9 في المئة".
وعلى الجانب الهيكلي، تستمر الدولة في الدفع نحو تعزيز الاستثمارات العامة، مع استهداف رفع نسبتها إلى 19 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 17 في المئة حالياً.
ويعكس ذلك توجهاً استراتيجياً لإعادة هيكلة الاقتصاد عبر زيادة الإنفاق الاستثماري وتحفيز القطاعات الإنتاجية، بما يسهم في رفع معدلات النمو وخلق فرص عمل جديدة.
فيقول وزير التخطيط المصري أحمد رستم إن النمو الاقتصادي لمصر قد يتباطأ إلى ما بين 4.9 في المئة و5.1 في المئة خلال العام المالي الحالي بسبب حرب إيران.
وأشار الوزير خلال اجتماع مجلس الوزراء اليوم إلى أن "النمو المستهدف يأتي مقارنة مع مستويات 5.2 في المئة مستهدفات ما قبل الحرب".
وكانت "فيتش سوليوشنز" خفضت توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي إلى 4.9 في المئة مقارنة بنحو 5.2 في المئة قبل ذلك بفعل تداعيات الحرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخفضت أيضاً توقعاتها للعام المالي المقبل إلى 5.2 في المئة مقابل 5.4 في المئة، في حين ترجح الحكومة نمواً قدره 5.4 في المئة وفق الموازنة التي أقرتها أخيراً.
وفي حال استمرار الصراع لفترة أطول بنحو أربعة أسابيع إضافية، من الممكن أن تخفض المؤسسة توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.5 في المئة خلال 2025-2026.
وعلى رغم هذا الخفض، تظل معدلات النمو المتوقعة أعلى من متوسطات الفترة ما بين أعوام 2015 و2025 البالغة 4.3 في المئة، مما يشير إلى استمرار تعافي الاقتصاد بوتيرة جيدة نسبياً.
وأرجعت خفض تقديراتها إلى تآكل القوة الشرائية للأفراد، بالتالي تباطؤ نمو الاستهلاك، إذ تتوقع المؤسسة مستوى أعلى لمعدل التضخم خلال العام الحالي إلى 13 في المئة بدلاً من 11.7 في المئة، مع اتجاه نحو مزيد من الارتفاع، في ظل زيادات حكومية في أسعار الوقود والغاز المنزلي والنقل العام، إضافة إلى احتمالات رفع أسعار الكهرباء وخدمات الاتصالات.
وقالت إن ارتفاع كلفة الواردات بعد تراجع قيمة الجنيه وزيادة أسعار الشحن سيُترجم إلى مزيد من الضغوط التضخمية على المستهلكين، مما يقلل إسهام الاستهلاك في النمو.
خفض نسبة الدين العام إلى 78 في المئة
أما وزير المالية أحمد كوجك، فأشار إلى أن بلاده تستهدف خفض نسبة الدين العام إلى 78 في المئة من الناتج المحلي، لافتاً إلى أن "المستهدف يتضمن نمواً بفاتورة خدمة الدين خمسة في المئة وحسب، في حين ستنمو المصاريف 13.4 في المئة".
وقال "أصدرنا الأسبوع الماضي إصداراً تكميلياً لسندات دولية بقيمة 540 مليون دولار على رغم الظروف الحالية"، موضحاً أن مصر تستهدف زيادة الإيرادات الضريبية 27 في المئة مع إضافة 100 ألف ممول جديد.
في الوقت ذاته، تراهن السياسة المالية على تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي وتحفيز الاقتصاد، من خلال تقديم تسهيلات ضريبية لدعم المستثمرين وتخفيف الأعباء عن المواطنين. ويأتي ذلك مدعوماً بتحسن نسبي في نظرة الأسواق إلى الاقتصاد المصري، نتيجة استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتحسن بعض المؤشرات الكلية.
وتحاول الحكومة امتصاص الأثر الاجتماعي للأزمة عبر سياسات داعمة للدخول، فأشارت إلى أن الزيادة المرتقبة في الأجور ستكون كبيرة وستتجاوز معدلات التضخم، في خطوة تستهدف الحفاظ على القوة الشرائية وتخفيف الضغوط المعيشية.
وعلى رغم هذه التحركات، تظل الأخطار قائمة، خصوصاً في حال استمرار الضغوط على أسواق الطاقة العالمية أو تفاقم التوترات الإقليمية، مما قد يفرض تحديات إضافية على المالية العامة وسعر الصرف، إلا أن توافر مخزون آمن من المواد الخام، بخاصة في قطاع الأدوية لفترة تصل إلى 16 شهراً، يتيح قدراً من الحماية للاقتصاد في المدى القصير.
في المجمل، تعكس السياسات الحالية انتقال الاقتصاد المصري إلى مرحلة إدارة صدمات خارجية معقدة، عبر أدوات تجمع بين الترشيد الموقت والإصلاح الهيكلي طويل الأجل، في محاولة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من دون التضحية بمعدلات النمو.