ملخص
الموازنة المصرية الجديدة تسعى إلى تحقيق توازن بين النمو والانضباط المالي، لكنها تواجه ضغوطاً من تراجع السياحة وقناة السويس بسبب التوترات الإقليمية، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على الصمود.
تأتي الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2026-2027 في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتشابك التحديات الداخلية مع ضغوط خارجية متسارعة، أبرزها تداعيات الحرب في إيران وتأثيرها المباشر في تدفقات السياحة العالمية وحركة الملاحة عبر قناة السويس.
وبينما تسعى الحكومة إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على الانضباط المالي، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه الموازنة على امتصاص الصدمات الخارجية.
فارتفاع كلفة الطاقة، وتذبذب إيرادات القناة، وتراجع ثقة المستثمرين في الأسواق الناشئة، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد المصري، مما يجعل من هذه الموازنة اختباراً حقيقياً لمرونة السياسات الاقتصادية في مواجهة الأزمات.
أمس الخميس، أقر مجلس الوزراء المصري موازنة تتضمن زيادة الإيرادات العامة بنسبة 27.6 في المئة لتصل إلى نحو 4 تريليونات جنيه مصري (75.8 مليار دولار)، مقابل نمو في المصروفات بنسبة 13.2 في المئة لتبلغ 5.1 تريليون جنيه (96.6 مليار دولار)، مع استهداف تحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه (22.7 مليار دولار)، وخفض العجز الكلي إلى 4.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير هذه الأرقام إلى محاولة واضحة لتحقيق توازن بين الانضباط المالي ودعم النشاط الاقتصادي، بخاصة من خلال تخصيص 832.3 مليار جنيه (15.8 مليار دولار) للحماية الاجتماعية، و90 مليار جنيه (1.7 مليار دولار) لمساندة الإنتاج والتصدير.
غير أن هذه المستهدفات تعتمد ضمنياً على استقرار مصادر الإيرادات، وهو ما يواجه تحديات فعلية في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة.
فقد أدت الحرب في إيران إلى ارتفاع مستوى الأخطار الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما ينعكس مباشرة على قطاع السياحة، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، إذ ترتبط تدفقات السياح بدرجة كبيرة بمستوى الاستقرار الإقليمي، مما يجعل هذا القطاع عرضة للتقلبات في أوقات الأزمات.
في السياق ذاته، تمثل قناة السويس ركيزة أساسية للإيرادات الدولارية، إلا أن التوترات في الخليج ومضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع كلفة التأمين على السفن، قد تؤدي إلى تراجع حركة الملاحة أو إعادة توجيه بعض المسارات البحرية، بما يحد من الإيرادات المتوقعة، ويكتسب هذا العامل أهمية مضاعفة في ظل اعتماد الموازنة على نمو الإيرادات بوتيرة مرتفعة.
ارتفاع أسعار النفط
إلى جانب ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الإقليمية يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد المصري من خلال زيادة فاتورة الاستيراد، وهو ما قد يؤثر في ميزان المدفوعات ويحد من القدرة على تحقيق المستهدفات المالية من دون ضغوط إضافية على العملة أو الحاجة إلى إجراءات تقشفية.
وعلى مستوى أعمق، تكشف هذه التحديات عن استمرار اعتماد الاقتصاد المصري على مصادر خارجية متقلبة لتوليد النقد الأجنبي، وهو ما يجعل الأداء المالي عرضة للصدمات الخارجية، وفي هذا الإطار، فإن تحقيق أهداف الموازنة لا يرتبط فحسب بكفاءة إدارة الإنفاق والإيرادات، بل أيضاً بمدى قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه الصدمات أو الحد من آثارها.
ومنذ بداية الحرب في إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي ارتفع سعر الدولار من مستوى 47 جنيهاً إلى قيمة تتجاوز 52 جنيهاً في جميع البنوك المصرية، وذلك مع ارتفاع وتيرة تخارج الأموال الساخنة من السوق الثانوية للدين الحكومي المصري.
تخارج الأموال الساخنة
في الأسبوع الأول من الحرب على إيران سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي بيع بقيمة 2.2 مليار دولار بأذون الخزانة المحلية المصرية، وفق البيانات الصادرة عن البورصة المصرية، وسط تصاعد الأخطار الجيوسياسية المرتبطة بالحرب.
قبل أيام، قالت شركة الأبحاث "فيتش سوليوشنز" إن مصر تواجه تحديات متزايدة بسبب الحرب الإيرانية، متوقعة استمرار تخارجات الأجانب خلال الأسابيع المقبلة، بما يزيد الضغوط على سعر الصرف ويرفع احتمالات تجاوز سعر الـ47 جنيهاً الذي كان سائداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشار إلى أن القاهرة في الـ18 من مارس (آذار) الجاري قلصت ساعات عمل المحال التجارية والمولات والمطاعم لتغلق عند الساعة التاسعة مساء يومياً، مع استثناء يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع لمدة شهر قابلة للمراجعة، في خطوة تستهدف خفض استهلاك الكهرباء والطاقة.
وتشمل الإجراءات إيقاف إنارة اللوحات الإعلانية وتقليل إضاءة الشوارع والميادين، إضافة إلى درس تطبيق العمل من بعد جزئياً في المؤسسات التي تسمح طبيعة عملها بذلك، في محاولة لتقليل الضغط على موارد الطاقة.
أزمة الطاقة في مصر
وتأتي هذه الخطوات في وقت تواجه مصر قفزة غير مسبوقة في فاتورة واردات الغاز الطبيعي التي ارتفعت إلى 1.65 مليار دولار شهرياً، مقارنة بـ560 مليون دولار قبل اندلاع الحرب، بزيادة تتجاوز مليار دولار، مما يمثل عبئاً إضافياً على الاقتصاد، إذ تفاقمت أزمة الطاقة في مصر بصورة ملاحظة مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وبعد تعطل إمدادات الغاز القادمة من إسرائيل، التي تعد أحد المصادر المهمة لتغذية الشبكة المحلية، وخصوصاً خلال فترات ذروة الاستهلاك.
ومنذ بدء التصعيد تأثرت عمليات الإنتاج والنقل في حقول الغاز الواقعة شرق البحر المتوسط، مما دفع إلى تقليص أو وقف ضخ الغاز إلى مصر كإجراء احترازي مرتبط بالظروف الأمنية، وهو ما انعكس سريعاً على توافر الإمدادات.
وكانت مصر قد اعتمدت خلال الأعوام الأخيرة على استيراد كميات من الغاز الإسرائيلي لإعادة تسييله في محطاتها ثم تصديره، إضافة إلى استخدام جزء منه محلياً لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، خصوصاً مع تراجع الإنتاج الطبيعي من بعض الحقول.
ويأتي هذا التوقف في وقت حساس، إذ يشهد الطلب المحلي على الكهرباء والغاز ارتفاعاً موسمياً يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة لتوفير بدائل سريعة، سواء عبر زيادة الاستيراد من الأسواق العالمية أو اللجوء إلى إجراءات ترشيد الاستهلاك، ويرى محللون أن هذا التطور يكشف هشاشة التوازن في سوق الطاقة المحلية، إذ يعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي والواردات مما يجعله عرضة للتقلبات الجيوسياسية في المنطقة
في المحصلة، تعكس الموازنة توجهاً إصلاحياً يسعى إلى تحقيق التوازن المالي، إلا أن نجاحه يظل مرهوناً بقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع تراجع محتمل في إيرادات السياحة وقناة السويس تحت ضغط التوترات الإقليمية.