ملخص
تحذير "غولدمان ساكس" لا يتحدث عن احتمال نظري بعيد، بل عن سيناريو قابل للتحقق في حال تصاعد التوتر حول إيران. شهر واحد من التعطل قد يضاعف الأسعار، وشهران قد يدفعان السوق إلى مستويات تكبح الطلب عالمياً.
حذر محللو بنك "غولدمان ساكس" من أن أسواق الغاز لم تسعر بصورة كافية أخطار التصعيد المرتبط بإيران، معتبرين أن أي توقف لحركة الشحن عبر مضيق هرمز قد يشعل موجة ارتفاع حادة في الأسعار، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
التقديرات تشير إلى أن توقف الإمدادات لمدة شهر واحد فحسب قد يدفع أسعار الغاز في أوروبا والغاز الطبيعي المسال الفوري في آسيا إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 130 في المئة، لتبلغ نحو 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
التحذير يأتي في وقت تبدو فيه الأسواق هادئة نسبياً، مقارنة بقمم أزمة الطاقة في 2022، لكن الهدوء قد يكون خادعاً إذا تحول مضيق هرمز إلى نقطة اختناق فعلية للتجارة العالمية للطاقة.
لماذا هرمز مهم إلى هذا الحد؟
يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى شحنات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، بخاصة من قطر، أحد أكبر مصدري الغاز في العالم، أي تعطل موقت (even) في هذا الممر البحري الحيوي يعني انخفاض الإمدادات الفورية إلى أوروبا وآسيا، اشتداد المنافسة على الشحنات المتاحة، ارتفاع علاوات الأخطار في عقود الغاز.
وهنا تكمن النقطة التي يلفت إليها "غولدمان ساكس": الأسواق لم تدخل بعد في أسعارها سيناريو تعطل فعلي وطويل.
سيناريو الشهر الواحد: صدمة 130%
إذا استمر توقف الشحن عبر هرمز لمدة شهر، فإن أسعار الغاز قد تقفز إلى 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
هذه المستويات تعني عملياً عودة الضغوط التضخمية على الاقتصادات الأوروبية، وارتفاع كلفة توليد الكهرباء والصناعة الثقيلة، وتآكل هوامش أرباح الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
الأسواق الأوروبية، التي اعتمدت في السنوات الأخيرة على تنويع مصادرها بعيداً من روسيا، ستجد نفسها مجدداً في سباق محموم على شحنات الغاز المسال.
سيناريو الشهرين: فوق 100 يورو للميغاواط/ ساعة
الأخطر في تقديرات البنك هو سيناريو استمرار التعطل لأكثر من شهرين، في هذه الحالة قد تتجاوز أسعار الغاز في أوروبا مستوى 100 يورو لكل ميغاواط/ ساعة، أي ما يعادل نحو 35 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
هذا المستوى تاريخياً يمثل منطقة ضغط قصوى على الطلب، إذ تبدأ الصناعات في خفض الإنتاج أو التحول إلى بدائل طاقة أقل كلفة.
النتيجة المتوقعة، تراجع حاد في الطلب العالمي على الغاز، وتباطؤ صناعي في أوروبا وآسيا، إضافة إلى احتمالات ركود في بعض الاقتصادات المعتمدة على الطاقة المستوردة.
هل الأسواق فعلاً غير مسعرة للأخطار؟
رؤية "غولدمان ساكس" تفترض أن المستثمرين يتعاملون مع التصعيد الجيوسياسي باعتباره محدود الأثر أو قصير الأمد، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن أسواق الطاقة تتحرك بسرعة وبحدة عند أول إشارة اختناق فعلي في الإمدادات.
المفارقة أن المخزونات الأوروبية في وضع أفضل مقارنة بأزمة 2022، إلا أن الاعتماد المتزايد على الغاز المسال يجعل القارة أكثر حساسية لأي اضطراب بحري.
ارتفاع الغاز إلى 25–35 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيمتد تأثيره إلى، أسعار الكهرباء وارتفاع كلفة النقل البحري والتأثير في سلاسل الإمداد الصناعية، إضافة ارتفاع معدلات التضخم والسياسات النقدية، أي إن أزمة مضيق هرمز (إن وقعت) لن تكون مجرد أزمة طاقة، بل اختباراً جديداً لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات جيوسياسية مركزة.
تحذير "غولدمان ساكس" لا يتحدث عن احتمال نظري بعيد، بل عن سيناريو قابل للتحقق في حال تصاعد التوتر حول إيران. شهر واحد من التعطل قد يضاعف الأسعار، وشهران قد يدفعان السوق إلى مستويات تكبح الطلب عالمياً.
أما السؤال الحاسم الآن فهو: هل تبقى الأخطار في إطار التهديد، أم يتحول مضيق هرمز إلى شرارة موجة طاقة جديدة تعيد العالم إلى مربع أزمة 2022؟
اعتماد أوروبا على الغاز بين الماضي والحاضر
قبل حرب أوكرانيا، كانت أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، في 2021 مثلاً، كان الغاز الروسي يمثل نحو 45 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، وقرابة 40 في المئة من إجمال الاستهلاك حسب بيانات مصادر عدة، قبل أن تبدأ الخطة الأوروبية لتقليل الاعتماد على موسكو.
بعد حرب أوكرانيا انخفضت تلك النسبة بصورة حادة، إذ انخفضت حصة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي إلى نحو 15 في المئة بحلول 2023 نتيجة لجهود تنويع المصادر وخفض الاعتماد على خطوط موسكو التقليدية.
لكن على رغم هذا الانخفاض الكبير، يظل الغاز الروسي وارداً عبر بحرية أو كـ(LNG - الغاز الطبيعي المسال) إلى أوروبا، بخاصة في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، في حين أن بعض الدول الأوروبية مثل هنغاريا وسلوفاكيا لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على موسكو بمجرد العروض المتاحة على أسواق الغاز.
كيف يعوض الاتحاد الأوروبي الانخفاض الروسي؟
أمام تقلص واردات الغاز من روسيا، اتجه الاتحاد الأوروبي نحو زيادة واردات الغاز المسال (LNG)، فبحلول 2023، شكل الغاز المسال نحو 42 في المئة من واردات الغاز الأوروبية، ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2021، مما ساعد في تعويض جزء من انخفاض الاعتماد على خطوط موسكو.
وسجلت أوروبا في السنوات الأخيرة زيادة في واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة وروسيا وغيرها، بنسبة تجاوزت 80 في المئة من إجمال واردات الغاز المسال في يناير 2026، مما يوضح الدور المتزايد لواردات (LNG) في مزيج الإمداد، ثانياً مشاريع تنويع ورفض الاعتماد الكامل على روسيا.
السياسات الأوروبية، بخاصة خطة تهدف إلى القضاء الكامل على واردات الغاز الروسي بحلول عام 2027، بما في ذلك حظر (LNG) الروسي تدريجاً وإعادة التفاوض على العقود طويلة الأجل.
لكن على رغم هذه السياسة، لا يزال بعض الدول الأوروبية تستورد الغاز الروسي بصورة مباشرة أو من طريق إعادة تصديره عبر موانئها، وهو ما يوضح أن الانفصال الكامل عن موسكو ليس بسيطاً ولا متحققاً بالكامل.
اعتماد أوروبا على مضيق هرمز عبر الغاز المسال
على رغم التركيز التقليدي على الغاز الروسي، فإن أوروبا تعتمد بصورة متزايدة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة عبر مضيق هرمز. هذا الممر البحري حيوي لأن، نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية وكمية كبيرة من الغاز المسال تمر عبره، والغاز المسال الذي تستورده أوروبا من الولايات المتحدة وقطر ودول الخليج غالباً يمر عبر هذا المضيق قبل أن يصل إلى محطات الاستقبال الأوروبية.
وبما أن الغاز المسال بات يشكل نسبة كبيرة من مزيج الطاقة الأوروبي، فإن أزمة في هرمز تهدد فعلياً جزءاً مهماً من واردات LNG التي لم يعد روسيا وحدها مصدراً لها، بل تشمل منتجين عالميين آخرين.
قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، كانت أوروبا تعتمد على روسيا في نحو 40 في المئة من وارداتها من الغاز الطبيعي، فيما تجاوزت النسبة في بعض الدول مثل ألمانيا 50 في المئة.
لكن بعد الغزو الروسي في فبراير 2022، بدأت القارة سياسة فطام تدرجي عن الغاز الروسي، مدفوعة بعقوبات متبادلة وقرارات سياسية بتقليص الاعتماد على موسكو.
ووفق بيانات المفوضية الأوروبية، تراجعت حصة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 15 في المئة بحلول عام 2023، عبر تقليص الإمدادات عبر الأنابيب وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال.
غير أن هذا التحول لم يكن بلا ثمن، فبدلاً من الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب، زادت أوروبا وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال قفزت بأكثر من 60 في المئة عام 2022 مقارنة بعام 2021، في أكبر إعادة تشكيل لخريطة تدفقات الغاز عالمياً منذ عقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هنا يظهر البعد الجيوسياسي الجديد، جزء مهم من إمدادات الغاز المسال العالمية، ولا سيما القادمة من قطر، يمر عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، إذ يعبره يومياً نحو خمس تجارة النفط العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز المسال.
وبذلك، انتقلت أوروبا من مخاطرة جيوسياسية مرتبطة بروسيا والأنابيب البرية، إلى مخاطرة بحرية مرتبطة بأمن الملاحة في الخليج.
صحيح أن أوروبا لا تعتمد مباشرة على الغاز الوارد من مضيق هرمز كنسبة مستقلة في إحصاءاتها، لكنها تعتمد على الغاز المسال القادم من دول خليجية يمر عبره، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة (أو تهديد لحركة الملاحة) عامل ضغط مباشراً على أسعار الغاز الأوروبية، كما حدث في موجات توتر سابقة.
في المقابل، اتخذت أوروبا حزمة إجراءات لتقليل هشاشتها، شملت تسريع بناء محطات استقبال الغاز المسال، وملء المخزونات إلى مستويات قياسية قبل الشتاء، والتوسع في الطاقة المتجددة، إضافة إلى اتفاقات طويلة الأجل مع موردين جدد، ونجحت هذه السياسات في خفض استهلاك الغاز بنحو 15–20 في المئة خلال عامي 2022 و2023 مقارنة بمتوسط السنوات السابقة، وفق بيانات رسمية أوروبية.
الخلاصة أن أوروبا لم تخرج من دائرة الأخطار، لكنها غيرت طبيعتها، فبعد أن كان أمن الطاقة الأوروبي مرتبطاً بأنابيب تمر عبر أوكرانيا وبحر البلطيق، أصبح مرتبطاً بسفن تعبر ممرات استراتيجية في الخليج.
وبين المقاطعة السياسية لروسيا والحسابات الأمنية في مضيق هرمز، باتت معادلة الطاقة الأوروبية أكثر تنوعاً، لكنها أيضاً أكثر حساسية لأي صدمة جيوسياسية جديدة.
التأثير المباشر في ألمانيا وإيطاليا يختلف في التفاصيل
التأثير المباشر في ألمانيا وإيطاليا يختلف في التفاصيل، لكنه يتشابه في النتيجة، فأي اضطراب جديد في إمدادات الغاز – سواء من روسيا سابقاً أو عبر مضيق هرمز حالياً، ينعكس سريعاً على الأسعار والصناعة والتضخم.
في ألمانيا، كانت الصدمة الأولى أعنف بعد تراجع الإمدادات الروسية. قبل 2022، اعتمدت برلين على روسيا في أكثر من نصف وارداتها من الغاز، مما جعلها الأكثر تعرضاً عند خفض التدفقات عبر خطوط الأنابيب.
النتيجة كانت قفزة قياسية في أسعار الطاقة، وتراجع إنتاج قطاعات كثيفة الاستهلاك مثل الكيماويات والصلب والزجاج، وشركات كبرى مثل (BASF) خفضت إنتاجها في أوروبا، وأعادت توجيه استثماراتها إلى مناطق أقل كلفة للطاقة.
اليوم، وبعد تحول ألمانيا إلى الغاز الطبيعي المسال، فإن أي توتر في الخليج قد يرفع الأسعار الفورية في السوق الأوروبية، مما يضغط على تنافسية الصناعة الألمانية مجدداً.
صحيح أن برلين بنت محطات عائمة لاستقبال الغاز المسال بسرعة قياسية ورفعت مستويات التخزين، لكن اقتصادها الصناعي يظل حساساً جداً لتقلبات الأسعار، خصوصاً مع تباطؤ النمو وضعف الطلب العالمي.
أما إيطاليا، فالوضع أكثر توازناً نسبياً، لكنها ليست بمنأى عن الأخطار، وروما تحركت مبكراً لتنويع الإمدادات، وزادت وارداتها من الجزائر وأذربيجان، وخفضت اعتمادها على روسيا بصورة ملحوظة، ومع ذلك، تبقى إيطاليا دولة صناعية تعتمد على الغاز في توليد الكهرباء بنسبة كبيرة مقارنة بدول أوروبية أخرى. لذلك فإن أي ارتفاع حاد في الأسعار ينعكس مباشرة على فواتير الكهرباء وعلى كلفة الإنتاج، خصوصاً في قطاعات الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيطالي.
بمعنى آخر، التأثير المباشر في ألمانيا يكون عبر القطاع الصناعي الثقيل والتنافسية التصديرية، بينما في إيطاليا يظهر سريعاً في كلفة الكهرباء والضغط على الشركات الصغيرة والأسر، وفي الحالتين، أي اضطراب في تدفقات الغاز العالمية (سواء من روسيا أو من الخليج) يتحول فوراً إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي داخلي، خصوصاً مع حساسية الرأي العام لأسعار الطاقة والتضخم.