ملخص
تسارعت وتيرة البيع في الجلسة الأخيرة من الأسبوع، لتسجل أكبر هبوط خلال يومين مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" منذ اضطرابات الرسوم الجمركية العام الماضي.
تتسارع وتيرة اضطرابات الأسواق العالمية على خلفية الحرب مع إيران، مع تحول التراجعات إلى موجة بيع حادة وشاملة تضرب "وول ستريت" وتعمق خسائر المستثمرين.
وأسفرت الجهود الرامية إلى التوسط لإنهاء القتال واستئناف تدفق نفط الشرق الأوسط عن مزيد من التصعيد، مما عزز بدوره شعوراً متزايداً بالقلق في الأسواق، وتراجع مؤشر "ناسداك 100" بنسبة 2.15 في المئة أمس الجمعة فحسب، ليدخل مرحلة التصحيح، وانخفض مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" للأسبوع الخامس على التوالي، مسجلاً أطول سلسلة خسائر منذ عام 2022، وهبطت السندات، ودفع عائد السندات القياسي لأجل 30 عاماً نحو خمسة في المئة، فيما تراجع سعر "بيتكوين" إلى نحو نصف ذروته قبل الحرب.
لماذا تسارعت وتيرة البيع في نهاية الأسبوع؟
وتسارعت وتيرة البيع في الجلسة الأخيرة من الأسبوع، لتسجل أكبر هبوط خلال يومين مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" منذ اضطرابات الرسوم الجمركية العام الماضي.
وأدت المخاوف في شأن تأثير الحرب في الإنفاق إلى انخفاض أسهم السلع الاستهلاكية الكمالية بنسبة ثلاثة في المئة، وهو أكبر تراجع في خمسة أشهر. وتراجعت الأسهم المالية، التي صمدت خلال معظم الأسبوعين الماضيين، بنسبة 2.5 في المئة، في حين تجاوز مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو مستوى 30، وهو الأعلى منذ نحو عام.
وفي معظم أنحاء الأسواق، تبدو الصورة قاتمة: أسعار النفط تلامس مستوى 110 دولارات، وتوقعات التضخم ترتفع، والبنوك المركزية التي كانت قبل وقت قصير تخطط لخفض أسعار الفائدة باتت تفكر في رفعها، والأسهم تتكبد أسوأ أداء شهري لها منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
هل فشلت أدوات التحوط التقليدية في حماية المستثمرين؟
وزاد الأمر سوءاً بالنسبة إلى المستثمرين أن معظم أدوات التحوط التقليدية لم تنجح في وقف التراجعات، فقد انخفضت ثلاث فئات أصول في الأقل من أصل أربع تشكل جوهر المحافظ المتنوعة بصورة متزامنة لمدة أربعة أسابيع متتالية، وهي أطول فترة من نوعها منذ مايو (أيار) 2022.
والجمعة، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافاً نووية ومنشآت للصلب في إيران، بينما أرجأ الرئيس دونالد ترمب مهلة لإيران للموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز أو مواجهة ضربات على محطات الطاقة.
واستمرت الأسواق في الهبوط، في تناقض حاد، عندما أدى تراجع ترمب عن تهديده بقصف البنية التحتية للطاقة في إيران إلى انتعاش الأصول.
وقال نائب رئيس الاستثمار للأسهم في فيديرايتيد هيرمس انك ستيف تشيافاروني "لقد ضغط ترمب على أسواق النفط والسندات للحفاظ على هدوئها، انتظاراً لانتهاء النزاع، لكن السوق لا تستجيب لذلك اليوم".
وللمرة الخامسة، عمد المستثمرون إلى تقليص الأخطار قبيل عطلة نهاية الأسبوع، إذ امتدت الخسائر حتى بعد توقع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن يستغرق الفوز في الحرب "أسابيع وليس أشهراً.
وقال رئيس تداول الأسهم في "إنستينت" لاري فايس "قبل أسبوعين، كانت الأسواق سترتفع على وقع مثل هذا الخبر، لكن لم يكن هناك أي رد فعل اليوم. لا أحد يعرف الخطوات التالية، وهناك شك متأصل تجاه التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية والإيرانيين".
وتتراكم معاناة المستثمرين الذين يعتمدون على التنويع منذ أعوام، إلا أن الحرب قدمت دليلاً واضحاً على أن السندات والذهب وتداولات التقلبات والعملات المشفرة يمكن أن تخفق جميعها في وقت واحد، سواء في ظل تصعيد عسكري أو توترات تجارية بين الولايات المتحدة والصين أو إعادة تسعير متشددة من قبل البنوك المركزية.
ماذا لو امتلك المستثمر رؤية استباقية مثالية؟
ووصف مؤسس "تالباكن كابيتال أدفايزرز" مايكل بورفس، الوضع بوضوح في مذكرة للعملاء هذا الأسبوع، مشيراً إلى أن مستثمراً يمتلك رؤية مثالية في الـ27 من فبراير (شباط) الماضي أي قبل بدء الهجمات وقام بزيادة استثماراته في السندات والذهب وخيارات لمؤشر لقياس تقلبات السوق وخيارات الحماية مؤشر "ستاندرد أند بورز 500"، كان سيواجه اليوم خسائر في معظم مراكزه.
وقال في مقابلة "لقد كانت عاصفة مثالية من استخدام أدوات خاطئة، إذ فشلت كل منها لأسباب مختلفة. لا توجد حلول سحرية واضحة في ظل هذا الكم من الغموض".
وتعود الأسباب إلى عوامل معقدة، إذ إن بيع السندات لم يكن مدفوعاً فحسب بارتفاع توقعات التضخم، بل أيضاً بإعادة تسعير لما تنوي البنوك المركزية القيام به، وهو تحول يمتد من واشنطن إلى فرانكفورت وطوكيو. أما الذهب، فعلى رغم استمرار العوامل الهيكلية الداعمة له مثل مشتريات البنوك المركزية، وتنويع الاحتياطات بعيداً من الدولار، وتدهور الأوضاع المالية فإنه ارتفع بسرعة مفرطة قبل الأزمة، فيما أسهم ارتفاع العوائد الحقيقية في تعميق خسائره.
وقد قفزت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 أعوام، لتتجه نحو تسجيل أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024. وخسر صندوق متداول يتتبع استراتيجية "تكافؤ الأخطار" نحو ثمانية في المئة. أما المنتجات المصممة خصيصاً لحماية محافظ الأسهم عبر التقلبات التي يدفع المستثمرون علاوة مقابلها لأنها من المفترض أن تحقق أرباحاً عند هبوط الأسواق فقد أدت أداء مماثلاً للمؤشر الذي تهدف إلى حمايته.
ما الدلالة الأعمق لهذه التطورات بالنسبة إلى المستثمرين؟
ويقول محللون إنه في المرة المقبلة التي تتراجع فيها الأسواق سواء بسبب تصعيد هذه الحرب أو أزمة جديدة قد يجد المستثمرون أن الأدوات التي اعتمدوا عليها لعقود توفر حماية أقل مما كانوا يعتقدون.
وقالت مينا كريشنان من شرودرز "لقد انتقل العالم من صدمات جانب الطلب إلى صدمات جانب العرض، ويجب مراجعة الأساليب التقليدية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان فريقها قد اشترى أدوات تحوط عبر عقود مبادلة أخطار الائتمان قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، ولا يزال يحتفظ بها.
وفي ظل ندرة الملاذات الآمنة، يتجه المستثمرون نحو السيولة النقدية حتى وإن كان ذلك يعني تفويت فرص محتملة في حال تعافت الأسواق. وبالنسبة إلى أولئك القادرين على التعامل مع التعقيد، هناك أدوات مهيكلة واستراتيجيات كمية تهدف إلى توفير حماية من الهبوط أو تحقيق عوائد غير مرتبطة بأداء السوق.
ومع ذلك، فإن فاعلية التنويع تقاس عادة على مدى أعوام أو عقود، وليس أسابيع قليلة، وقد حققت المحافظ التقليدية من الأسهم والسندات عوائد جيدة عام 2025 وخلال أول شهرين من هذا العام.
هل تراجع دور السندات موقت أم هيكلي؟
ويرى كبير استراتيجيي الاستثمار في "ستيت ستريت" مايكل أرون، أن ضعف دور السندات في التنويع قد يكون موقتاً، على رغم أنه أقر بأن ارتفاع العوائد الأخير خالف توقعاته، وقد خفض فريقه أخيراً انكشافه على الأسهم وزاد حيازاته من السندات.
ويتوقع أنه مع تراجع التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، سيسمح انحسار أخطار التضخم لسوق السندات بالتركيز مجدداً على خفض الفائدة، مما يمهد لتعويض خسائر الأسهم في حال عادت المخاوف في شأن النمو، وأضاف "الحرب عطلت الاتجاه، لكنها لم تغير الهيكل العام، وإذا كان هذا النزاع سيستمر أسابيع أو أشهراً لا أعواماً، فقد نرى أسعار النفط تعود سريعاً إلى نطاق 75-85 دولاراً للبرميل".
ومع ذلك، بالنسبة إلى من يراقبون نبض السوق اليومي من كثب، فإن الضغوط المستمرة عبر مختلف فئات الأصول يصعب تجاهلها، فقد أجرى محللون لصناديق المؤشرات، دراسة حول مدى قدرة أصول مثل السندات والذهب و"البيتكوين" على العمل كأدوات تحوط في الأيام التي تنخفض فيها الأسهم. ووجد أن السندات والذهب يحققان أداء إيجاباً في نحو 43 في المئة فحسب من هذه الأيام هذا العام، بينما تنجح "البيتكوين" في ذلك في نحو ربع الحالات، مقارنة بأكثر من 60 في المئة قبل عقد من الزمن.
أما تحقيق ارتفاع متزامن للأصول الثلاثة في ظل تراجع مؤشر "ستاندرد أند بورز 500"، فقد أصبح نادراً للغاية هذا العام، إذ لم يحدث سوى في سبعة في المئة من الحالات، مقابل متوسط 18 في المئة خلال الأعوام الـ15 الماضية.
ويعكس تراجع السندات الحكومية والذهب تزامناً مع الأسهم هشاشة آليات الحماية التقليدية في عالم اليوم، إذ تستمر مخاوف التضخم، وتتفاقم الضغوط المالية، وتصبح التداولات الساخنة عرضة لتغيرات مزاج المستثمرين الأفراد، بحسب رئيس استراتيجيات أسواق رأس المال في "تيكهيو كابيتال" رافاييل ثوين، وختم قائلاً إن "المفهوم التقليدي للملاذات الآمنة بات يتعرض لتحديات متزايدة، في ظل تعقيد الديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي والأسواق المالية".