ملخص
عند مدخل جبة وفي دوار يتوسط الطريق الرئيس رأيت سيارة دفع رباعي عالقة "جيب مغروزة" في كثبان الرمال الذهبية، كما لو أنها تئن منذ عقود، لم تكن مجرد سيارة عالقة في الرمال، بل كانت صرخة متحجرة تحكي قصة غريبة، فما قصتها؟
في زيارتي إلى جبة كان ذهني مشغولاً بالنقوش الصخرية التي تشتهر بها عالمياً كموقع تراث عالمي في السعودية، وخيالي يذهب إلى تصويرها جوهرة محاصرة ببحر من الرمال في منطقة حائل، لكن عند مدخل القرية استوقفني شيء مختلف أيقظ فضولي الصحافي من غفوة موقتة منحته إياها في إجازة عيد الفطر.
عند مدخل جبة وفي دوار يتوسط الطريق الرئيس رأيت سيارة دفع رباعي عالقة "جيب مغروزة" في كثبان الرمال الذهبية، كما لو أنها تئن منذ عقود، لم تكن مجرد سيارة عالقة في الرمال، بل كانت صرخة متحجرة تحكي قصة غريبة، فما قصتها؟
داخل القرية كان هناك متحف خاص يدخله الزوار، فقلت في نفسي لا بد أن مسؤول المتحف يعرف القصة، وبالفعل دخلت متحف "ناصر الثويني"، والتقيت المسؤول ناصر خميس الثويني، فرأيت في عينيه بريق من ينتظر سؤالاً قديماً.
بالتأكيد سؤالي كان جاهزاً وبادرت بإلقاء السؤال عليه: ما قصة هذه السيارة؟ وهل هي حقيقة أو مجسم؟
ناصر الثويني تلقى السؤال بابتسامة، وقال لي، "هذه السيارة ليست مجسماً عابراً، هذه حكاية مختلفة تعود إلى عهد الملك السعودي الراحل خالد بن عبدالعزيز آل سعود"، موضحاً أن "المشكلة في جبة لم تكن يوماً في أهلها، ولا في نخلها، ولا حتى في نقص المال، بل كانت المشكلة في الطريق".
وأخذ ناصر يشرح لي كيف أن جبة تقع في قلب صحراء النفود الكبير، محاصرة بالرمال من كل صوب: 220 كيلومتراً من الشمال، و60 كيلومتراً من الشرق، ومثلها غرباً، و40 كيلومتراً من الجنوب، متابعاً "كان الوصول إليها في الماضي ليس مجرد رحلة، بل مغامرة مع الموت، عشرات الكيلومترات من الرمال الذهبية التي تبتلع كل عجلة، حتى أقوى سيارات البر، فكان كل قادم إليها لا يدري إن كان سيصل أم سيغتاله الطريق قبل أن تصل إليه الحياة".
وأشار إلى أن أهل جبة لم يكونوا يوماً من الذين يئنون في الظل، بل هم من طينة مختلفة، فإذا ضاقت بهم السبل حولوها إلى مشهد"، مضيفاً أنهم علموا بقدوم الملك خالد لزيارة حائل في أحد أيام السنوات العجاف التي عاشوها".
وبدأ ناصر الثويني يسرد تفاصيل أكثر قائلاً "اجتمع أهل جبة ليبحثوا مشكلة الطريق، وتشاوروا طويلاً حول كيفية طلب تعبيد الطريق بالأسفلت من الملك، فلم يكتبوا عريضة، ولم يرسلوا برقية، بل اتفقوا على صنع شيء يراه الملك بعينيه ويعرف منه مشكلتهم ومدى معاناتهم".
خرجت من المتحف وأنا شغوفة بالقصة التي تعكس ذكاء أهل القرية، ثم دخلت متحف قصر النايف الأثري لتكتمل الصورة بتفاصيل أدق. إذ يوضح نواف بن سعود النايف أن السيارة المستخدمة كانت "جيب تويوتا" موديل 1979، تعود لسرحان كنعان محمد السرحان، أحد أبناء جبة، وقد استُخدمت لتجسيد معاناة الطريق الذي يربط القرية بحائل، بطول يقارب 100 كيلومتر، وهو الطريق الذي طالب الأهالي بتعبيده.
ويؤكد أن تلك الإشارة الرمزية اختصرت سنوات من المعاناة، وجاء التفاعل سريعا، إذ صدر التوجيه بسفلتة الطريق، ليبدأ التنفيذ لاحقا ويكتمل المشروع نحو عام 1407 هـ، ليبقى "الجيب المغرز" شاهدا على فكرة بسيطة غيرت مسار قرية كاملة
بدأ قلم العقل يخط قصتهم في خيالي، لا سيما أن اللحظة كانت محسوبة بدقة، الأهالي علموا بزيارة الملك خالد بن عبدالعزيز إلى حائل، فعرفوا أن الموكب سيمر من هناك، وزرعوا المشهد الذي يجسد المشكلة في طريقه، كأنهم يضعون سؤالاً على بساطه، من دون أن ينطقوا بحرف.
سرح خيالي فيما أنوي كتابته، فنبهني حديث نايف مكملاً القصة "توقف موكب الملك عند (الجيب المغروزة)، ونزل الحراس، وسألوا: ما هذا؟ فجاء الرد بسيطاً كالفطرة، قاسياً كالصحراء: نريد الأسفلت"، مشيراً إلى أنهم "لم يتحدثوا طويلاً، ولم يشرحوا معاناتهم، كل ما عانوه طوال السنين كان مختصراً في تلك السيارة المغروزة، وكل ما يريدونه كان في كلمتين".
أحد كبار السن كان يسترق السمع إلى أحداث عاشها بنفسه، فقاطع حديثنا قائلاً "الملك خالد وقف يتأمل المشهد برهة، ثم أمر برصف الطريق، ولم يمر وقت طويل حتى بدأت آلات التعبيد تدق الطريق، وفي عام 1407هـ (قبل نحو 40 سنة) اكتمل المشروع".
وأردف النايف قوله "جبة اليوم ليست كما كانت، لكن (الجيب المغروزة) لا تزال هناك تذكرنا بأهمية ألا نيأس".
جبة ليست مجرد قصة طريق، هذا المكان التاريخي أعظم من أن يختزل في حكاية واحدة، ففيها نقوش صخرية تعود إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد، فيها أكثر من 7500 نقش، موزعة على 18 موقعاً، تحكي حياة الإنسان منذ أن كان صياداً، حتى صار مربياً للأنعام، كما صار ثمودياً ونبطياً يخط كتاباته على الصخر، وفي عام 2015 وضعتها "اليونيسكو" على قائمة التراث العالمي، وكأن العالم كله قال أخيراً: نعم، هذا المكان يستحق أن يذكر.
جبة فيها من الآثار ما يشهد أنها كانت بحيرة قديمة، تمتد 27 كيلومتراً بين جبل أم سنمان وجبل غوطة، قبل أن تجف منذ 6 آلاف عام، تاركة خلفها أحجاراً استخدمها السكان في بناء مساكنهم، كأنهم بنوا بيوتهم على ذاكرة ماء.
في ذاكرتي عن جبة ما لا يكفيه تقرير واحد، إذ تتزاحم التفاصيل في رأسي، وكأن كل زاوية هناك تطالب بنص مستقل، وكل مشهد يحمل بداية حكاية لم تكتمل بعد، فكرت أن أضم كل ما رأيت في رحلتي في سطور إضافية، لكن شيئاً داخلي كان يعترض بهدوء.
أدركت أن التجربة لا تختزل، وأن بعض الأماكن لا تكتب دفعة واحدة، وثمة إيقاع خاص تفرضه جبة على من يزورها، كأنها تقول إن الحكايات لا تروى بالجملة، بل تترك لتأخذ وقتها، وتنضج كما ينبغي، وكل تفصيلة هناك بدت لي قابلة لأن تكون بداية نص مختلف.
لهذا اخترت أن أترك ما تبقى مؤجلاً، لا نقصاً، بل وعياً بأن الكتابة ليست سباقاً مع الذاكرة، بل إنصات لها، وما لم أكتبه اليوم سيجد طريقه لاحقاً، حين تهدأ الصور في ذهني، وتترتب المعاني كما يجب.
وإن كتبت اليوم حكاية "الجيب المغروزة" والطريق الذي صنعته فكرة بسيطة وكلمة صادقة، فإن كتاباتي عن بقية جبة سيأتي وقتها لاحقاً.