Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صخرة "الدنانة" السعودية... رنين الحجر في حضرة الصمت

أحد المعالم السياحية في منطقة حائل ونحتتها يد الزمن فوق رمال نجد وتمثل أيقونة لصوت الطبيعة

الصخرة لا تلامس قاعدتها بصورة كاملة، بل تستقر على ثلاث نقاط فقط، مما يعزز قدرتها على إصدار هذا الصوت المميز (اندبندنت عربية)

ملخص

ثلاث صخور جرانيتية تستند إحداها فوق الأخرى بتوازن دقيق، وكأنها تركيب هندسي صاغته الطبيعة بعناية متناهية، الصخرة الأكبر، وهي محور الظاهرة، تصدر صوتاً معدنياً واضحاً عند الطرق عليها، مما أكسبها شهرتها.

لم أخطط للسفر في عيد الفطر الماضي، فالقيود تجهض أية خطط في ظل حرب مندلعة بالمنطقة وترمي ثقلها على النفس، والتفكير في التصعيد يساور الجميع، ووقتها سيبقى كل في مكانه لن يغادره، والاختيار الأفضل هو البقاء في المنزل وقضاء العيد بين أربعة جدران، لكن بعض الرحلات لا تولد من النية، بل من الصدفة التي تهب على الروح كريح خفيفة لا تقاوم.

وبينما تدوي صفارات الإنذار في مناطق الخليج للتحذير من الصواريخ والمسيرات، راود نفسي شغف التخييم، وقرع صوت هواء الصحراء محيط سمعي، فما هي إلا ساعات وكنت على طريق حائل، إذ الوعر يغري أكثر مما يخيف، وحيث الصحراء لا تسأل عن جواز سفرك، بل عن مدى استعدادك لأن تصغي إليها.

امتد الطريق لنحو 600 كيلومتر شمال الرياض، حتى وصلت إلى منطقة توارن السياحية في قلب جبال أجا، حيث تتداخل الممرات الجبلية مع مشاهد طبيعية هادئة تمنح المكان حضوره الخاص. كان اختيار المخيم الصغير موفقاً، محاطاً بالجبال، يوفر قدراً من الراحة والعزلة التي يحتاجها الإنسان من وقت إلى آخر.في هذه الرحلة، لم يكن الحضور مقتصراً علي وحدي، بل رافقني فضول لا يهدأ، يلاحق التفاصيل في كل خطوة، أراه وأسمعه كأنه حاضر، على رغم أنه لا يُرى.

قادني الفضول، ذلك الرفيق المتمرد إلى صخرة تعرفها الألسن المحلية باسم "الدنانة" أو "الرنانة"، شامخة بين صخور الجرانيت والجفاف، تنتظر هزيز الريح لتعلن سرها، ويصفها الجيولوجيون بأنها واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للدهشة في شمال السعودية، إنها معلم جيولوجي يختزن في داخله قصة زمن طويل من التحولات الطبيعية، ويجذب السياح والباحثين على السواء بما يصدره من رنين غريب يشبه صوت الجرس المعدني عند الطرق عليه.

 

في أعماق صحراء حائل وفي  شعيب جو، وبرفقة صديقاتي، بدأنا رحلة تجمع بين الاستكشاف ومتعة التفاصيل، حيث تنساب الرمال الذهبية تحت وهج الشمس، في مشهد يبدو كأنه لوحة لا تنتهي. هناك، تقف الصخرة شامخة، كحارس صامت لعصور مضت، ليست مجرد تشكيل طبيعي نحتته عوامل الزمن في صحراء نجد، بل كأنها مخطوطة مفتوحة على امتداد السماء، تسجل بصمتها حكايات الأجداد وهمسات الرياح القديمة.

تتجلى في صخرة "الدنانة" روعة التكوين وإبداع الخالق، حيث نحتتها عوامل التعرية عبر ملايين السنين، لتصبح تحفة طبيعية لا مثيل لها، فإذ هي تتحدث بلغة الصمت، وتكتب بمداد الظل، وتروي لمن يتأملها قصصاً عن قوافل كانت تسير على دروب الوعورة، وعن شعراء تغنوا بجمالها، وعن رجال عشقوا صحراءها حتى صاروا جزءاً منها.

وتقع "الدنانة" ضمن نطاق جبال أجا، أحد أبرز المعالم الجغرافية في منطقة حائل، وتبعد مسافة قصيرة من منطقة توارن، ومحاطة بطبيعة صخرية تعكس ملامح البيئة الصحراوية بتنوعها القاسي والجميل في آن واحد، وتبرز ثلاث صخور جرانيتية تستند إحداها فوق الأخرى بتوازن دقيق، وكأنها تركيب هندسي صاغته الطبيعة بعناية متناهية، الصخرة الأكبر، وهي محور الظاهرة، تصدر صوتاً معدنياً واضحاً عند الطرق عليها، مما أكسبها شهرتها.

لا يعد الصوت الذي يجذب الزوار لغزاً غامضاً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لتكوينها الجيولوجي الفريد، فالصخور الجرانيتية تتشكل في أعماق الأرض تحت تأثير درجات حرارة وضغط مرتفعين، قبل أن تنكشف تدريجاً بفعل التعرية عبر ملايين السنين، وفي حالة "الدنانة"، يبدو أن التجويف الداخلي للصخرة، مع طريقة ارتكازها على نقاط محدودة يسمح بحدوث اهتزازات صوتية عند الطرق عليها فتعمل كجسم رنان على غرار الأجراس المعدنية.

تشير الملاحظات الميدانية إلى أن الصخرة لا تلامس قاعدتها بصورة كاملة، بل تستقر على ثلاث نقاط فقط، مما يعزز قدرتها على إصدار هذا الصوت المميز، كما يلاحظ وجود عدد من الحجارة الصغيرة حولها، تركها الزوار الذين جربوا طرقها لاكتشاف هذا الصوت الخفي بأنفسهم، في تجربة تجمع بين الفضول العلمي ومتعة الاكتشاف.

ولم تكن "الدنانة" غائبة عن أعين الرحالة والمستكشفين في القرن الـ19، فقد وثقها المستشرق الفرنسي شارل هوبر خلال مروره بالمنطقة بين عامي 1880 – 1881، واصفاً إياها بأنها كتلة جرانيتية مخروطية الشكل استقرت فوق صخرة أخرى "مفرغة من الأسفل وترن كجرس سميك جداً عند قرعها".

 

 

اتخذ هاربر من حائل نقطة انطلاق لرحلاته نحو مواقع عدة مثل جبة وتيماء وخيبر. وخلال تلك الجولات، نجح في توثيق عدد من التكوينات الصخرية والنقوش والآثار وسجل ملاحظات جيولوجية تعد من أوائل ما كتب بشكل علمي عن طبيعة المنطقة. وقد جمعت ملاحظاته ونشرت لاحقاً في كتاب بعنوان "رحلة في الجزيرة العربية الوسطى: حمد، شمر، القصيم، الحجاز (1878–1882)"، الذي صدر في باريس عن الجمعية الجغرافية، ونشرت يومياته وتقاريره بعد وفاته عام 1891، لتشكل مرجعاً مبكراً ومهماً في توثيق جغرافيا وآثار وسط الجزيرة العربية.

ويقول صاحب المخيم طارق الشمري، إن الصخرة معروفة لدى أهل المنطقة منذ زمن، حيث كان رعاة البدو يطرقونها فيصدر عنها صوت يشبه "النجر"، وهو أداة حديدية تستخدم لدق القهوة والهيل.

أما الروايات المحلية آنذاك، فقد عكست خيالاً شعبياً ربط الصوت بوجود كنوز مدفونة تحتها، وهو تفسير لا يخلو من براءة السرد الحكائي الذي يولد حول كل ظاهرة طبيعية استثنائية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال زيارة الباحث في الآثار والجغرافيا تركي القهيدان للموقع، تتكشف أبعاد أخرى لهذه الظاهرة التي تجمع بين التفسير العلمي والدهشة البصرية، ويشير القهيدان إلى أن اختلاف التسمية بين "الرنانة" و"الدنانة" يعكس ارتباط الصوت بهوية المكان، فيما يعود تفسير الظاهرة لوجود فراغات داخلية في الصخرة تشكلت بفعل الحرارة والضغط عبر ملايين السنين، مما يجعلها أقرب إلى جسم مجوف نسبياً تتردد داخله الذبذبات الصوتية.

وتحتل حائل موقعاً متقدماً على خريطة السياحة الداخلية، بفضل تنوعها الجغرافي وعمقها الحضاري، فالمنطقة لا تختزن طبيعة لافتة فحسب، بل تحمل إرثاً تاريخياً وثقافياً يعزز مكانتها بوصفها واحدة من أبرز الوجهات القادرة على الجمع بين المشهد الطبيعي والحكاية التراثية.

 

وبين المعالم الطبيعية في المنطقة، تقف جبال أجا وسلمى التي لا تقتصر أهميتها على حضورها الطبيعي، بل تحمل أيضاً واحدة من أشهر حكايات العشق في العصر الجاهلي، وتدور أحداث القصة، بحسب المتداول، حول عاشقين فرا معاً لكن قومهما قتلوهما بين جبلين في منطقة حائل، فسمي كل جبل باسم أحدهما تخليداً لقصتهما، لتبقى الطبيعة شاهداً على حكاية لم تمت على رغم كل تلك القرون.

لم أخطط لهذه الرحلة، جاءت على عجل مع رفيقاتي، لكنها نجحت بامتياز، إذ تنقلنا بين الأودية والواحات والمناطق المحيطة، نكتشف التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويقودني فضول لا يهدأ إلى كل ما يبدو غريباً أو مختلفاً.

هناك، في حائل، لم يكن الصخر مجرد كتلة صامتة، بل بدا كأنه يقرع نفسه، لا ليُسمع فقط، بل ليذكر بأن في قلب هذا الجفاف القاسي نغماً خفياً. حين تلتقي الجيولوجيا بالحكاية، تولد ظاهرة لا تشبه غيرها، تثير الدهشة بقدر ما تطرح الأسئلة.

وفي تقرير آخر، أعود لما رأيت، بتفاصيل أكثر.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير