ملخص
انقسم نتاج الغزاوي الشعري بعد نيله اللقب إلى مسارين رئيسيين بحسب ما تشير دراسة العطوي؛ هما "المناسبات" التي توثق لقاءات الملوك وتطورات الدولة، و"الحوليات" الغزيرة التي يلقيها في مواسم الحج وبمناسبات الجلوس على العرش.
تعد رتبة "شاعر البلاط" في التقاليد السياسية العربية أرفع رتبة يمكن أن يحوزها أديب، فهي تتجاوز حدود إلقاء الشاعر قصيده في محافل أو مجالس الحاكم، إلى رتبة "لسان الدولة" والموثق لتحولات الحكم، والمؤرخ لأمجادها والمنافح عن هويتها وسلطانها.
وفي تاريخ الدولة السعودية الحديثة كما الأولى والثانية على الأرجح، لم يظهر هذا اللقب بصفة رسمية مكتوبة إلا مرة واحدة، كانت من نصيب الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي، على خطى شعراء قبله، منذ النابغة في الحيرة وحسان في المدينة والمتنبي في بغداد ولسان الدين الخطيب في الأندلس، حتى عهد أمير الشعراء أحمد شوقي في القاهرة، يوم ظل أولئك الشعراء الصدى الرسمي لإرادة الحكم ووجدان الرعية، والمدفع الهادر في وجه المناوئين.
عند تنقيب "اندبندنت عربية" أعداد صحيفتي "أم القرى" وأختها "صوت الحجاز" ضمن الوثائق التاريخية التي وفرتها دارة الملك عبد العزيز للباحثين أخيراً؛ يستوقف المتصفح مرسوماً غير عادي نشر في أم القرى 14 يونيو (حزيران) 1933 يعلن الغزاوي "شاعر بلاط" لعاهل البلاد و"حساناً" يدافع عن العربية والعروبة، ومشروع المملكة الوليدة.
حكاية "الشرف القومي"
وجاء نص المرسوم الذي نشرته بعد أسبوعين كذلك جريدة "صوت الحجاز"، يقول "نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ملك المملكة العربية السعودية، بعد الاعتماد على الله تعالى قد منحنا شاعرنا أحمد بن إبراهيم الغزاوي لقباً فخرياً وشرفاً قومياً بانتسابه إلينا، وخصوصيته علينا".
وأضاف "نعتناه بحساننا، وخولناه أن يكون شاعر بلاطنا وأبنائنا، لما استحقه من توجهنا والتفاتنا بما أثبته لدينا من نصحه، وإخلاصه، ومنافحته عن الإسلام، والمسلمين، والعرب، والعربية، ونرجو لنا وله الهداية والتوفيق من الله تعالى، ولذا حرر".
وفي استدعاء "حسان" خطوة رمزية لها وقع، في نفوس الجمهور العربي والإسلامي عموماً والسعودي بوجه خاص، فتجربة "حسان بن ثابت" في صدر الإسلام في الدفاع عن الرسالة في ملامح تشكلها الأولى، حية في وجدانهم بما يكفي لتكون نموذجاً للشاعر الحجازي الجديد في الدفاع عن المملكة، التي بدأت لتوها صياغة نظامها الأساسي ومؤسساتها الإدارية، على نهج يتأسى بالدولة النبوية الأولى، في وقت كان الإعلام بمفهومه الحديث لا يزال في طور البناء.
الشعراء والأئمة
لدى سؤال الباحث السعودي منصور العساف المهتم بقضايا التاريخ والوثائق، عن خلفية المرسوم، أشار إلى أن الشائع في مراحل الدولة الثلاث أنهم يقربون المؤرخين أمثال بن بشر وبن عثيمين وبن خميس لتسجيل وقائع الأحداث وفتوحات الدولة وأيامها، لكن تقريب شاعر بعينه في مجالسهم بوصفه حامل لقب "شاعر البلاط"، لم نسمع عنه، قبل حالة الغزاوي ولا بعده.
في حين يشير باحثون آخرون إلى أن الواجهة المدنية للحجاز بعد ضمه حديثاً في تلك الحقبة، وطبيعة المهام الملقاة على الدولة في التواصل مع وفود العالم الإسلامي من النخب الثقافية والعلمية؛ يقتضي مخاطبتهم بمستوى ثقافي يحقق الأثر المنشود.
بينما في عهد الدولة السعودية الأولى، يرجح الباحث العساف أن الشعر "لم يصل إلى بلاط الأئمة بشكل كبير، تورعاً منهم"، لذلك كانت جلسات العلم وتبادل العلوم الشرعية وعلوم التاريخ، كما يقول "أكبر بكثير من تعاطي الشعر ولذا كان الأئمة يشاركون في حلق العلم ويدعمونها، ولذا كان ارتباط الشعر بالمغازي القبلية أكثر منه في الحضور مع أئمة الدولة".
عبقرية "سوق الليل"
في دراسة مستفيضة نشرتها "الدارة" بمناسبة حلول 100 عام على استعادة الرياض من جانب مؤسس الدولة الحديثة، تكشف جوانب لافتة من سيرة شاعر البلاط الوحيد في السعودية، موضحة أن ميلاده كان في حارة "سوق الليل" بمكة المكرمة عام 1902، واكب بزوغ شمس الحضارة المعاصرة في البلاد العربية، فكان نموه مواكباً لنموها. وتلقى رعاية خاصة كابن وحيد بين سبع بنات لوالده، مما أتاح له التفرغ لنهل العلم من حلقات الحرم المكي وتطوير أدواته اللغوية التي برزت مبكراً في صحيفة "صوت الحجاز"، التي لم يكن مجرد كاتب فيها، بل كان من روادها ومسؤولي تحريرها الأوائل.
هذه الخلفية الصحافية لربما كانت بين أهم العوامل التي صقلت قدرته على تطويع القصيدة لتكون في أثواب "بيان رسمي" لم يؤثر أكثر الأحيان في جزالتها وقوة معانيها، وهو ما لفت انتباه الملك عبد العزيز، بخاصة مع ما أثبته الغزاوي من "نصح وإخلاص ومنافحة عن العروبة والإسلام"، وفق نص المرسوم الملكي.
ومن بين العوامل كذلك أنه جمع إلى الشعر عضوية مجلس الشورى الأول والعمل الإذاعي والقضائي، مما جعل قصيدته تحمل هيبة "النص الرسمي" ورصانة "رجل الدولة"، إذ كان قبل ضم القيادة السعودية مكة من أرباب السلك القضائي وحملة القلم، فما كان لابن سعود الذي عرف باقتناصه المواهب من المشارق والمغارب أن يفوت ذخيرة الغزاوي الفكرية والأدبية في توحيد الأفكار والقلوب العربية والإسلامية، بعد توحيد الملك أطراف البلاد مترامية الأطراف، ووحد أئمتها في الحرم المكي، الذي جاءه موزعاً بين المذاهب لكل منهم إمام ومنبر.
وخصص الأكاديمي السعودي مسعد العطوي دراسة نشرتها مجلة "الدارة" عن الشاعر الغزاوي، رصد فيها تجربته السياسية والشعرية مع الملوك السعوديين من المؤسس حتى الملك خالد، الذي قال إن شعره ضعف في عهده بعد الكبر، في حين توفي في عهد الملك فهد عن نحو 80 سنة.
انقسم نتاج الغزاوي الشعري بعد نيله اللقب إلى مسارين رئيسيين بحسب ما تشير دراسة العطوي؛ هما "المناسبات" التي توثق لقاءات الملوك وتطورات الدولة، و"الحوليات" الغزيرة التي يلقيها في مواسم الحج وبمناسبات الجلوس على العرش.
في الحوليات، يتحول الغزاوي من شاعر مديح إلى "راصد حضاري"؛ فعندما يتحدث نثراً عما تضمنته قصائده عن الحج، يظهر وعيه العميق بتحول مكة من مدينة يحفها القلق الأمني قديماً إلى ملاذٍ آمن بفضل الإرادة السياسية الجديدة. يصف في شعره مشهد الوفود التي تأتي من كل فج عميق، وكيف استطاع الملك عبد العزيز أن يبسط رواق الأمن حتى بات الحاج يقطع القفار والوديان من دون خوف، مشيداً بيد البناء التي شقت الطرق ويسرت السبل.
قصيدة "القنبلة الذرية"
هذه الحوليات لم تكن استعراضاً لغوياً، بقدر ما هي سجلات تاريخية ترصد "الجلوس على العرش" كرمز لاستمرار الاستقرار وتجديد العهد، إذ كان "الجلوس" النواة الأولى لليوم الوطني الذي تطور عبر السنين، حتى صار الاحتفال به أخيراً أيقونة فرح سنوية متعددة المشارب.
ويؤكد العطوي في دراسته أن الغزاوي كان يحرص في هذه القصائد السنوية على استعراض منجزات العام، وكأنه يقدم جردة حساب ثقافية للمواطن والمراقب الأجنبي. وفي إحدى حولياته التي رصدتها "صوت الحجاز"، يتجلى الربط بين "المقدس" و"السياسي"، فيرى الغزاوي أن خدمة الحرمين هي المهمة الوجودية للدولة السعودية، وأن القصيدة هي "الوثيقة" التي تخلد هذا التفاني. وبذلك، لم يكن شعره احتفاء عابراً، بل "أرشيفاً منظوماً" لمراحل التطور الإنشائي والإداري في مكة والمشاعر المقدسة، مما جعل منه مرجعاً حتى للمؤرخين لاحقاً.
ويضيف "كثيراً ما يدعو في حولياته المسلمين إلى التوحيد والاتحاد، واليقظة من غفلتهم والابتعاد عن أهوائهم، ويصرخ بهم لينالوا المجد كما نالته الأمم، فقد غاصوا البحار وامتطوا جو السماء".
من أبرز المحطات التي كشفت عن وعي الغزاوي الكوني، تلك القصائد التي تناول فيها أحداث الحرب العالمية الثانية، وتحديداً لحظة إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما. يشير الغزاوي في شعره عن القنبلة النووية، صاغ موقفاً أخلاقياً متقدماً؛ ففي ثنايا شعره، يصور "الذرة" كطاقة جبارة كان يجب أن تسخر لعمارة الأرض لا لدمارها.
وذلك في سياق حوليته الكبرى التي بلغت 132 بيتاً، تحدث فيها عن "الإسلام ومجده وضحاه وإشراقه المتجدد على يد المسلمين"، مستطرداً حتى تناول "طاقة الذر والدواجي العظام"، واصفاً أعاجيب كرة يعبث بها الأطفال مثل بيض الدجاح أو عيون النعام، إلا أنها قدرت على "سحق أمة وذر ديار في طرفة عين" خلفت البلاد التي ألقيت عليها في بلاء "كالثكالى ينؤون بالآلام، ومصابين استحالوا تراباً ورمماً".
ولفت الناقد السعودي العطوي إلى أن الظاهرة التي تجسدت معالمها في حوليات غزاوي، كانت "حماسته للمشكلات السياسية والاجتماعية والدولية منها بعامة والعربية والإسلامية بخاصة، فأخذت ترجح كفتها على كفة المدح، بل أخذ يمدح من خلال السياسة وتصريف أمرها لمصلحة الوطن والشعوب الإسلامية".
على رغم هذا الجهد البارز، فإن الغزاوي لم يتوقف عند ذلك الحد، وفق الدراسات والتقارير المتداولة عنه، خصوصاً تلك التي أنجزتها "اثنينية مقصود خوجة" التي أخرجت أعماله الشعرية الكاملة؛ فقد برز في وظائف ومهمات أخرى في الدولة، رفيعة الشأن.
وأوضح خوجة أن إصدار "الأعمال الشعرية الكاملة" للغزاوي استغرق نحو ثلاث سنوات من الجمع والمراجعة والتحقيق حتى خرج في طبعة فاخرة تليق بمكانته الأدبية، وجُمعت أعماله في أربعة أجزاء للشعر وجزأين للنثر، شملت مختلف أغراضه الشعرية إلى جانب الخطب والمقالات وكتاباته في "الندوة". وقد شارك في إنجاز المشروع عدد من الباحثين والأكاديميين بدعم من جامعتي أم القرى والملك عبد العزيز، ليشكل العمل توثيقاً شاملاً لتجربة الغزاوي الشعرية والفكرية.
وتقلد سلسلة من المناصب زاوجت بين السياسة والقضاء والإعلام؛ وبدأ مسيرته في السلك القضائي رئيساً للمحكمة المستعجلة ورئيساً لكتاب المحكمة الشرعية الكبرى بمكة، لينتقل بعدها إلى العمل التشريعي والدبلوماسي كعضو في مجلس الشورى ثم نائباً لرئيس المجلس برتبة وزير مفوض، إضافة إلى مهامه كمفتش بوزارة الداخلية ومديراً عاماً للمطبوعات. وبجانب حضوره السياسي، كان الغزاوي رقماً صعباً في التأسيس الإعلامي والإنساني، إذ تولى رئاسة جمعية الإسعاف الطبي (الهلال الأحمر حالياً)، ورئاسة لجنة التفتيش الفني بوزارة الإعلام، مع كونه أحد أعمدة صحيفة "صوت الحجاز" والإذاعة السعودية.
موقف محرج انتهى بـ"التصفيق"
مع أن سيرته في البلاط لا بد أن تشهد مواقف طريفة وحرجة، إلا أن المتداول منها قليل. ومن ذلك ما يروى في مناسبة وداع الملك عبد العزيز قبيل سفره إلى مصر تلبيةً لدعوة الملك فاروق 1946؛ ففي حفلٍ كبير بالميناء غصّ بالدبلوماسيين والوفد المصري برئاسة الأديب عباس العقاد، ألقى شاعر البلاط أحمد الغزاوي قصيدته التي حبست أنفاس الحضور حين كرر شطراً ملغوماً بالهواجس، قائلاً: "وأخشى الذي نخشاهُ من مصرَ أنها...".
ولأنه توقف عند ذلك الشطر لحظات، تصاعد القلق وتوجّس الوفد من مآل المعنى، قبل أن يتمّ الغزاوي بيت القصيد ببراعةٍ قلبت التوتر إلى إعجاب قائلاً: "تنافسنا فيك الهوى فنضيعُ"؛ فتبدد الوجوم بابتسامة الملك المعهودة، ودوّى المكان بتصفيقٍ احتفى بهذا الذكاء العاطفي الذي حوّل الخوف من "السياسة" إلى منافسةٍ في "الحب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يسلم الغزاوي من النقد الذي رصده العطوي في دراسته؛ إذ رأى البعض أن صفة "شاعر البلاط" الرسمية والالتزام بالمناسبات قد أثقلا كاهل موهبته بـ "التكلف" والمحسنات البديعية الزائدة.
كذلك عيب عليه أحياناً الميل نحو "التقريرية"، إذ كانت القصيدة تبدو في بعض المقاطع كأنها سرد إخباري أو خطاب إداري منظوم، وهو ما قد يضعف الجانب العاطفي والخيال الشعري. إلا أن الغزاوي كان يدافع عن هذا النهج ضمناً في كتاباته بـ "صوت الحجاز"، معتبراً أن "رصانة المقام تقتضي رصانة المقال"، وأن مهمة شاعر الدولة تختلف عن مهمة الشاعر الذاتي؛ فهي مهمة "بنائية" تهدف لترسيخ الهيبة والوقار الوطني، كذلك أثبت الدارس العطوي له أن شعره لم يكن متصفاً بالجمود والراديكالية التي ينعته بها ناقدوه.
وألمح إلى أن بروز الروح الإسلامية والوطنية في شعره وانتصاره للقصيدة العمودية، بعيداً من الحداثية قد تكون بين دوافع نقده أحياناً.
موت اللقب
برحيل الغزاوي عام 1981 حيث نشأ وحلق في سماوات الابداع والمناصب والشعر، لم يرحل الشاعر فحسب، بل طُويت معه رتبة "شاعر البلاط" بصفة رسمية، ليبقى السؤال قائماً: لماذا لم يرث هذا اللقب أحد، على رغم ظهور قامات شعرية حملت الرسالة نفسها؟
قد يعود ذلك لأسباب عدة، مثل ما أحيط بهذا اللقب من الجدل عبر التاريخ، فهو يساق على وجه القدح في بعض حملته، على عكس آخرين صاروا به محل غبطة وحسد الأقران.
لكن في الحالة السعودية يشير الكاتب السعودي المخضرم حسين شبكشي لدى سؤاله عن سر ذلك التوقف، إلى أنه يعود لعوامل تاريخية وتحول بين الأجيال لا أكثر.
وقال "حالة الأستاذ أحمد الغزاوي ليست حالة فردية، بل هي مرتبطة بصورة عامة بتغير المفردات واللغة الرسمية من عهد إلى آخر؛ ففي عهد الملك عبد العزيز كانت هناك مفردات مستخدمة في الخطابات والألقاب، وفي سياق التعظيم وتفخيم الأفراد وأصحاب المناصب، وهو إرث كان معتمداً في المراسلات والمخاطبات في ذلك الزمن الماضي، لكنه لم يعد موجوداً الآن، ولم يتكرر في الفترات التي تلت تلك الحقبة".
وكانت المرحلة اللاحقة شهدت بناء المؤسسات في نطاقات عدة بدلاً من نشاط الأفراد الذي كان سائداً من قبل، خصوصاً في المجالات الإبداعية، ومن ذلك تحويل الصحافة من مجلات وجرائد أفراد إلى مؤسسات، على رغم ما أحيط بذلك من جدل في حينه. وإن كانت المتغيرات التقنية والتواصلية المتلاحقة بدأت تعيد صحافة الأفراد إلى الواجهة. ويعتبر الصحافي الأميركي تاكر كارلسون أبرز تجلياتها الراهنة.
مهما تكن الأسباب فإن اللقب انتقل من "الوثيقة المكتوبة" إلى "الاعتراف الوجداني"؛ فصار مثل غازي القصيبي شاعر الدولة بذكائه الدبلوماسي، وإبراهيم خفاجي كاتب النشيد الوطني للراية الخفاقة، وخلف بن هذال صوتها المجلجل في ذروة الأزمات، وبدر بن عبد المحسن مهندس هويتها الجمالية، وخالد الفيصل صائغ وجدانها الشعبي، كذلك ظهر في الجانب الإعلامي كتاب كبار ومؤثرون محترفون عصر السوشيال ميديا، ورثوا مقام الغزاوي وظيفياً حتى وإن لم يحصلوا عليه كلقب رسمي.