Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باكستان: "جسر الضرورة" في الدبلوماسية الأميركية

تحركات إسلام آباد تعكس ثقة واشنطن

ترمب استضاف قائد الجيش الباكستاني عاصم منير على مأدبة الغداء في البيت الأبيض إبان حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل (أ ب)

ملخص

تجد واشنطن اليوم أيضاً جنرالاً قوياً على سدة القرار في باكستان يمكنها الاعتماد عليه، وهذه الثقة الأميركية هي التي تنعكس في تحركات إسلام آباد الدبلوماسية النشطة، والتي قد تبدو غير مطابقة للثقل الباكستاني، لكنها ليست المرة الأولى التي تؤدي فيها باكستان دوراً أكبر من حجمها، بل ربما احترفت لعب هذا الدور، إلا أن أي دور كبير أو صغير تؤديه باكستان على الساحة العالمية لا يضمن حل أي من مشكلاتها الداخلية العويصة.

الإرباك هو الشعور الذي يكتنف المتابع وهو يقرأ ويشاهد التقارير الإخبارية التي تدعي الكشف عن خفايا خطط الحرب ومجريات المحادثات وفحوى مكالمات القادة، إذ يقول أحدها إن نهاية الحرب باتت وشيكة، وربما يصدر الأمر في آخر الأسبوع، بينما تنذر الأخرى بانتشار القوات البرية في المنطقة، ويدعي أحدها أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد حزم أمتعته للقاء الإيرانيين في دولة محايدة لتنفيها الأخرى بأن الإيرانيين ليسوا منفتحين على الحوار أصلاً، وبين هذا وذاك يقلب المتابع صفحات "الويب" ويحك رأسه متسائلاً: إلى أين ستؤول الأمور؟ هل ستنتهي الحرب أم أنها ستشمل المنطقة بأسرها؟ وربما تسبق التطورات نشر هذا المقال وتتضح إجابة بعض هذه الأسئلة، ولا أستبعد، نظراً إلى سرعة التقلبات، أن القارئ يشاهد صوراً عاجلة وحصرية لاتفاق وقف إطلاق النار وهو يقرأ هذه السطور.

وبعيداً من توقعات المستقبل والتكهن في مآل المحادثات، فإن تفصيلة مهمة عن المحادثات استوقفت وحيرت الجميع، وهي تصدر باكستان قائمة الدول المحتملة لاستضافة المحادثات وتأديتها دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران. هل يصدق أن الدولة التي تعاني فشل المؤسسات وانهيار الاقتصاد وتحديات العنف والإرهاب أن تتوسط في أشد الحروب ضراوة في الشرق الأوسط على مدى العقود السابقة وبين أشرس الأطراف عداوة؟ وما هي الأوراق التي تمتلكها إسلام آباد حتى تتمكن من إنجاز هذه المهمة الصعبة؟

 

حينما نسمع كلمة الوسيط في سياق الصراعات العالمية نتصور أن الدولة التي تقوم بدور الوساطة تمتلك نفوذاً على طرفي الصراع ولديها من القوة وأوراق الضغط ما يسمح لها بدفع الطرفين إلى التنازل أو إظهار المرونة حين يستلزم الأمر ذلك. باكستان بطبيعة الحال (وبصريح العبارة) لا تمتلك هذا النفوذ على إيران أو الولايات المتحدة، ما تمتلكه إسلام آباد هي العلاقات الجيدة مع إيران وإدارة الرئيس دونالد ترمب وكذلك دول الخليج المتأثرة بالحرب. ويمكن فهم الدور الذي ستقوم به باكستان بفهم الفرق بين الوسيط mediator والمسهل facilitator، فتقارب باكستان من الأطراف المتصارعة، سوى إسرائيل، وقربها الجغرافي من إيران، وتشابك مصالحها مع الدول الخليجية، وثقة الولايات المتحدة بقيادتها الحالية، إضافة إلى قوتها العسكرية الرادعة أي مغامرات إسرائيلية تجعلها في الوضع المثالي لتسيير عملية التفاوض وإيصال الرسائل واستضافة الحوار إذا لزم الأمر، أي أن باكستان، بعبارة أخرى، تؤدي دور المسهل لا الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران.

ولعل العامل الأهم في إبراز دور باكستان في الأزمة الحالية هو اعتماد الولايات المتحدة على قيادتها الحالية، فالرئيس ترمب استضاف قائد الجيش الباكستاني عاصم منير على مأدبة الغداء في البيت الأبيض إبان حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل، وقبيل الهجوم الأميركي على المفاعلات النووية الإيرانية، ليقول ترمب بعد اللقاء إن باكستان ربما تعرف إيران أفضل من الآخرين. وقد أشاد الرئيس الأميركي بعاصم منير في أكثر من مناسبة ووصفه بأنه المشير المفضل له، في إشارة إلى أن منير يتمتع بثقة كبيرة من الرئيس الأميركي وأنه يشاركه، في الأقل، بعض تصوراته وأهدافه الإقليمية.

يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها الولايات المتحدة على باكستان في قراءة المنطقة ورسم خطتها وإقامة علاقاتها مع الدول الأخرى، ومنير ليس الجنرال الباكستاني الأول الذي يقوم بمهمة التوازن بين إرضاء واشنطن من جهة وحماية المصالح الباكستانية من جهة أخرى فباكستان هي من سهلت أول لقاء بين وزراء خارجية الولايات المتحدة والصين عام 1971، وهي من سهلت وصول "المجاهدين" المدعومين من الولايات المتحدة لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان عام 1979، وهي من قدمت قواعدها العسكرية للولايات المتحدة في ما سمي "الغزو الأميركي" لأفغانستان عام 2001.

كيسنجر في رحلة سرية على متن الخطوط الجوية الباكستانية

بعد عقود من القطيعة والعداء غير المباشر بين الولايات المتحدة والصين في حروب كوريا وفيتنام، توجس الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في أواخر الستينيات من القرن الماضي وجود فرصة لاحتواء الصين وإبعادها عن معسكر الاتحاد السوفياتي، بخاصة مع تخفيف حدة حرب فيتنام وتوتر العلاقات بين الصين والاتحاد السوفياتي، وبدأ مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر بإجراء الاتصالات مع الدول الصديقة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الصين، وتوسطت بولندا وفرنسا وغيرهما من الدول بين الجانبين، إلا أن الانفراجة الحقيقية في المحادثات تحققت بواسطة باكستان.

وقد زار نيكسون باكستان في أغسطس (آب) عام 1969، حيث طلب من الرئيس الباكستاني الجنرال يحيى خان أن يفتح قناة اتصال سرية مع الصين وعبر عن إرادته بتطبيع العلاقات مع بكين، ونظراً إلى حساسية الموضوع فإن هذه الاتصالات لم يطلع عليها من الجانب الأميركي سوى الرئيس ومستشاره للأمن القومي، وأدى السفير الباكستاني لدى الولايات المتحدة آغا هلالي دوراً مهماً في المحادثات. ونجح الرئيس الباكستاني فعلاً من إبلاغ الصين بالمبادرة الأميركية والحصول على رد إيجابي من بكين أيضاً.

وبحسب الوثائق التي رفعت عنها السرية من أرشيف الأمن القومي الأميركي فإن كيسنجر قام بزيارة سرية إلى بكين من باكستان، حيث وصل إلى هناك في الثامن من يوليو (تموز) عام 1971، وبعد يومين من إقامته في إسلام آباد توجه إلى منطقة ناتهياغالي الجبلية ليقضي وقتاً شخصياً هناك بسبب تعرضه لوعكة صحية بحسب ما أبلغت وسائل الإعلام آنذاك، إلا أنه تبين لاحقا أنه ترك موكبه الرسمي هناك وتوجه في طائرة الخطوط الجوية الباكستانية إلى بكين لإجراء أول لقاء على المستوى الوزاري مع جمهورية الصين الشعبية.

أرست هذه اللقاءات أسس العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين ومهدت الطريق للزيارة التاريخية للرئيس نيكسون إلى بكين في فبراير (شباط) عام 1972، حيث التقى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشوان لاي، وقضى أسبوعاً هناك تغيرت خلاله موازين القوى في الحرب الباردة وفتحت الطريق أمام انضمام الصين للاقتصاد العالمي.

دعم المقاتلين في أفغانستان

بعد عقد من زيارة كيسنجر إلى بكين عبر الأجواء الباكستانية، قدمت الولايات المتحدة مرة أخرى إلى المنطقة بأهداف مختلفة، ووجدت هذه المرة أيضاً جنرالاً باكستانياً على سدة الحكم يسهل لها تعزيز مصالحها في المنطقة.

لبس الجنرال ضياء الحق حلة إسلامية وألبسها معه مؤسسات باكستان وشوارعها ومدارسها إلا أن هذه الحلة كانت مستوردة من واشنطن التي قررت توظيف الإسلاميين لكسر شوكة الشيوعيين، ولم يقتصر هذا التوجه في باكستان على التأجيج الأيديولوجي للإسلاميين، بل تفردت باكستان بتقديم أراضيها لتكون مركز انطلاق العمليات العسكرية لـ"المجاهدين" ضد "الاحتلال" السوفياتي على أفغانستان.

والتقت مصالح إسلام آباد بواشنطن في منع تقدم الاتحاد السوفياتي، الخصم الأكبر للولايات المتحدة، وكانت باكستان تخشى أنه إذا نجح الاتحاد السوفياتي في إثبات قدمه في أفغانستان فسيتقدم إلى المناطق الساحلية الباكستانية، ونشطت أجهزة الاستخبارات الباكستانية في تدريب المقاتلين والتنسيق الميداني معهم من جهة، ومع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من جهة أخرى، لاستهداف المصالح والمنشآت السوفياتية في أفغانستان. ومن يذكر هنا أن باكستان وظفت تقاربها مع الولايات المتحدة آنذاك في تطوير برنامجها النووي من دون أن تتعرض للعقوبات من حليفها في أفغانستان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القضاء على حلفاء الأمس

تغيرت أولويات واشنطن مع بداية القرن الجديد وتفكيك الاتحاد السوفياتي، ووجدت الولايات المتحدة في الإرهاب الإسلامي عدواً عالمياً جديداً تسخر طاقاتها في محاربته وتعبر الحدود للقضاء عليه.

ومن المثير للاهتمام أن واشنطن توجهت مرة أخرى إلى أفغانستان لتقاتل من أسهمت في صناعتهم بالأمس لمحاربة الاتحاد السوفياتي، وكان أول من اتصل به البيت الأبيض لإنجاز هذه المهمة أيضاً هي إسلام آباد. تبدلت المصالح وتغيرت الأهداف ومضى عقدان آخران، لكن بقي الثابت الوحيد أن واشنطن وجدت حاكماً عسكرياً في باكستان يوافقها الرؤية الإقليمية.

تم استيراد حلة جديدة من واشنطن من قبل الجنرال برويز مشرف الذي رفع شعار "باكستان أولاً" وروج للتنوير والحداثية في خطاباته، وصوب أصحاب القرار سهامهم نحو تلك المظاهر والسياسات التي رسمها سلفهم ضياء الحق، وفتحت باكستان أبوابها وقواعدها ومراكز تدريبها للقوات الأميركية وقوات التحالف لضرب حكومة "طالبان" الأولى في أفغانستان.

وعلى رغم وقوف إسلام آباد إلى جانب واشنطن في حربها على الإرهاب والقضاء على "طالبان" في أفغانستان، فإن أجهزة الدولة العميقة المتمثلة في الاستخبارات الباكستانية أبقت قنواتها مفتوحة مع قادة "طالبان"، بل قدمت لهم الملاجئ والتسهيلات اللازمة للنجاة من الضربات الأميركية.

أخيراً، تجد واشنطن اليوم أيضاً جنرالاً قوياً على سدة القرار في باكستان يمكنها الاعتماد عليه، وهذه الثقة الأميركية هي التي تنعكس في تحركات إسلام آباد الدبلوماسية النشطة، والتي قد تبدو غير مطابقة للثقل الباكستاني، لكنها ليست المرة الأولى التي تؤدي فيها باكستان دوراً أكبر من حجمها، بل ربما احترفت أداء هذا الدور، إلا أن أي دور كبير أو صغير تؤديه باكستان على الساحة العالمية لا يضمن حل أي من مشكلاتها الداخلية العويصة.

المزيد من تحلیل