Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفنان الكازاخي موسابير يحفر تشكيلياً في حياة الفارابي

سرد بصري ومشهدي لسيرة الفيلسوف والمدن التي عاش فيها

لوحة من معرض سيرة الفارابي للرسام الكاراخي موسابير (خدمة منظمة إيسيسكو) 

ملخص

تأتي قيمة معرض "طفولة الفارابي وحياته" للفنان الكازاخي زانوزاك موسابير (1961) الذي تنظمه حالياً منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) في كونه يمنح العلاقة بين السيرة الفكرية والعمل الفني بعضاً من الشرعية العلمية والاعتبار الرمزي.

يعمل الفنان زانوزاك موسابير، في لوحاته التشكيلية التي أهداها إلى "الإيسيسكو"، على تطويع ذائقته الجمالية وجعلها تتماهى بصرياً مع سيرة أبي نصر الفارابي وطفولته. وحرص الفنان في لوحاته على استعادة حياة الفيلسوف وطفولته، مما يعني أن العنصر الأوتوبيوغرافي يظل بمثابة علامة بصرية تتحكم في إيقاع اللوحات المعروضة.

والحقيقة أن الرهان على السيرة الذاتية كآلية للتخييل انعكس سلباً على بناء العمل الفني، بحيث تبدو اللوحات عبارة عن "سرد بصري" تدفع الفنان إلى وضع حياة صاحب "كتاب الموسيقى الكبير" داخل وحدة بصرية مركبة. إن تركيب اللوحة وفق طريقة سردية جعل الفنان زانوزاك موسابير أسيراً لمفهوم حكاية عطلت معها النسق البصري الذي يعد جوهر العمل التشكيلي. تظهر اللوحة مملوءة بالألوان والتفاصيل والأمكنة والعناصر التي كان من الممكن الاستغناء عنها في تضاريس اللوحة، فالسرد يعطل عنصر التأمل ويلغي معه تلقائياً مفهوم التأويل الذي يعطي العمل التشكيلي شرعيته الفكرية ودلالاته الرمزية في ذهنية المشاهد.

وبالعودة إلى العمل التشكيلي الذي صور فيه موسابير وصول أبي نصر الفارابي إلى دمشق، نجده محملاً بكثير من الرموز المحلية والإمكانات البصرية التي تسهل على المشاهد معرفة البيئة السورية وعوالمها، لكن هذه اللوحة، لا يمكن النظر إليها في شكل منفرد لكونها تدخل ضمن وحدة بصرية تخلق في ذهن المتلقي سلسلة من المتواليات البصرية التي يتحكم فيها عنصر السيرة.

هكذا يصعب النظر إلى تجربة الكازاخي زانوزاك موسابير في معرضه الجديد، على أنها عبارة عن أعمال فنية تعبر عن ذاتها، لأنها تبقى محكومة بإطار كرونولوجي ومنهجي مرتبط بسياق معين، كذلك فإن هذه اللوحات لا تحرر العين ولا تعطي للمتلقي إمكان التأمل وخلق سجال صامت مع اللوحة، فهي تعطل تفكيره وتعلمه نوعاً من "الكسل" البصري الذي يصبح معه التفكير خاضعاً للتنميط البصري.

السيرة الذاتية تشكيلياً

نادراً ما يعثر المرء في زحمة المعارض التشكيلية والمسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية في العالم العربي، على سير المفكرين والفلاسفة وقد استقرت في متخيل الصورة الفنية. فهذا التقليد الثقافي لا يزال غائباً ومغيباً في الفنون البصرية العربية المعاصرة، مع أن المتابع للأعمال الفنية الغربية يعثر على نوع من التقاطع والتلاقي، بين الأعمال الفكرية والأدبية ونظيرتها الفنية، وقد عملت كوكبة من التشكيليين والمخرجين على تحويل بعض المنجزات الفكرية والسير الحياتية إلى أعمال فنية بصرية قابلة للتفكير والتأمل والتخييل.

ولعل المتأمل في الساحة الفنية العربية يعثر على جملة تجارب أدبية وسياسية وفكرية وجدت لنفسها مساراً جمالياً مختلفاً داخل الفن السابع أو التلفزيون. في حين أن التجارب التشكيلية لم تعرف هذا النمط من التحاور الثقافي الذي يغني اللوحة المرجعية ويجعلها تنفتح على مناطق يباب لا تفكير فيها داخل تجربة فكرية معينة.

من هنا، تبرز قيمة مختلف صور العبور بين الكتابة والصورة، كأن تتيح هذه الأخيرة انتشاراً كبيراً للمفكر أبي نصر الفارابي وقيمته الفلسفية، وتجعل أعماله تبحث عن قراء جدد، بعيداً من نمطية الكتابة وعدم قدرتها على اختراق سياج الواقع المتحول الذي نعيش فيه اليوم، بالمقارنة مع براديغم الصورة وتحولاتها اللامتناهية.

إن الوعي بالصورة الفنية التشكيلية كسند معاصر مؤثر وأكثر فاعلية ما زال ضعيفاً في العالم العربي وله أسباب تاريخية عميقة، بعضها يعود إلى العصر الوسيط، من خلال العداء التاريخي لمفهوم الصورة (والتجسيد عموماً)، وبعضها الآخر يجد امتداده في بنية الثقافة العربية التقليدية ورهانها الأبدي على الكتابة والشفاهة.

وتجعل عزلة الفنان التشكيلي داخل محترفه وعدم قدرته على خلق صداقات ثقافية مع مشاريع فكرية، عملية التحاور الفني غير ممكنة، بل يغدو في ثقافتنا المغربية ضرباً من المستحيل، فغالب الفنانين من الأجيال الجديدة لا يعرفون الشعراء وكتاب القصة والرواية وأهل الفكر، إذ يعتقدون أن الالتحام اليومي بفضاء اللوحة المرجعية، هو ما سيقودهم داخل محترفاتهم إلى ابتكار مشاريع جمالية وأشكال فنية مغايرة.

متواليات بصرية

تصور اللوحات التي أنجزت بين 2016 و2020 حياة أبي نصر الفارابي في مسقط رأسه فاراب، وسعت الأعمال إلى تصوير الفارابي كشاب متعطش للمعرفة ومحب للعلم، في حين تصور اللوحات الأخرى رحلته طالباً للعلم عبر مجموعة من المدن الكبيرة مثل طشقند وسمرقند وبخارى ومرو ومشهد والري، وصولاً إلى اللوحة الأخيرة الكبيرة التي تصور دخوله إلى دمشق عبر بغداد. يقول الفنان: "صورت الفارابي في هذا العمل الفني وهو يلتقي بكبار علماء دمشق، بينما يحلق فوقه صقر هو بمثابة رفيقه الروحي، واختتمت السلسلة من اللوحات باستقبال أهل دمشق له عند البوابة الشرقية للمدينة".

يركز المعرض بشكل مضمر على الأسس الفكرية والإنسانية والروحية التي طبعت حياة أبي نصر الفارابي، وجعلته من الفلاسفة المسلمين، ممن يتوفرون على مشروع فلسفي أصيل، يمتح أصوله الفكرية من الفكر الأرسطي، بما جعله يعد عربياً بمثابة "المعلم الثاني" بعده.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن المعرض لا يركز إطلاقاً على مساره الفلسفي ومفاهيمه والقضايا التي شغلته في علاقتها بالسياسة والدين والموسيقى والعلم، بقدر ما شغل الفنان نفسه فقط بالأمكنة والفضاءات التي انتقل إليها الفارابي ونمط الحياة الاجتماعية التي وجد نفسه فيها منذ مغادرة مسقط رأسه.

يأتي مفهوم السيرة في معرض "حياة وطفولة الفارابي" (2026) ليقدم لنا أفقاً فكرياً مغايراً لتجربة الفارابي، فالمعرض لا يهتم بتوثيق ميكانيكي ليوميات الفيلسوف، وإنما يقتنص من مساره الفكري لحظات مهمة، كثيراً ما ركزت عليها كتابات المؤرخين العرب، فحاول من خلالها موسابير تأسيس لغة بصرية مصاحبة للخطاب التاريخي حول الفيلسوف الإسلامي أبي نصر الفارابي.

يبدو الفنان انطلاقاً من تقنية التشذيري البصري للسيرة مسكوناً بعوالم الفارابي، حتى لتغدو اللوحة أشبه بأنشودة مرئية تعلي من قيمة الفيلسوف ومركزيته في تاريخ الفلسفة الإسلامية، لكن اللوحات الأخرى تأتي أكثر صخباً من ناحية الألوان، بل تظهر في بعض الأحيان أشبه بإيقاعات موسيقية إيرانية راقصة، تتواشج فيها الخطوط مع وضعيات أجساد الحيوانات (الجمل) والبشر على حد سواء.

سرد مشهدي

في المعرض يجرب الرسام الأسلوب التصويري بين الشكل واللاشكل، فيصبح الرهان متحكماً في القبض على معمارية الفضاء ودفء الأمكنة، بغية معانقة اللحظة الفكرية الفارابية بين بغداد ودمشق. هكذا تأتي الأعمال كأنها تعانق بقوة الحركة التي تترجم نفسها كمشاعر ذاتية للفنان، فيحاول إسقاطها على تضاريس اللوحة التشكيلية وفق أشكال هندسة تمتح أفقها البصري من الخطوط وتقاطعاتها التي تخلق نوعاً من الأثر الجمالي في عين المتلقي.

بيد أن الأثر الجمالي الذي يبلوره الفنان له علاقة خاصة بالتصوير الاجتماعي للحياة الإسلامية التي عاش فيها الفارابي، فهذا التوظيف التشكيلي لـ"الأثر" يأتي وفق دلالات رمزية وهويات بصرية لها صلة بطفولة وحياة الفارابي.

من ناحية الجماليات التقنية يبدو الفنان عارفاً بميكانيزمات التمثيل البصري والاشتغال اليدوي المكثف على التفاصيل، وتبدو المواد والألوان وكأنها مبنية فوق ألوان ومواد أخرى، بما يعطي العين بهجتها في اختلاطها الكامل مع الخطوط والأشكال. مع العلم أن هذا التناظر البصري لا يخلق في الحقيقة أي نشاز بالنسبة إلى العين، لأن السطح الأول المكون من عناصر المادة يظل بارزاً ويمتزج بعناصر تخييلية أخرى، تزيد اللوحة عمقاً وأصالة في ارتباطها العضوي الحميمي بخاصية السرد البصري.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة