Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سير شعبية عربية تواجه التعالي الفارسي في "فيروز شاه"

من "حمزة البهلوان" و"عنترة بن شداد" إلى "علي الزيبق"

العرب والسير الشعبية العريقة (موقع السيرة الشعبية)

ملخص

تعتبر سيرة "فيروز شاه"، المعادل العربي لـ"الشاهنامة" الفارسية، من أوائل السير العربية التي أدرجت ضمن إطار الصراع بين العرب والفرس، وقد تكون هي الباعث بالأساس إلى نشأة فن السير الشعبية العربية.

ظهرت "فيروز شاه" إبان الصراع الشعبوي بين العرب والموالي في العصر العباسي، وهي تتغنى بالعرق الفارسي وتعلي من قيمته على حساب العرب، ولهذا السبب يرفض الناقد محمد رجب النجار وصفها بأنها سيرة عربية، في دراسة مقارنة لها مع "الشاهنامة"، لأنها تسعى منذ بدايتها إلى الاستعلاء على العرق العربي وازدرائه والتهوين من شأنه ومن شأن تاريخه، وتعمد كذلك إلى إسقاط الرموز والقيم والمثل والبطولات والمفاخر العربية تماماً على نحو شعوبي صارخ منذ أولى صفحاتها وحتى نهايتها، مما يبدو معه تصنيف السيرة عربياً عند التمحيص العلمي أمراً غريباً وشاذاً، فهي خاذلة للعرب والتاريخ العربي وفاجعة للأماني والأحلام العربية.

وجاء الرد العربي سريعاً على هذه السيرة عبر سيرة "حمزة البهلوان"، أو "حمزة العرب" التي سعت إلى قلب المعادلة، بإعلاء شأن العنصر العربي في مواجهة التفوق الفارسي الذي روجت له "فيروز شاه". ويكشف هذا التبادل السردي أن الصراع العربي – الفارسي لم يتوقف عند الجانب العسكري وانهيار دولة الفرس بعد معركة القادسية، إنما امتد إلى المجال الثقافي وعلى الأخص الثقافة الشعبية فكانت السير الشعبية ملعباً خصباً لتجسيد هذا الصراع الشعوبي.

الضربة الأولى

كانت سيرة "فيروز شاه" الضربة الأولى، إذ قدمت الملك الفارسي في صورة المنتصر المتعالي، الذي يحط من شأن العرب، ويحرص – مع ذلك - على الزواج من الأميرة العربية اليمنية "عين الحياة". ومع رفض الملك العربي تزويجه إياها، تتفجر سلسلة من الحروب التي تنتهي بانتصار الفرس، في تأكيد لتفوقهم، وإلحاق هزيمة معنوية وقومية بالعرب. فجاءت "حمزة البهلوان" رداً سردياً مضاداً، يعيد الاعتبار للبطولة العربية، ويستعيد التوازن المختل في المخيال الشعبي، لينتقل الصراع من الساحة العسكرية التي حسمت منذ قرون إلى الساحة الثقافية التخيلية التي تسمح بتغافل الحقائق التاريخية وتحقيق الأحلام التي تجاوزها الواقع.

وتتطابق البنية الدرامية في كثير من الأحيان بين هاتين السيرتين، إذ تشترك كلتاهما، على سبيل المثال، في حضور تيمة الحلم بوصفها محركاً أولياً للأحداث. ففي "فيروز شاه" تنطلق الحكاية من رؤيا حلمية تؤسس لباعث العشق والمغامرة، حين يرى البطل في منامه الأميرة "عين الحياة" التي ستغدو محور رحلته وصراعاته للسيطرة على بلاد العرب. وتسرد تلك السيرة أن فيروز شاه رأى نفسه "في روض كثير الأشجار، تحفه الأنهار، وبينما هو يتنقل فيه، مرت به صبية ممشوقة القوام، صبوحة الوجه... فنظرت إليه نظر المودع، ومضت، فهام بها قلبه، واستيقظ على أثرها وقد استبد به حبها". يدفع هذا الحلم البطل إلى الفعل، وإلى تحرك مسار السرد كله لإثبات تقدم الفرس وتخلف العرب عن ركب الحضارة. ومن اللافت أن هذه التقنية، أي جعل الحلم باعثاً للحب والرحلة، تتكرر في "حمزة البهلوان"، بما يكشف عن وحدة في البناء التخييلي.

تبدأ "حمزة البهلوان" بأن يرى ملك الفرس نفسه، "جالساً في إيوانه على سريره منفرداً، وقد اشتد به الجوع، فقدمت إليه مائدة من ذهب عليها صحن من عاج، وفيه إوزة مشوية تفوح منها رائحة شهية. وبينما همَّ بتناولها، هجم عليه كلب هائل فانتزعها منه، ثم أقبل أسد عظيم فغلب الكلب واستعاد الإوزة وأعادها إليه". ويفسر هذا الحلم على أنه نبوءة بولادة غلام في بلاد العرب سيكون سبباً في استرداد الملك الضائع وإنقاذه، أي أن المخيال الشعبي هنا يستخدم الحلم كآلية استشراف تمهد لانتصار مرتقب.

وإذا كان "فيروز شاه" يسعى إلى الزواج من الأميرة العربية "عين الحياة" كشكل من أشكال السيادة والتفوق، فإن "حمزة البهلوان" يعكس المعادلة ذاتها، يقع في غرام "مهردكار" ابنة كسرى، ويتزوجها، في استعادة للهيمنة، ولكن هذه المرة لمصلحة العرب. ما يوضح بنية المقابلة بين السيرتين، فكل ما منحته "فيروز شاه" للفرس من رفعة ومجد، تسلبه "حمزة البهلوان" منهم وتمنحه للعرب، فالتفوق الفارسي هناك، يقابله تفوق عربي هنا، والزواج كأداة للهيمنة الرمزية ينتقل من يد إلى أخرى.

ويحضر الصراع مع الفرس كذلك في سيرة عنترة بن شداد كأحد المكونات الرئيسة لهذه السيرة الكبرى، فأحد أهداف عنترة الرئيسة كما ترسمه تلك السيرة هو إقامة دولة للعرب، في مواجهة دولة الفرس. وترصد سيرة عنترة حال الاحتقار والحقد التي يكنها الفرس للعرب، وما يصاحبها من تسلط وعنف يصل أحياناً إلى القتل لأتفه الأسباب. فيقول الراوي: "وكان هذا وردشان يبغض العرب بغضاً لا مثيل له، وكل من جاء قدامه في الطريق قتله". وتصور السيرة استعداد الفرس لتجهيز الجيوش لقتال القبائل العربية، والتمثيل بساداتهم، مما يعكس خطرهم على الهوية العربية الاجتماعية والدينية.

شد وجذب

ومع ذلك تتفاوت العلاقة بين الفرس والعرب في سيرة عنترة تبعاً للحبكة الدرامية، إذ تتكرر فيها الصراعات بين الطرفين لأسباب مختلفة، فأحياناً يدخل العرب في صراع عسكري معهم ينتهي بعقد اتفاقات تعاون مشترك، بل ويشارك العرب في هزيمة أعداء الفرس، ويكون للفيلق العربي الدور الحاسم في تحقيق النصر، حتى تهتف نساء الفرس: "يعيش الأمير عنترة بن شداد الذي رفع العار عن هذه البلاد"، ويخلع عليه من الخلع الكسروية تقديراً لدوره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مواضع أخرى، يأتي الفرس ليلتمسوا الحماية عند العرب من أعدائهم، فينصرهم العرب فعلاً، لكن الفرس لا يكفون عن معاودة التحرش بهم. وتستمر هذه العلاقة المتقلبة بين صراع وتحالف، حتى تنتهي في النهاية إلى المعركة الكبرى بين الطرفين، التي تؤول إلى انتصار ساحق للعرب.

ويظهر الفرس أيضاً في سيرة "علي الزيبق" التي تجعل من الفرس البطل الضد، متجسداً في "دليلة" التي تطلب من "علي الزيبق"، "تاج كسرى" و"قفطان عزرا"، مهراً لابنتها "زينب". وهو شكل من أشكال التعجيز في طلب المهر معروف في السير الشعبية أشهرها مهر عنتر لعبلة وكان من النوق الحمر. وهنا يرسل "كسرى" عيونه إلى بغداد ليقتلوا "علي الزيبق"، ويمهدوا لاحتلال عاصمة الخلافة. تظهر "دليلة" وهي تحرض "كسرى" على الهجوم على بغداد للسيطرة على بلاد العرب، قائلة: "اجمع عسكرك حتى أملك بلاد العرب"، فيطاوعها ويشرع في جمع الجيوش، ويجلس ابنه مكانه ويتوجه لطلب بلاد العرب. وكاد الفرس يهزمون العرب، بعدما انتصروا عليهم في جولات استمرت أكثر من 20 يوماً، إلى أن جاء "علي الزيبق" ومعه عمه "أحمد الدنف"، فأنقذا بغداد من أيدي الفرس، "فتحوا أبواب بغداد، وهجموا على المغيرين من أربع جهات، وأقاموا التكبير، واشتد ضرب السيف إلى طلوع النهار، فانكسر الأعاجم وانهزموا".

وتنتهي الحرب بأن يلقي "كسرى" نفسه تحت قدمي الخليفة هارون الرشيد طالباً العفو، قائلاً: "العفو يا قان العرب، أريد منك ملكي وخذ العهد مني ألا أركب على بلادك"، فيجيبه الرشيد: "لا بأس، ولكنك بخروجك خربت بلادي". فيرد كسرى متعهداً بإصلاح ما خرب، وإطلاق الأسرى، وألا يبرح مكانه حتى تقتل "دليلة"، لأنها كانت سبب الفتن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة