Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفن الاجتماعي عند 3 كتاب... إبسن: واقعية الشمال (1ـ3)

هذا الكاتب النرويجي هو الذي وضع بكتابته المسرحية القواعد التي سيقوم عليها فن المسرح في القرن الـ20

هنريك إبسن (1828 – 1906) مؤسس المسرح الحديث (اندبندنت عربية)

ملخص

بالتأمل في أعمال الكاتب النرويجي هنريك إبسن الذي توفي في مايو (أيار) 1906، أي عند مطلع القرن الماضي، بعدما كان قد كتب القسم الأكبر من أعماله المسرحية خلال الربع الأخير من القرن السابق عليه، نرى أنه هو الذي وضع، بمسرحياته وبفن الكتابة المسرحية الذي أسسه، القواعد التي سيقوم عليها فن المسرح في القرن الـ20

لعل حال المسرح الغربي كانت من أغرب الأحوال خلال العقود الفاصلة بين القرنين الـ19 والـ20، تلك العقود التي غالباً ما وصفت بـ"الزمن المجنون" وأحياناً بـ"العصر الذهبي للحداثة" التي ستعم في القرن الـ20. ومصدر الغرابة أنه فيما اتجهت شتى الفنون والأفكار ناحية تيارات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها تفتقر إلى العقلانية جاعلة من الغرابات والجنون قواعد للعبة موفرة لحركة التحليل النفسي (الفرويدي بالتأكيد) ممرات واضحة لربط الإبداع بجوانيات المبدعين.

المهم أن المسرح وعكس ما حدث بالنسبة إلى الفنون التشكيلية والموسيقى والأوبرا وحتى للسينما الوليدة والمنفلتة من عقالها في اتجاه السحر والخرافة (جورج ميلياس مثلاً) من ناحية، وفي اتجاه التاريخ والسياسة من جهة أخرى ("كابيريا" أو غريفيث أو إيزنشتين...).

المسرح إذاً سار في اتجاه عقلانية يمكن اليوم وصفها بالواقعية الاجتماعية وذلك على رغم الجنون الذي كان مستشرياً في كل مكان، ووصل في المسرح بالتحديد، إلى ذروته مع الفرنسي ألفريد جاري في مسرحيته التي افتتحت كل ضروب مسارح العبث التي ملأت القرن الـ20، "أوبو ملكاً" ولقد تمثلت تلك الواقعية الاجتماعية الجديدة أو المتجددة في الأقل، بثلاثة كتاب مسرحيين أتوا من حيث لم يكن أحد يتوقع: هنريك إبسن من الشمال الأوروبي، النرويج، وأنطون تشيخوف من موسكو و"مسرح الفن"، ويوجين أونيل من عمق أعماق العالم الجديد أي من نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، بساحلها الشرقي الذي كان كثر يعتبرونه امتداداً معاصراً لأوروبا وعراقتها على أية حال.

الحياة ولو متأخرة

طبعاً لم يكن هؤلاء الثلاثة الآتون من الأمكنة البعيدة، وحدهم، ولم يكونوا نبتاً برياً يطلع في صحراء قاحلة لكن أعمالهم بدت متجانسة لتنقل الحياة من قلب الحياة إلى خشبة المسرح، على عكس ما كان يبدو أن الفنون الأخرى تتطلع إلى فعله. ومن هنا اخترناهم في هذا السياق لنستعيد حديثهم تباعاً بادئين بأولهم، زمنياً – حتى وإن كان ثمة تزامن ما، بينه وبين تاليه الروسي أنطون تشيخوف – مارين بهذا الأخير واصلين في نهاية هذه الثلاثية إلى أحدثهم زمنياً، الذي افتتح، ودائماً ليس وحده، واقعيات المسرح الأميركي خلال النصف الأول من القرن الـ20 الذي شهد توزع تأثيرهم المتكامل في الحركات المسرحية الأكثر قوة وفاعلية في العالم الحديث.

ونتحدث هنا بالطبع عن يوجين أونيل الذي سيكون بالنسبة إلينا خاتمة الثلاثية. وقبل التوجه للحديث عن هنريك إبسن الذي أقر له الاثنان الأولان، كما العشرات من كتاب العالم، ثم سينمائيوه بتأثيره الكبير فيهم، قد يكون علينا أول الأمر الإشارة إلى العنصر الأساس الذي يجمعهم في بوتقة مسرحية واحدة تؤسس لحداثتهم المبهرة على رغم انطلاقهم على عكس التيارات التي كانت تقود عالم المسرح في زمنهم.

ولعل العنصر الأساس هو أن أياً منهم لم ينطلق واقعياً بل اكتشف الواقعية لاحقاً خلال مساره فجعل منها قاعدة من قواعد لعبته أول الأمر، لتغمره تماماً بعد ذلك غامرة في طريقها متابعيه مسرحيين أو سينمائيين أو مجرد جمهور متلق يرتاد المسرح لأسبابه الخاصة المتنوعة.

الأب المؤسس؟

مهما يكن من أمر هنا، لو سألنا أي شخص يعنى بشؤون المسرح، أي واحداً من أولئك المتلقين الذين نشير إليهم، عمن هو الكاتب الذي يدعى باعتباره المؤسس الحقيقي للمسرح الاجتماعي في القرن الـ20، لجاء الجواب من دون أدنى تردد: هنريك إبسن، فبالتأمل في هذا الكاتب النرويجي الذي توفي في مايو (أيار) 1906، أي عند مطلع القرن الماضي، بعدما كان قد كتب القسم الأكبر من أعماله المسرحية خلال الربع الأخير من القرن السابق عليه، نرى أنه هو الذي وضع، بمسرحياته وبفن الكتابة المسرحية الذي أسسه، القواعد التي سيقوم عليها فن المسرح في القرن الـ20، بحيث إن جزءاً كبيراً من عمل كتاب مثل برنارد شو، وسترندبرغ، وآرثر ميلر، ويونيسكو، وصولاً إلى جيل المسرح البريطاني، وفي مقدمته جون أوزبورن، يعد استمراراً بشكل أو بآخر لمسرح إبسن، ناهيك بأن كاتباً كبيراً طغت كتاباته المسرحية على القرن الـ20 كله، هو برتولد بريخت، لم يكن ليتردد في أن يقول طواعية إنه يعتبر إبسن معلمه الأكبر.

هذا إلى جانب الواقع الذي قد يفيدنا بأن جزءاً كبيراً من السينما الواقعية الأميركية التي سادت وازدهرت أواسط القرن الـ20 لا تتردد في اعتبارها وريثة لمسرح إبسن كما لمسرح تشيخوف كما سنرى لاحقاً، إضافة إلى الرابط الكبير الذي سيقوم بين تلك السينما ويوجين أونيل، وفي الأقل من خلال كون تشارلي شابلن صهراً لأونيل في زيجته الأخيرة، ووالد أحفاد هذا الأخير الثمانية.

منظور فني ثري

ولد إبسن في كريستيانا (أوسلو) في النرويج عام 1828، لأب تاجر ثري، وقد أغرم منذ بدايات صباه بكتابة الشعر وقراءة الأدب، أما عمله الحقيقي في المسرح فلم يبدأ إلا عام 1851 كمدير للمسرح وكاتب، لكنه ما إن بدأ بالعمل حتى ساقته الظروف إلى الخارج، فابتعد عن النرويج ما يقارب 23 عاماً، أمضاها متنقلاً بين شتى المدن الأوروبية، ولا سيما في روما، مما مكنه من الاطلاع من كثب على ما تطور إليه فن الكتابة للمسرح، وجعل منظوره الفني أكثر ثراء، وهو لم يعد بشكل نهائي إلى النرويج إلا عام 1891، وكان قد أصبح كاتباً ومسرحياً شهيراً، وبدأت مسرحياته تترجم وتقدم في كثير من البلدان.

ولقد بلغ عدد المسرحيات التي كتبها إبسن 26 مسرحية، بدأت عام 1849 بمسرحية "كاتلين"، وانتهت عام 1899 بمسرحية "حين نبعث نحن الموتى". وبين هاتين المحطتين كانت بعض أشهر أعماله التي أثرت في أجيال بأكملها من المسرحيين والفنانين من بعده، من بينها "براند" (1865)، التي حملت تلك السمة الفلسفية التأملية التي طبعت أعمال إبسن الأولى، و"بير جنت" (1867) التي تعد من أشهر أعماله على الإطلاق، ثم "أعمدة المجتمع" (1877)، و"بيت الدمية" (1879)، و"الأشباح" (1881)، و"عدو الشعب" (1882)، و"البطة البرية" (1884)، و"هيدا غابلر" (1890)، و"سيد البنائين" (1892)… إلخ. ونعرف أن هذه الأعمال لا تزال حية حتى اليوم في "ريبرتوارات" أعظم الفرق المسرحية في العالم، ولا تقدم كجزء من تاريخ كاتبها وحسب، بل كجزء من حاضر المجتمع وصراعاته ونظرة المسرح إلى تلك الصراعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عين نبيهة في زمن انعطافي

فالحال أن عين إبسن النبيهة كانت، في ذلك الزمن الانعطافي الخطر، ترصد التغيرات التي تطرأ على المجتمع، أسوة بما كان يفعل تشيكوف في روسيا، وتحاول أن تجعل للمسرح موقفاً وحكماً مما يحدث.

وعلى هذا النحو، بعدما بدأ إبسن بكتابة مسرحيات خفيفة وتاريخية، وبعدما انصرف فترة إلى التأمل الوجودي والفلسفي والشاعري إلى حد ما، وجدناه منذ عام 1867، على ضوء الانقلابات الاجتماعية الكبرى، يرصد العلاقات بين الطبقات، وموقف الفرد من المجتمع، ويتأمل في مفهوم الجموع، وفي رغبات المرأة التحررية، وفي وعي الإنسان لذاته، ليصنع من كل هذا عالماً مسرحياً قائماً بذاته، عالماً يتواكب فيه الفعل الفني الخلاق وبناء الشخصيات بأسلوب حديث وعصري، مع رغبة المؤلف في أن يقف من الأحداث موقف الشاهد والفاعل، لا موقف المتفرج السلبي.

ولئن جر هذا على إبسن عداء سترندبرغ وثورته عليه، فإن كتاباً كباراً من طينة برنارد شو وتشيخوف لم يقصروا في التعبير عن فضل الكاتب النرويجي الكبير على أعمالهم.

ولعل من المناسب أن نشير هنا إلى أن جمع إبسن بين حس السخرية وعالم الحلم والتأمل الفلسفي، مع التبحر في القضايا الاجتماعية، كان هو الأساس الذي انطلق منه كاتبان كبيران من كتاب القرن الـ20 في مسارهما الفني: الأميركي يوجين أونيل، والإيطالي بيرانديللو، الذي لم يخف أبداً تأثره بمسرحية "البطة البرية".

بدايات سيكولوجية على الخشبة

لقد كان إبسن، ولا يزال، إذاً، الوالد الشرعي للمسرح الاجتماعي في القرن الـ20، وهذا أمر معترف به ومعروف، أما ما هو غير معروف بما يكفي، فهو البعد السيكولوجي في عمل إبسن، هذا البعد الذي استبق تحليلات فرويد بزمن، وبدأ النقد يلتفت إليه أخيراً فقط بعدما اكتشف أن الجانب الاجتماعي لديه ليس هو جانبه الوحيد، فكان أن اكتشف في طريقه كيف أن أعمالاً أساسية لإبسن شكلت ذات حقبة مبكرة موضوعاً لدراسات فرويدية عميقة ولكن هذا ليس موضوعنا هنا.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة