ملخص
عملياً، حسمت إسرائيل حدود غزة بإقامة منطقة عازلة تسعى إلى أن تكون في عمق يتجاوز كيلومتراً على طول الحدود. وفي سوريا يواصل الجيش الإسرائيلي سيطرته على منطقة واسعة تحت تسمية "المنطقة العازلة"، بل تعمل إسرائيل على نقل الحدود إلى هذه المنطقة، وكما في غزة وسوريا تكثف أيضاً عملياتها في لبنان بهدف السيطرة على مزيد من الأرض اللبنانية وإقامة خط دفاعي.
تصعيد التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان بالسيطرة على الجنوب ورسم خط حدودي آخر، أو ما سمته قيادة الجيش "خط تماسٍ ثانياً" في عمق لبنان، يندرج ضمن خطة واسعة تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة رسم حدودها على مختلف الجبهات من غزة، مروراً بلبنان، وحتى سوريا، وتطويق هذه المناطق بقوات عسكرية واسعة تمنع أي تهديد لحدودها وسكانها وأمنها أيضاً.
عملياً، حسمت إسرائيل حدود غزة بإقامة منطقة عازلة تسعى إلى أن تكون في عمق يتجاوز كيلومتراً على طول الحدود. وفي سوريا يواصل الجيش الإسرائيلي سيطرته على منطقة واسعة تحت تسمية "المنطقة العازلة"، بل تعمل إسرائيل على نقل الحدود إلى هذه المنطقة، وكما في غزة وسوريا تكثف أيضاً عملياتها في لبنان بهدف السيطرة على مزيد من الأرض اللبنانية وإقامة خط دفاعي.
وتسعى تل أبيب إلى شرعنة عملياتها على مختلف الجبهات، مع تجنيد أميركي ودولي للموافقة على ما تخطط له من حدود جديدة تحت مسميات مختلفة، كالحزام الأمني أو المنطقة العازلة أو الخط الدفاعي، وبذريعة واحدة هي "ضمان أمن إسرائيل وسكانها".
وبينما تعمل بهدوء وخلف الكواليس في غزة وسوريا لتحقيق أهدافها، تتعالى تهديداتها تجاه لبنان إلى حد المطالبة بنقل الخط الأزرق، الذي يرسم الحدود إلى نهر الليطاني، وتقود جهات سياسية وأمنية عدة حملة تدعي أن الليطاني هو حدود إسرائيل التاريخية.
مزيد من الاحتلال
وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعا الجيش إلى مزيد من احتلال الأرض اللبنانية والسيطرة عليها وصولاً إلى رسم خط حدودي جديد عند نهر الليطاني، وهذه التهديدات ليست الوحيدة في إسرائيل، فهناك مسؤولون سياسيون وأمنيون اعتبروا أن الخطة التي بدأت إسرائيل بتنفيذها في لبنان الإثنين مع دخول الفرقة 162 إلى جنوب لبنان لضمان توسيع سيطرة الجيش مع رسم خط تماسٍ ثانٍ على بعد يراوح بين سبعة وتسعة كيلومترات، غير كافية.
فالجيش الإسرائيلي شرع في عمليات استثنائية في لبنان، وكثف نشاطاته في عمق الجنوب اللبناني، وقد تلقى تعليمات بتكثيف وتيرة العمل حتى خط التماس الثاني، الذي بحسب الإسرائيليين من شأنه أن يمنع دخول عناصر "حزب الله" إلى مناطق قريبة من الحدود الإسرائيلية.
ولتسريع تنفيذ خطة السيطرة حتى خط التماس الثاني أدخل الجيش المدرعات والمدفعية ووحدات المشاة إلى جانب مسيرات ثقيلة وأجهزة الروبوت التي سيتم تسييرها لتنفيذ المهام من بعد، بهدف تكثيف وتعميق النشاط العملياتي في الجنوب.
ووفق ما ستعمل عليه الفرق العسكرية في لبنان، سيجري تقسيم الجنوب إلى أربع مناطق لضمان سيطرة كاملة للجيش لتنفيذ مهام دفاع وهجوم وإنشاء حاجز بين عناصر قوة "الرضوان" وبلدات الشمال.
وبحسب الخطة، في القطاع الغربي تعمل الفرقة 146 وتركز أساساً على الدفاع عن المنطقة، وفي الوسط تعمل الفرقة 36 بصورة هجومية، وفي القطاع الشرقي تعمل الفرقة 91، وفي مركز مهمتها تقدم الدعم للنشاطات مقابل المطلة ومسغاف عام والمنارة. أما الفرقة 162 فستقدم الدعم لضمان تعميق النشاط حتى خط التماس الثاني.
وإلى جانب فرض سيطرة كاملة على الجنوب، تعمل الفرق العسكرية على رصد وتدمير وسائل قتالية، وضرب عناصر "الرضوان"، وتدمير بنى تحتية تستخدم لنشاطات "حزب الله". وبينما دخلت فرقة "هحشمونئيم"، وهي من المتدينين، للمرة الأولى إلى جنوب لبنان، يواصل الجيش المهمة التي جاءت تحت مسمى "ضرب طرق الحركة" عبر تدمير الجسور.
الليطاني كحد طبيعي
خطة التوغل وسيطرة الفرق العسكرية بعمق ما بين سبعة وتسعة كيلومترات طرحت على طاولة الأبحاث، على أن يتم رسم الحدود في هذه المنطقة بدل الخط الأزرق، وهو ما يثير نقاشات وخلافات حتى بين متخذي القرار.
العقيد المتقاعد وعضو الكنيست السابق آرييه الداد، يروج لدعم حدود الليطاني، وبرأيه أنها الحل الأفضل لضمان أمن إسرائيل، ودعا متخذي القرار والمؤسسة العسكرية لاتخاذ خطوات عسكرية سريعة ومكثفة لسحق "حزب الله" وفق تعبيره، والتسريع في الإعلان عن نهر الليطاني كحدود شمالية حتى قبل بدء أية مفاوضات تسوية سياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينتقد الداد متخذي القرار في إسرائيل لعدم حسمهم الأمر، منذ فترة وبحسبه فإن افتراض إسرائيل بعد اتفاق وقف إطلاق النار بأن "حزب الله" لن يكون قادراً بل لن يحاول مهاجمة إسرائيل كان خاطئاً. وقال "جلوسنا مكتوفي الأيدي عزز هذا الافتراض على رغم أن (حزب الله) هاجمنا من وقت لآخر عندما حاول العودة إلى جنوب لبنان وإعادة بناء البنى التحتية".
وفي سياق الترويج لجعل الليطاني حدوداً رسمية، ادعى الداد أن معظم النيران تطلق من شمال الليطاني، وفي جنوبه عادت خلايا مضادة للدروع تتمركز وتطلق النار على جنود الجيش الإسرائيلي وصواريخ على بلدات الشمال.
ويرى أن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على نزع سلاح "حزب الله"، وهذا بحسبه "لم يفاجئ أحداً، كون الجيش اللبناني لم يعمل على تطهير حتى جنوب الليطاني، ولم يمس بقوته الأساسية سهل البقاع، وهو ما ينبغي على إسرائيل فعله.
وكيف يبرر الداد أهمية رسم حدود جديدة؟
بحسبه، فإن "حرب لبنان الثانية عام 2006 انتهت باتفاق ضعيف، والقرار 1701 الذي منع إدخال السلاح إلى جنوب لبنان لم ينفذ، بل إن (حزب الله) بنى ترسانة ضخمة وشبكات أنفاق وقوة (الرضوان) التي خصصت لغزو الجليل، فيما عادت إسرائيل مرة أخرى إلى الخط الأزرق، وبينما كنا نتفاخر ونلوح بذلك الاتفاق الضعيف تحول الحزب إلى ذراع إيرانية خطرة على حدودنا، والآن بعد 20 عاماً عدنا إلى النقطة نفسها من جديد، ونتعرض للهجمات من الشمال، ونهدد بمناورة برية، ونتحدث عن مسؤولية الحكومة اللبنانية".
وتساءل الداد هل ما زالت إسرائيل لم تتعلم بعدما وجود عدو قوي على الحدود أمر لا يمكن قبوله، وأنه لا تكفي جولة أخرى، بل يجب القضاء عليه. وهو في الوقت نفسه لم يتجاهل صعوبة القضاء على "حزب الله" وقدراته العسكرية، لكنه يعتبر أن السيطرة حتى الليطاني تشكل قوة كبيرة لإسرائيل، ليس هذا فحسب، "بل إن نهر الليطاني هو الحدود الطبيعية لأرض إسرائيل". هكذا يقول الداد، وهو موقف عكسه أكثر من مسؤول، خصوصاً من اليمين المتطرف.
إلى جانب هذا، يرى الداد أن نهر الليطاني يشكل سداً استراتيجياً، وتفجيره سيزيد تدفق المياه ويحول النهر إلى عائق صعب جداً، وبذلك يمكن عزل المنطقة وتطهيرها من المسلحين. وعندما تعود مياه الليطاني للجريان يجب على إسرائيل أن تجعل منه حدودها الشمالية، وتمحو الخط الاستعماري القديم، وتحقق رؤية الحركة الصهيونية.
هدوء أم وحل لبنان؟
في مواجهة الأصوات المتعالية في إسرائيل وحتى داخل الحكومة، التي تدعو إلى اتخاذ قرار تبدأ إسرائيل في تطبيقه وفق ما يريد الوزير سموتريتش برسم حدود شمالية جديدة، هناك من يرى أن المرحلة الحالية تتطلب إقامة حزام أمن، وهو المقترح الذي عاد من جديد إلى طاولة النقاش بعد عقود من الانسحاب من لبنان.
ومفهوم الحزام الأمني، بحسب الإسرائيليين، هو خطوة نحو الغرق في وحل لبنان من جديد. وبحسب مسؤولين سابقين كبار في الجيش الإسرائيلي، فإن حزاماً أمنياً صغيراً بعمق كيلومترات فحسب، مع انتشار بري وحواجز وتكنولوجيا حديثة، يمكن أن يتيح حماية فعالة لبلدات الشمال ومنع إصابة المدنيين.
"المحور الحرج ليس البلدات نفسها، بل ما يحدث أمامها"، هكذا يشير اللواء احتياط رونين كوهين، نائب رئيس شعبة الأبحاث سابقاً في الاستخبارات العسكرية، والذي حذر من خطوات تجعل المدنيين وقوداً للحرب. بينما يرى الرئيس السابق لشعبة التخطيط وسلاح الجو نمرود شيفر، أن التحدي السياسي والدبلوماسي أيضاً معقد، فـ"إقامة حزام أمني من دون تعاون مع الحكومة اللبنانية يعني تمكين الطرف الآخر من الادعاء بوجود احتلال، بينما يحتفظ (حزب الله) بقدرات هجومية تمكنه من ضرب الشمال حتى من مسافات بعيدة".
يرى تقرير نشرته صحيفة "معاريف" أن "إسرائيل لا تدير فعلياً حرباً حقيقية في لبنان، وعلى الحكومة أن تحدد أن (حزب الله) يجب أن يكون شمال الليطاني، وأن يكون السلاح بعيد المدى فقط شمال الزهراني، وأن يتم دفع حكومة لبنان للنزول جنوباً والعمل كسلطة سيادية على الأرض".
وبحسب التقرير، فإن تحقيق هذه الأهداف يساعد في الوصول إلى هدوء وأمن طويل الأمد على حدود الشمال، و"حتى الآن يبدو أن الجيش يعمل ببطء، بثقل وبغياب حسم. فمن الناحية العملياتية يتوقع من الجيش أن يعمل بسرعة، أن يضرب بقوة، وأن يمارس ضغطاً على السكان الشيعة الذين يدعمون (حزب الله) وعلى الحكومة اللبنانية التي تخاف من الحزب. التقدم إلى خطوط دفاع أمامية هو خطوة صحيحة، ولكنها ليست كافية، فهذا لن يحرك (حزب الله) من مكانه".
وعلى رغم ما اعتبره خبراء جريمة حرب ترتكبها إسرائيل لتهجير سكان الجنوب من بيوتهم وهدمها وتسوية القرى بالأرض، فإن جهات إسرائيلية تعرض خطوات ترى أنها أكثر ضماناً لأمن إسرائيل، مفادها أن "على الجيش أن يخلي مدن النبطية وصيدا، وأن يبدأ بإسقاط الأبراج هناك. ويجب أن يضرب مزيداً من الجسور والمحاور، وأن يفرض أثماناً على الطرف الآخر تشمل السيطرة على الأرض ومواقع مهمة".