ملخص
يحذر نقيب الأطباء المصريين من أن عدداً من كليات الطب قامت خلال السنوات الماضية بزيادة أعداد المقبولين لأضعاف ما كانت عليه سابقاً، من دون أن يصاحب ذلك توسّع مماثل في أعداد الأسرّة أو أماكن التدريب والتعليم الإكلينيكي. موضحاً أن "الكلية التي كانت تستوعب ألف طالب أصبحت تقبل ثلاثة آلاف أو أكثر، من دون زيادة حقيقية في أماكن التدريب والتعليم، ما يستوجب إعادة النظر في سياسات القبول بما يضمن جودة التعليم والتدريب قبل التوسع الكمي في الأعداد، بخاصة أن كليات الطب الحكومية لديها أعداد كبيرة من الدارسين وتدريب أعداد إضافية من كليات الطب الخاصة سيزيد الأعباء عليها"
لم يتخيل أحمد السباعي (اسم مستعار)، طبيب امتياز بإحدى كليات الطب البشري الخاصة، أن يتحمّل إلى جانب مصروفات دراسته بالكلية باهظة الكُلفة ولوازم المناهج والمقررات الدراسية، أعباء مضاعفة بتسديد رسوم مصروفات إضافية، نظير الحصول على فترة التدريب بمستشفى جامعي آخر، نظراً إلى عدم وجود مستشفى جامعي مُلحق بكليته.
يقول السباعي، "فوجئت في أثناء سداد المصروفات الدراسية قبل بدء سنة الامتياز بأيام قليلة، بمنشور من إدارة الكلية بفرض مبالغ إضافية باهظة تصل كُلفتها إلى 24 ألف جنيه (456.97 دولار أميركي)، شرطاً للسماح بقضاء فترة الامتياز بمستشفى جامعي آخر طبقاً للاتفاق بين جامعته والجامعات المعتمدة للتدريب، ومخاطبة إدارة الكلية للمستشفيات الخارجية بعدم قبول أي أوراق مختومة من الجامعة حتى سداد المبلغ المالي وتسليم إفادة من شؤون الخريجين للتقدم بها للمستشفيات الخارجية".
شعر الطبيب المصري بصدمة بالغة، لإحساسه أن مستقبله مُهدد بسبب إصرار الكلية على تلك المصروفات واستنزافه مالياً وأسرته، لا سيما أن كلفة مصروفات الالتحاق بالكلية تُقدر بـ150 ألف جنيه (2856 دولاراً أميركياً)، بخلاف نفقات الكورسات والمتطلبات التي يحتاجها في أثناء الأعوام الدراسية، ما جعله يتقدم بشكاوى ومخاطبات عدة لإدارة الكلية والجهات الرسمية والوزارات للتراجع عن تلك المصروفات غير المُبررة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الطبيب الشاب واحد من بين آلاف الطلاب المُلتحقين بكليات الطب بمصر، الذين يواجهون معضلة عدم وجود مستشفيات جامعية ملحقة بكلياتهم لتلقي مرحلة التدريب قبل الممارسة الفعلية، ما يضطرهم إما لقضاء فترة التدريب في كليات طب أخرى مُلحق بها مستشفيات جامعية نظير رسوم مالية إضافية، أو عدم الحصول عليها، وهو ما يتعارض مع قانون تنظيم العمل في المستشفيات الجامعية الذي أقرّ بأن "تلك المستشفيات وحدات مستقلة فنياً وإدارياً، وتعدّ موازنتها على نمط الموازنة العامة للدولة، وتعتبر جزءاً من كلية الطب وتمارس دورها في تنفيذ سياسة كليات القطاع الصحي في التعليم والتدريب والبحث، وتوفير الإمكانات اللازمة للبحوث الطبية".
كليات طب بلا مستشفيات
وبينما تنتهج مصر سياسات توسعية بدأتها قبل سنوات صوب زيادة أعداد كليات الطب والمقبولين بها، لـ"مواجهة العجز" في أعداد الأطباء نتيجة هجرتهم المتزايدة للخارج حتى وصلت إلى 59 كلية طب، وارتفاع أعداد الخريجين من 9 آلاف في 2018 لتصل إلى 15 ألف خريج حالياً بعد التوجيه الرئاسي بمضاعفتها، ومن المرجح أن تصل إلى 29 ألفاً بعد 6 سنوات، كشفت إحصاءات رسمية لنقابة الأطباء، اطلعت عليها "اندبندنت عربية"، عن وجود نقص كبير في أعداد المستشفيات الجامعية، لا سيما في كليات الطب الخاصة والأهلية، إذ تمتلك كليات الطب الخاصة البالغ عددها 12 كلية نحو 3 مستشفيات جامعية فقط، بينما تمتلك كليات الطب الأهلية، البالغ عددها 20 كلية مستشفى جامعياً واحداً فقط، على عكس كليات الطب الحكومية البالغ عددها 24 كلية، وتحوي جميعها مستشفيات جامعية.
الفجوة الواسعة التي عبّرت عنها الإحصاءات السابقة بين نسب تعداد الكليات وأعداد المقبولين بها وبين أعداد المستشفيات الجامعية الملحقة بها، أثارت مخاوف جمّة لدى عديد من الأطباء والأكاديميين المتخصصين، وطرحت بدورها تساؤلات عدة في شأن مدى كفاءة خريجي تلك الكليات الذين لم يتلقوا تدريباً بمستشفيات جامعية مُلحقة بكلياتهم؟ وهل تضاعف أعداد كليات الطب والمقبولين بها أنهى أزمة العجز في أعداد الأطباء؟ وهل تحوّلت بعض كليات الطب إلى بيزنس مُربح على حساب جودة ومخرجات التعليم الطبي؟ وما الضوابط الملزمة على أصحاب الكليات لإنشاء مستشفيات جامعية ملحقة بكليات الطب؟ وكيف يُسمح باستمرار الدراسة والتخرج من دون استيفاء متطلبات التدريب السريري؟
حديث السباعي يؤكده نقيب أطباء مصر الدكتور أسامة عبد الحي، إذ يصف تلك الأزمة بأنها "توسّع عشوائي غير منضبط". قائلاً إن التمدد في إنشاء كليات طب من دون توفير مستشفيات جامعية مُلحقة بها "مؤشر خطير وخطأ فادح يهدد مستوى تأهيل الأطباء، ويؤثر سلباً في سمعة الطب المصري ومستقبل النظام الصحي".
وعزا عبد الحي، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، الأسباب الرئيسة في ذلك إلى "عدم التزام بعض كليات الطب بالقانون الذي يوجب بإنشاء مستشفى جامعي بكل كلية طب وتحايل بعض المستثمرين على المهلة الاستثنائية التي منحتها الدولة لهم في سنوات سابقة بإنشاء مستشفيات جامعية خلال 3 سنوات من إنشاء كلياتهم، إلا أنهم لم يلتزموا بها، وهو ما تسبب في اتساع تلك الأزمة الحالية". معرباً عن تخوّفه من تكرار أزمة التوسع في إنشاء كليات الأسنان والصيدلة، مثلما حدث قبل سنوات وتسبب في زيادة أعداد خريجي تلك الكليات بشكل يفوق 3 أضعاف المعدلات العالمية وتشبع السوق من تلك المهن.
ويحذر نقيب الأطباء من أن عدداً من كليات الطب قامت خلال السنوات الماضية بزيادة أعداد المقبولين لأضعاف ما كانت عليه سابقاً، من دون أن يصاحب ذلك توسّع مماثل في أعداد الأسرّة أو أماكن التدريب والتعليم الإكلينيكي. موضحاً أن "الكلية التي كانت تستوعب ألف طالب أصبحت تقبل ثلاثة آلاف أو أكثر، من دون زيادة حقيقية في أماكن التدريب والتعليم، ما يستوجب إعادة النظر في سياسات القبول بما يضمن جودة التعليم والتدريب قبل التوسع الكمي في الأعداد، بخاصة أن كليات الطب الحكومية لديها أعداد كبيرة من الدارسين وتدريب أعداد إضافية من كليات الطب الخاصة سيزيد الأعباء عليها".
وأقرّ المجلس الأعلى للجامعات في أبريل (نيسان) 2023، أن تكون "مدة الدراسة لنيل درجة بكالوريوس في الطب والجراحة خمس سنوات دراسية بنظام الساعات أو النقاط المُعتمدة يعقبها سنتان للتدريب الإجباري في مواقع العمل التي يحددها المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية ويعتمدها المجلس الأعلى للجامعات".
وفي تقدير نقيب الأطباء فإنه ينبغي أن يرتبط قبول الطلاب بعدد فرص التدريب المتاحة بعد التخرج، وأن الطبيب الذي لا تتاح له فرصة تدريب أو تعليم عملي كاف "لا يمكن اعتباره طبيباً مؤهلاً، ولا يجب قبوله من الأساس"، إضافة إلى وجوب إصلاح مسار أي كلية لا تلتزم بالقواعد العامة للتدريب والتعليم، أو إلغاء ترخيصها إذا لم تلتزم بالقواعد العامة للتدريب والتعليم، علاوة على أن يقوم البرلمان بمراقبة هذه السياسات وتعديلها وإصدار التعليمات اللازمة لضمان استقرار التعليم الطبي والحفاظ على جودة الكوادر الطبية. مطالباً وزارة التعليم العالي بـ"عدم قبول أي طلبة جدد في الكليات التي لم تلتزم بإنشاء مستشفيات جامعية خلال 3 سنوات من تاريخ إنشاء الكلية".
جريمة تعليمية
وفي فبراير (شباط) الماضي، تقدّم البرلماني المصري الدكتور أشرف سعد سليمان بطلب إحاطة، أكد خلاله أن "غياب المستشفى الجامعي يُعد جريمة تعليمية مكتملة الأركان، ومن غير المقبول علمياً أو مهنياً أو أخلاقياً أن يجري قبول دفعات من الطلاب بها، ثم يسمح بتخرج أطباء، من دون وجود مستشفى جامعي تعليمي فعلي يضمن التدريب الإكلينيكي المنضبط وفقاً للمعايير القومية والدولية، ما يعني تخريج أطباء لم يحصلوا على الحد الأدنى من التدريب السريري الحقيقي، ولم يخضعوا للإشراف الأكاديمي الكافي، ويتم الدفع بهم إلى سوق العمل الطبي، بما يحمله ذلك من أخطار جسيمة على المرضى".
يؤيد الرأي السابق أمين عام مساعد نقابة الأطباء الدكتور خالد أمين، قائلاً إن المراحل التدريبية يحتاجها أي طبيب، لأنه يكتسب خلالها كل المهارات الاكلينيكية قبل الخروج لممارسة التطبيق العملي، بالتالي فإن عدم إنشاء تلك المستشفيات يؤدى إلى حدوث خلل واضح، ينجم عنه في المستقبل بطالة مقننة بدلاً من الاستفادة بتصدير هذا المنتج للخارج لاستغلال كفاءتهم وخبراتهم، ومن ثمّ تحقيق عائد مالي واقتصادي.
ويتوافق أمين مع ما ذهب إليه نقيب الأطباء في أن المعضلة في تلك القضية تكمن في أن بعض المستثمرين لا يشغلهم سوى جنى الأرباح من دون النظر إلى ما يحتاجه الأطباء لصقل مهاراتهم في المستقبل. موضحاً أن المجلس الأعلى للجامعات الجهة المنوط له إصدار تراخيص إنشاء تلك الكليات، منوهاً إلى أن أي كلية طب تتطلب 4 مقومات رئيسة، مؤسسات تعليمية، ومستشفيات للتدريب، وخدمات طبية لائقة، ومؤسسات بحثية لإجراء دراسات تخدم المنظومة الطبية، وافتفار أي عنصر من تلك العناصر يُهدد بنجاح المنظومة برمتها، معتبراً أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من وضع منظومة قبول عادلة ومنضبطة تربط الأعداد المقبولة بالطاقة الاستيعابية للتدريب في المستشفيات بعد تخرجهم.
تتوافق رؤية أستاذ الجراحة بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة الدكتور جمال عميرة مع الطروحات السابقة، إذ يرى أن بعض كليات الطب التي لا توجد بها مستشفيات جامعية تلجأ إلى إرسال طلابها بالمرحلتين الرابعة والخامسة والامتياز ونواب الأطباء، لكليات طب حكومية لاكتساب مهارات التدريب العملي والكشف على المرضى وزيارة العيادات والاحتكاك بالحياة العملية مقابل رسوم مالية. مؤكداً أن كليات الطب التي كانت تنشأ قديماً من دون مستشفيات جامعية لم يكن معترفاً بها، على عكس الفترة الراهنة التي تشهد توسعاً في أعداد تلك الكليات، قائلاً "عديد من الجهات تتحمّل مسؤولية ذلك الوضع المتأزم، وأعتقد أن البعض غير مستعد لتصحيح هذا النهج حالياً"، متسائلاً: "هل من المنطقي والمقبول أن يخرج طبيب إلى سوق العمل من دون بنائه بشكل سليم وتعليمه بشكل لائق للتعامل مع المرضى؟".
ويفسر عميرة لجوء بعض أصحاب الكليات للتحايل على القانون وعدم تنفيذ الاشتراطات المطلوبة، كونها تتطلب موازنات هائلة وكوادر طبية وطواقم متخصصة في مختلف الأقسام تقارب 40 تخصصاً، مردفاً "كلفة مستشفى واحد مجهز طبياً وإدارياً لا يقل عن مليار جنيه".
ويبلغ عدد المستشفيات الجامعية 147 مستشفى على مستوى الجمهورية، ومن المتوقع مع نهاية 2026 أن تصل إلى 155 مستشفى ما بين حكومي وخاص وأهلي، بحسب ما أعلن وزير التعليم العالي السابق الدكتور محمد أيمن عاشور في فبراير (شباط) الماضي.
كيف يمكن حل الأزمة؟
بينما يرى الدكتور علاء غنام، خبير السياسات والإصلاح الصحي، أن علاج تلك الأزمة يتطلب تدخلاً حكومياً لتنظيم ووضع ضوابط مؤسسية، قائلاً: "أي سوق خاصة لا بد أن تخضع لقواعد حتى لا تتحول إلى فوضى، ويكون محكوماً عليها بالفشل"، موضحاً أن عدد كليات الطب الخاصة والأهلية والفروع الأجنبية تزايدت في السنوات الخمس الأخيرة بشكل يراوح ما بين 20 إلى 30 كلية جديدة، وهو ما يتطلب ضرورة التنبه لتداعيات هذا الأمر.
وفي رأي غنام، الذي يشغل أيضاً منصب مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإنه لا بد أن يكون الكادر الطبي في تلك المستشفيات متفرغاً لضمان عدم الإخلال بالمبادئ الأخلاقية والعلمية المتعارف عليها. لافتاً إلى أنه يمكن الاستفادة من تجارب البلدان الأجنبية في تطبيق مثل تلك الأمور التي نجحت بالفعل في تنظيمها وإدارتها.
وتتفق إليزابيث شاكر، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، مع رأي غنام في ضرورة وجود وقفة جادة لمنع توسع تلك الكليات مُجدداً، ومراجعة وتقييم تجربة التوسع في الجامعات الخاصة للمهن الطبية، وإعادة النظر في مجاميع القبول بتلك الكليات، بخاصة في ظل لجوء كثير منها لخفض المجاميع بشكل مُبالغ فيه، لافتة إلى أن الطالب الذي لا يستطيع الحصول على مجموع كبير في الثانوية العامة أصبح يمكنه الالتحاق بكليات الطب بأمواله من دون عناء، مطالبة بضرورة عدم منح أي كلية طب جديدة ترخيصاً إذا لم تنشئ مستشفى جامعياً. متوقعة، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، أن تتراجع نسب الإقبال تدريجاً على كليات المهن الطبية مع توجه الدولة الجديد بشأن نظام التكليف.
وأعلن وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار مطلع مارس (آذار) الجاري، أن الدولة اتخذت قراراً بإعادة هيكلة منظومة التكليف بما يحقق العدالة والكفاءة في توزيع القوى البشرية الصحية، ويراعي الحاجات الحقيقية للمنشآت الطبية، بدلاً من نظام التكليف المطلق الذي كان يطبق سابقاً على جميع الخريجين من دون ربط دقيق بحجم العجز الفعلي في كل تخصص أو محافظة.
على النقيض من الآراء السابقة، ترى الدكتورة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، أن التوسع في إنشاء تلك الكليات "ضرورة حتمية" في الوقت الراهن لسد العجز الكبير في أعداد الأطباء. موضحة أن أعداد الخريجين أقل من الحاجات الفعلية بسبب الزيادة السكانية، لكن شريطة الاهتمام بجودة مخرجات التعليم الطبي، حتى لا يحدث توسع في تخصصات معينة بشكل مبالغ فيه وأكبر من الحاجات، وهو ما يتطلب ضرورة مراجعة منظومة ربط الخريج بحاجات منظومة العمل.
ووفق إحصاء صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في مصر، فقد انخفض عدد الأطباء إلى 97.4 ألف طبيب في عام 2022، مقابل 100.7 ألف طبيب في عام 2021، بانخفاض بلغت نسبته 3.3 في المئة، وتفيد الأرقام بأن مصر لديها طبيب لكل 1162 شخصاً، بينما المعدل العالمي، طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، هو طبيب لكل 434 شخصاً.
لكن لم تخف إيرين، خلال حديثها لـ"اندبندنت عربية"، تخوّفها من فتح كليات طب من دون وضع معايير واضحة، مطالبة بضرورة إعادة النظر في مسألة تحسين رواتب الأطباء لمنع هجرتهم للخارج وإجراء دراسة لتحديد الفجوات في منظومة التعليم الطبي والتدريب الإكلينيكي.