ملخص
إلى جانب المسارات البرية، تطرح خيارات أخرى، مثل تعزيز موانئ البحر الأحمر، أو إحياء مشاريع قديمة كخط البصرة - العقبة عبر الأردن، أو حتى توسيع استخدام التخزين الاستراتيجي في موانئ خارج الخليج، غير أن هذه الخيارات تبقى حلولاً جزئية، لا يمكنها تعويض الإغلاق الكامل للمضيق، بل تخفف فقط من حدته.
لا يخفى على أحد الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي يمر منه ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط. هذا المضيق الذي يعد شرياناً اقتصادياً بالغ الأهمية تحول اليوم إلى أداة ضغط اقتصادية تغير مجرى الأحداث، ومجرد التهديد بإغلاقه قد يخلق أزمة اقتصادية تتأثر بها دول عدة حول العالم.
في يوليو (تموز) 2025 أو خلال "حرب الـ12 يوماً" لم تغلق إيران المضيق، وإنما لوحت بذلك، ولم تتأثر حركة التجارة العالمية، لكن الوضع مختلف تماماً اليوم، إذ إن إيران حتى لو أنها لم تعلن بصورة رسمية إغلاق المضيق بالكامل، إلا أن بعض السفن التي مرت من خلاله تعرضت للخطر، وأضحى المضيق أحد أبرز قصص الحرب الجارية، وهنا يفرض السؤال نفسه، هل هناك بدائل لمضيق هرمز يمكنها أن تغني عنه؟
يرى مراقبون أن الحرب الجارية حتى لو أنها انتهت بالمدى القريب، فإن البحث عن بديل لمضيق هرمز سيبقى على المدى البعيد. وهنا يبرز دور الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، والدول التي يمكن لأراضيها أن تكون بديلاً لمضيق هرمز، بحيث يجري ربط الخليج العربي بأوروبا عبر العراق والأردن وسوريا وتركيا، فيما سيكون لسوريا وتركيا الدور الأبرز بسبب امتلاكهما موانئ على البحر المتوسط.
بدائل أكثر كلفة
أستاذ كلية الاقتصاد في جامعة إسطنبول التقنية، محمد أتاجان، يقول في حديث خاص إن "كل البدائل الحالية لا تستطيع تعويض الدور الذي يؤديه مضيق هرمز، لكنها قادرة على تقليل الصدمة، وهو ما يجعل الاستثمار فيها خياراً دفاعياً أكثر منه اقتصادياً، إذ إن خطوط الأنابيب البرية ليست فقط أكثر كلفة من النقل البحري، بل تتطلب أيضاً استقراراً سياسياً طويل الأمد، وهو شرط غير متوافر بالكامل في المنطقة، وفي هذا الإطار تعود مشاريع قديمة إلى الواجهة".
ويضيف أتاجان أنه "على سبيل المثال، سوريا التي دخلت مرحلة إعادة تشكيل اقتصادي بعد أعوام الحرب، يسهم موقعها الجغرافي في إعادتها إلى خريطة الطاقة، فالموانئ السورية على المتوسط، إلى جانب مشاريع الربط مع تركيا، تفتح الباب أمام تحويل البلاد إلى ممر عبور للنفط والغاز، وبالنسبة إلى تركيا فإنها تمتلك بالفعل بنية تحتية تؤهلها لأداء دور مركزي لعبور الطاقة، لكنها تحتاج إلى توسيع شبكاتها وربطها جنوباً عبر سوريا والعراق والأردن والخليج العربي، لكن هذا السيناريو سيكون أكثر كلفة بنسبة تراوح ما بين 20 و30 في المئة مقارنة بالنقل البحري عبر هرمز، لكنه يمنح الدول المصدرة هامش أمان استراتيجياً".
ويؤكد المتخصص الاقتصادي أن البدائل "لا تقتصر على المسار التركي – السوري، فالسعودية على سبيل المثال تمتلك أحد أهم البدائل القائمة فعلياً، وهو خط (شرق–غرب) الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، كذلك تمتلك الإمارات خط أنابيب يربط حقولها بميناء الفجيرة على بحر عمان، مما يسمح بتجاوز المضيق جزئياً، غير أن هذه البدائل، على رغم أهميتها، لا تغطي كامل الصادرات، ولا تشمل جميع الدول، خصوصاً قطر التي تعتمد بنسبة تقارب 93 في المئة على المضيق لتصدير الغاز الطبيعي المسال".
البنية التحتية العالمية للطاقة
ويضيف أتاجان أن "أزمة مضيق هرمز تكشف هشاشة البنية التحتية العالمية للطاقة، إذ إن معظم البدائل إما غير مكتملة أو غير قادرة على التعامل مع الحجم نفسه من التدفقات، كذلك إنشاء خطوط أنابيب جديدة، خصوصاً عبر مناطق غير مستقرة، قد تتجاوز عشرات المليارات، مما يجعلها رهينة لحسابات سياسية بقدر ما هي اقتصادية. ومع ذلك، إلى جانب المسارات البرية، تطرح خيارات أخرى، مثل تعزيز موانئ البحر الأحمر، أو إحياء مشاريع قديمة كخط البصرة – العقبة عبر الأردن، أو حتى توسيع استخدام التخزين الاستراتيجي في موانئ خارج الخليج، غير أن هذه الخيارات تبقى حلولاً جزئية، لا يمكنها تعويض الإغلاق الكامل للمضيق، بل تخفف فقط من حدته".
مشروع جيو-اقتصادي
المستشار في وزارة الاقتصاد السورية أسامة القاضي، يقول في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن "أحد البدائل عن مضيق هرمز هو إنشاء ممر بين السعودية وسوريا، يكون هذا الممر بمثابة مشروع جيو-اقتصادي ضخم. تقوم فكرة المشروع على إنشاء خط سكة حديد سريع يربط شمال السعودية بسوريا عبر الأردن، ينطلق من مدينة عرعر في شمال السعودية باتجاه أقرب المدن السورية، بسرعة تشغيلية قد تتجاوز 200 كيلومتر في الساعة. هذه الفكرة تعالج مشكلة حقيقية تواجه دول الخليج، وهي هشاشة سلاسل الإمداد البحرية والاعتماد الكبير على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى جزء كبير من تجارة السلع بما فيها الغذائية المتجهة من وإلى الخليج".
ويضيف القاضي أن "أي اضطراب في هذا المضيق يؤدي فوراً إلى ارتفاع كلف الشحن والتأمين البحري وتأخر وصول السفن، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية داخل السوق الخليجية، خصوصاً المواد الغذائية. وتعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على استيراد الخضراوات والفاكهة من دول مثل الهند وباكستان وتركيا ومصر والأردن وإيران، وعندما ترتفع كلف النقل البحري نتيجة التوترات في مضيق هرمز، ترتفع الأسعار مباشرة في الأسواق الخليجية، فالخضراوات والفاكهة سلع سريعة التلف، وأي تأخير في النقل البحري قد يؤدي إلى تلف جزء من الشحنات أو نقص موقت في المعروض، وهو ما يسبب اضطرابات في الأسعار وسلاسل التوزيع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
موانئ خارج التأثير
ويرى المستشار الاقتصادي أن "المشكلة تكمن أيضاً في أن ثمانية موانئ من الموانئ الخليجية تعتمد على الملاحة عبر مضيق هرمز، بما فيها ميناء جبل علي وميناء خليفة في الإمارات وميناء حمد في قطر وميناء الشويخ والشعيبة في الكويت وميناء خليفة بن سلمان في البحرين، إضافة إلى ميناء الملك عبدالعزيز في الدمام وميناء الجبيل الصناعي في السعودية. وتشير التقديرات إلى أن 60 - 70 في المئة من واردات الغذاء إلى الخليج تمر عبر مضيق هرمز، في المقابل، هناك عدد من الموانئ التي تقع خارج الخليج ولا تتأثر مباشرة بأي اضطراب في المضيق، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع على البحر الأحمر في السعودية وميناء خورفكان وميناء الفجيرة في الإمارات، إضافة إلى ميناء صحار وميناء صلالة في سلطنة عمان، لكن حتى مع وجود هذه الموانئ يبقى الاعتماد على النقل البحري كبيراً، وهو ما يبرز أهمية تطوير مسارات برية بديلة، وهنا تظهر أهمية سوريا، التي تتمتع بتنوع مناخي وإنتاج زراعي كبير وقرب جغرافي من الخليج، فإذا جرى ربطها بشبكة نقل سريعة مع السعودية، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج غذائي لدول الخليج، فبدلاً من استيراد الغذاء من قارات بعيدة يمكن نقل المنتجات الزراعية السورية الطازجة إلى الأسواق الخليجية خلال ساعات عبر خط سكة حديد سريع. ولا يقتصر دور هذا الخط على نقل الغذاء فحسب، بل يمكن أن يستخدم أيضاً لنقل البضائع والصناعات المختلفة، إضافة إلى نقل الركاب، مما يعزز السياحة والتبادل التجاري بين البلدين".
ويؤكد القاضي أن "المشروع يتكامل مع أحد أهم المشاريع الاقتصادية العالمية الجديدة، وهو الممر الاقتصادي الهندي أو ممر بهارات، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط الذي أقر في قمة الـ20 2023 بين السعودية والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق يمكن أن يصبح الممر السوري – السعودي فرعاً لهذا المشروع العالمي، بحيث يعمل المسار التجاري من الهند، ثم الخليج، ثم السعودية، ثم القطار السعودي – السوري، ثم سوريا، ثم موانئ البحر المتوسط السورية في اللاذقية وطرطوس، ثم أوروبا، وبذلك تعود سوريا كجزء من خط الحرير تاريخياً، لأنها ستشكل جسراً تجارياً يربط آسيا بأوروبا، لكن هذه المرة ليس لنقل الحرير، بل لنقل كل البضائع والصناعات والسلع الزراعية والغذائية عموماً".
بالمحصلة، تطرح البدائل لمضيق هرمز مسارات برية وبحرية مكملة لا بديلة، أبرزها ربط الخليج بأوروبا عبر العراق وسوريا وتركيا، بما يعزز دور الموانئ المتوسطية، إلى جانب خطوط قائمة مثل خط شرق – غرب السعودي وخط الفجيرة الإماراتي، ومشاريع محتملة كالبصرة – العقبة وتعزيز موانئ البحر الأحمر، كذلك يبرز مقترح الممر السعودي – السوري كخيار جيو-اقتصادي لتقليل الاعتماد على النقل البحري، خصوصاً في الغذاء، غير أن هذه البدائل، على رغم أهميتها، تبقى محدودة القدرة وأكثر كلفة، ولا تعوض المضيق بالكامل بل تخفف من أخطاره.