Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إما الموت جوعا أو قصفا... بحارة "هرمز" على حافة الهلاك

نفاد الغذاء والمياه والوقود يدفع آلاف العاملين على متن السفن التجارية إلى مكابدة الحياة مع انقطاع الإمدادات

تعرضت 21 سفينة في الأقل لهجمات منذ بداية الحرب مما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وفقدان 4 وإصابة 10 آخرين (أ ف ب)

ملخص

بحسب بيانات غرفة الشحن الدولية، هناك نحو 20 ألف بحار على متن ألفي سفينة من مختلف الأنواع، تقطعت بهم السبل داخل الخليج بعدما شلت حركة العبور من وإلى المضيق بسبب الحرب، وسط تحذيرات متزايدة من نقص الوقود والمياه والغذاء والدواء على متن هذه السفن.

يعيش البحارة في مضيق هرمز سباقاً قاسياً مع الزمن، مع تراجع الغذاء والمياه والوقود، وتعطل الإمدادات على متن السفن، نتيجة استمرار الهجمات الإيرانية بالزوارق المفخخة والصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب تهديدات الألغام.

ومع توقف حركة العبور بات آلاف منهم عالقين داخل الخليج يواجهون خطر الاستهداف المباشر واحتمال الموت عطشاً وجوعاً مع تراجع الإمدادات يوماً بعد يوم.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الوضع ازداد تأزماً خلال الأيام الماضية، إذ بدأت بعض السفن بطلب المساعدة من موانئ في المنطقة، مع صعوبة الحركة البحرية وتراجع الإمدادات.

وبحسب بيانات غرفة الشحن الدولية، هناك نحو 20 ألف بحار على متن ألفي سفينة من مختلف الأنواع، تقطعت بهم السبل داخل الخليج بعدما شلت حركة العبور من وإلى المضيق بسبب الحرب، وسط تحذيرات متزايدة من نقص الوقود والمياه والغذاء والدواء على متن هذه السفن.

في هذا السياق تعرضت 21 سفينة في الأقل لهجمات منذ بداية الحرب، مما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وفقدان 4 وإصابة 10 آخرين، في مؤشر إلى تصاعد الأخطار التي تواجه الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وأكدت المنظمة البحرية الدولية أنها تعمل على إعداد خطة لإجلاء البحارة والسفن العالقة، في محاولة لتفادي كارثة إنسانية، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة هذه الجهود على تحقيق نتائج قبل فوات الأوان.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، اليوم الأحد، إن الملاحة في مضيق هرمز لم تتوقف بالكامل بل مستمرة "وفق ضوابط تراعي الظروف الحالية".

ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن بيان للوزارة القول إن الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران "فرض وضعاً خطيراً بمضيق هرمز، مما دفع السلطات الإيرانية لاتخاذ تدابير لحماية السفن والممرات البحرية".

وأشارت إلى الوزارة أن "أي ترتيبات أو آليات تتعلق بأمن وسلامة الملاحة يجب أن تراعي المصالح الإيرانية".

وأضافت الوزارة أن السفن التي اعتبرتها "غير معادية" يمكنها المرور الآمن في مضيق هرمز بالتنسيق مع الجهات المختصة الإيرانية، مضيفاً: "نحن نتبع نهجاً مسؤولاً لتجنب تحميل الملاحة الدولية مخاطر إضافية".

الإمدادات توشك على النفاد

إلى جانب القلق على سلامتهم، يخشى كثير من البحارة أن تنفد المياه والطعام قبل أي شيء آخر، مع تراجع الإمدادات وصعوبة التموين.

وفي لقاءات سابقة أجرتها "اندبندنت عربية" مع بحارة يعملون في المنطقة، وصف أحد القباطنة الحياة على متن السفن بأنها أقرب إلى "سجن مفتوح"، حيث تمتد العزلة لأشهر من دون قدرة على مغادرة السفينة أو الابتعاد عن المكان.

وعلى متن سفينة "سيو-جون"، لا تزال الإمدادات الغذائية الطازجة تكفي لنحو 15 يوماً، لكن مياه الشرب باتت مصدر قلق متزايد. ويقول أحد البحارة، في تصريحات نقلتها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن السفينة قادرة على إنتاج مياه عذبة عبر تحلية مياه البحر، إلا أن ذلك يصبح صعباً في حال التوقف عن الإبحار.

ويؤكد بحار باكستاني يدعى مسعود أن الوضع يزداد تعقيداً، قائلاً إن شهرين مرا بالفعل منذ آخر مرة حصلوا فيها على المؤن.

 

قبل اندلاع الحرب، كانت الحياة على متن السفن أكثر استقراراً، إذ كانت الوجبات تقدم بنظام البوفيه، وكان بإمكان الطاقم الحصول على الطعام الطازج والمياه في أي وقت.

أما اليوم، فقد فرض نظام حصص صارم، ولم يعد البحارة يحصلون إلا على وجبة واحدة يومياً، تتكون من أربع قطع صغيرة من اللحم ووعاء واحد من الخضراوات، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن الإمدادات المتبقية لن تكفي إلا لشهر واحد.

الطعام… خط الدفاع الأخير

وفي هذا السياق، تعكس لقاءات البحارة مع "اندبندنت عربية" أهمية الطعام في حياة البحارة داخل البيئات المعزولة. وفي حديثه، قال الطباخ أليفين مورال، "أنا مسؤول عن 17 رجلاً هنا، أحياناً لا يشعر أحد بي، لكني أعرف أن الطعام هو الشيء الوحيد الذي يبقيهم بشراً هنا".

وأضاف أن إعداد الوجبات يتجاوز كونه مهمة يومية، إذ يتحول إلى وسيلة دعم نفسي تمنح الطاقم إحساساً موقتاً بالحياة الطبيعية وسط ظروف قاسية. ويروي بحار آخر، في حديث جانبي، أن الطباخ يعد الشخصية الأهم على متن السفينة، في إشارة إلى دوره في الحفاظ على تماسك الطاقم، خصوصاً مع تراجع الإمدادات وصعوبة تعويضها.

دعم سعودي لتخفيف الأزمة

في محاولة للحد من تداعيات الأزمة، تواصل الهيئة العامة السعودية للموانئ "موانئ" تقديم دعمها للسفن في منطقة الخليج العربي، من خلال مبادرة تسخر فيها إمكاناتها في موانئ المنطقة الشرقية لتقديم خدمات مباشرة وسريعة. وتشمل هذه الخدمات تزويد السفن بالمواد الغذائية والأدوية، وخدمات تغيير الأطقم البحرية، إضافة إلى تزويدها بالوقود والمياه، إلى جانب متطلبات تشغيلية أخرى تهدف إلى ضمان استمرارية الرحلات البحرية.

وأوضحت "موانئ" أنها ستوفر قائمة محدثة للوكلاء الممولين للسفن ومزودي خدمات الوقود، بما يتيح لملاك السفن ومشغليها التواصل المباشر معهم وتنسيق حاجاتهم بصورة فورية، في حين يواصل مركز المعرفة وخدمة المستفيدين تقديم الدعم على مدار الساعة.

وتأتي هذه الجهود ضمن مساعي الهيئة لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد، وتأكيد جاهزية الموانئ السعودية لدعم الحركة البحرية في مختلف الظروف، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

كيف يعيش البحارة على متن السفن؟

في الظروف الطبيعية، تعتمد السفن على أنظمة التحلية لإنتاج المياه العذبة، سواء عبر التكنولوجيا الحرارية أو التناضح العكسي، إلا أن هذه الأنظمة ترتبط بصورة مباشرة بتوافر الوقود والطاقة.

ومع تراجع إمدادات الوقود في الخليج، تصبح المياه أول أزمة حقيقية تواجه الطواقم، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن بعض السفن بدأت بالفعل تعاني صعوبات في إنتاج المياه الصالحة للشرب.

أما الطعام، فيخزن عادة لفترات تراوح ما بين 30 و60 يوماً داخل غرف تبريد وتجميد أو مخازن جافة، إلا أن استمرار الحصار البحري يؤدي إلى تدهور جودة الإمدادات، خصوصاً مع تراجع كفاءة أنظمة التبريد نتيجة نقص الوقود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتؤكد تقارير صادرة عن الاتحاد الفيليبيني للبحارة أن بعض الطواقم بدأت بالفعل بالإبلاغ عن انخفاض المؤن وعدم وضوح موعد التزويد المقبل، وفقاً لما أورده موقع "Archyde".

وفي الحياة اليومية المعتادة، يعمل البحارة وفق نظام مناوبات، ويقضون أوقات الراحة في التواصل مع أسرهم أو متابعة الترفيه، إلى جانب صيانة السفن بصورة دورية، إلا أن هذا الروتين تراجع بصورة واضحة مع اندلاع الحرب.

ففي الأيام الأولى من التصعيد، أفاد بحارة، بحسب صحيفة "الغارديان"، بأنهم شاهدوا الصواريخ تمر فوق السفن، فيما انقطعت عنهم الاتصالات وأنظمة "GPS"، بينما كانوا على متن ناقلات تحمل شحنات تصل إلى مليون برميل من النفط.

وتحدث آخرون عن لجوء الطواقم إلى الغرف المحصنة بعد رصد صواريخ في السماء، وسط مخاوف متزايدة من استهداف مباشر.

الوقود… الحلقة الأخطر في الأزمة

تعد إمدادات الوقود العامل الحاسم في استمرار الحياة على متن السفن، إذ إن نفادها لا يعني فقط توقف الحركة، بل يهدد بتعطل أنظمة التحلية والتبريد في آنٍ واحدٍ.

وبحسب المدير البحري في غرفة الشحن الدولية جون ستوبرت فإن خزانات الوقود بدأت بالفعل في النفاد لدى عدد من السفن، مما ينذر بتوقف إنتاج المياه وتلف الغذاء.

تزامناً مع ذلك، حذرت إيران من استهداف أي سفينة تحاول عبور المضيق، مما أدى إلى شبه توقف في حركة الملاحة، فيما تشير تقديرات دولية إلى وجود ما بين 150 و200 سفينة راسية دون قدرة على المغادرة.

ودعت غرفة الشحن الدولية الحكومات إلى إنشاء ممر بحري آمن يتيح للسفن المغادرة وإعادة التزويد، عبر مرافقة بحرية أو تبادل معلومات استخباراتية أو تقديم ضمانات بعدم الاستهداف، إلا أن هذه المقترحات لم تجد طريقها إلى التنفيذ حتى الآن.

إجراءات الطوارئ… دفاع بلا مواجهة

وفي هذا السياق، أصدرت المنظمة البحرية الدولية في أبريل (نيسان) الماضي وثيقة إرشادية تتضمن إجراءات إدارية لتعزيز الأمن البحري، وتركز على آليات استجابة أطقم السفن لمثل هذه التهديدات، بما في ذلك التدريب والتأهب والتنسيق مع السلطات البحرية المتخصصة.

وتتضمن الوثيقة استعراضاً تفصيلياً لأساليب التعامل مع التهديدات المتزايدة التي تواجه السفن التجارية في مختلف أنحاء العالم، مثل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة والألغام البحرية والقوارب المفخخة، إلى جانب عمليات قرصنة والإنزال الجوي بواسطة مروحيات، وأن التعامل معها يتطلب تطبيق منظومة دفاعية متعددة المستويات تبدأ بمنع الاقتراب، وتنتهي بتحصين الطاقم في غرف آمنة.

وتشير الوثيقة التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية" إلى أن الهجمات الصاروخية لا يمكن التصدي لها من فوق متن السفن التجارية، وأن الوقاية منها تعتمد بالدرجة الأولى على تجنب المناطق عالية الخطورة، والتنسيق المبكر مع القوات البحرية.

الدفاع المتدرج

تنقسم الإجراءات الدفاعية إلى ثلاثة مستويات، ويتضمن المستوى الأول مجموعة من الإجراءات المخصصة لمنع وصول المهاجمين إلى السفينة، مثل تثبيت الأسلاك الشائكة على الحواف، واستخدام خراطيم المياه والمدافع الرغوية، إضافة إلى تكتيكات المناورة وتوظيف الإنارة والكاميرات الحرارية لردع المهاجمين. أما المستوى الثاني فيركز على تعزيز الحماية الداخلية للمرافق الحيوية داخل السفينة، عبر تركيب أبواب وأقفال محصنة، وتحصين النوافذ الزجاجية، واستخدام أجهزة تشويش صوتية وبصرية لإرباك المهاجمين والتقليل من قدرتهم على السيطرة على السفينة.

وتعد خطة المستوى الثالث الملاذ الأخير، ويفعل عندما تفشل الإجراءات السابقة في صد الهجوم، لا يفترض أن يستخدم الطاقم أي أسلحة في هذا المستوى، بل يعتمد على التحصين داخل السفينة، والمراقبة الدقيقة، والتواصل مع الجهات المتخصصة، وليس الاشتباك المباشر.

 

ويجري تحصين أفراد الطاقم داخل غرفة مؤمنة، تعرف بـ"الستادل" (Citadel)، وهي منطقة آمنة داخل السفينة مخصصة للطاقم في حال تعرض السفينة للهجوم أو القرصنة، وهي مصممة لتحمل العزلة لأيام عدة، ومزودة بأنظمة اتصال مستقلة تتيح للطاقم التواصل في حالات الطوارئ.

وتحوي الغرفة المحصنة كاميرات مراقبة داخلية مرتبطة بوحدة تسجيل محمية، وأنظمة كهربائية مستقلة، إضافة إلى أدوات إطفاء حريق، ومخزون من المياه والمواد الغذائية يكفي لفترة تراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة أيام. وتتيح بعض هذه الغرف خاصية التحكم في تشغيل أو إيقاف المحركات من الداخل، وذلك لتقليل خطر سيطرة المهاجمين على السفينة.

مهلة 48 ساعة

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد باستهداف منشآت الطاقة في إيران في حال لم يتم فتح مضيق هرمز بصورة كاملة أمام الملاحة الدولية خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة.

وجاء التصعيد عبر منصة "تروث سوشيال"، حيث منح ترمب طهران مهلة زمنية واضحة، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لتنفيذ ضربات تستهدف قطاع الطاقة الإيراني، بدءاً من المنشآت الأكبر، إذا استمرت التهديدات للممر المائي الحيوي.

وقال ترمب في منشوره، "إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل ومن دون أي تهديد خلال 48 ساعة، فإن الولايات المتحدة ستضرب وتدمر مختلف منشآت الطاقة، بدءاً بأكبرها"، في إشارة مباشرة إلى ربط أمن الملاحة الدولية بمصير البنية التحتية الحيوية داخل إيران.

ويعكس هذا التصريح انتقالاً في لهجة الخطاب الأميركي من التحذير إلى التهديد المباشر، ما يضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد جديدة، في ظل حساسية موقع المضيق وتأثيره في إمدادات الطاقة العالمية.

في المقابل أعلن مقر "خاتم الأنبياء" العسكري في إيران أن أي هجوم على منشآت الطاقة الإيرانية سيقابل برد مماثل يستهدف بنى الطاقة والتكنولوجيا التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل، في ما يشير إلى اتساع نطاق المواجهة المحتملة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير