ملخص
لا يمكن فصل الحرب الإيرانية الراهنة عن مرتكزات العقائد الأمنية التي تحكم الحركة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة والإقليم وعلى رأسها "عقيدة بيغين"، لا سيما مع تركيز تل أبيب جزءاً كبيراً من جهودها وحركتها السياسية والعسكرية منذ مطلع الألفية الحالي على إيران وبرامجها العسكرية سواء الصاروخية أو النووية.
حين قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغين في أوائل ثمانينيات القرن الماضي قصف مفاعل "تموز" العراقي والقضاء عليه، لم يكن مؤسس منظمة "إيرغون" الصهيونية المتطرفة يرسخ فقط سابقة عسكرية، بأول استهداف لمفاعل نووي في المنطقة والإقليم، بل كان يضع حجر الأساس لما عرف لاحقاً بـ"عقيدة بيغين"، ذلك المبدأ الاستراتيجي الذي حكم في بنوده وإطاره حركة الدولة العبرية لمنع "خصومها" بـ"القوة الاستباقية واللجوء للخيارات العسكرية" من امتلاك قدرات نووية، أو حتى عسكرية قد تعيد معها ضبط معادلات الردع المتبادلة.
"عقيدة بيغين"، التي بدت بعد أكثر من أربعة عقود ونيف، حاضرة بقوة في مقاربة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو للصراع مع إيران والوصول إلى أبعد نقطة في مواجهتها وصولاً حتى الإعلان عن رغبته في إسقاط النظام وربما الجغرافيا الإيرانية، استدعت معها إعادة قراءة حدود وتبعات منطق "الضربة الوقائية" أو "الاستباقية" كخيار "مشروع أو ضروري" وفق المفاهيم الإسرائيلية، حتى وإن تغير السياق الإقليمي والدولي وبات أكثر "تعقيداً وتشابكا"، مما أثار الأسئلة حول إمكان فهم شخصية نتنياهو الذي كثيراً ما حلم بمواجهة إيران والقضاء على قدراتها العسكرية منذ البدايات الأولى لعمله السياسي، استناداً إلى تلك العقيدة الأمنية والاستراتيجية.
ماذا نعرف عن "عقيدة بيغين"؟
تعود تلك العقيدة الأمنية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغين (تولى السلطة بين عامي 1977 و1983)، وتستند بصورة أساسية وفق ما يقول معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي على مبدأ استراتيجي مفاده بأن للدولة العبرية "الحق في منع أي دولة، تراها معادية، من الحصول على السلاح النووي"، ويكون ذلك بضرب الأهداف، التي تحددها لهذا الغرض. وتوصف هذه السياسة العسكرية في عقيدة بيغين ضمن مفهوم "الدفاع الاستباقي عن النفس"، إذ تبرر الضربات العسكرية باعتبارها إجراء وقائيا لدرء تهديد وجودي محتمل.
هذه العقيدة التي صكها بيغين، وهو زعيم صهيوني يميني تعود جذوره إلى بيلاروس، ظهرت أول مرة في 1981، حين أعلن وقت أن كان رئيساً لوزراء الدولة العبرية أنه: "لن يسمح لأي عدو بأن يطور أسلحة الدمار الشامل فيستعملها ضدنا". ومن أجل تحقيق ذلك، وضع أساساً أمنياً تلتزمه الدولة، متعهدة بـ"الدفاع عن الشعب اليهودي بكل الوسائل المتاحة لنا"، مما فسره من لحقوه بأن لإسرائيل الحق في "ضرب الأهداف العسكرية، التي ترى فيها تهديداً محتملاً لأمنها"، معتبرين أن "الضربات الاستباقية" من شأنها أن "تردع الخصوم، وتجعلهم يترددون في تطوير الأسلحة النووية، خشية أن تستهدفها تل أبيب".
ما كان لافتاً في ترسيخ بيغين لعقيدته هو ما روج لها به حينها، وذلك من خلال ربطها بالمحرقة اليهودية (الهولوكوست)، إذ قال بعد تنفيذ قواته غارات جوية على المنشأة النووية العراقية المعروفة باسم "تموز" في 1981، إن "محرقة أخرى كانت ستقع في تاريخ الشعب اليهودي" مما يعد تهديداً وجودياً لشعبه، لو لم تنفذ إسرائيل عملياتها لمنع خصومها من امتلاك أسلحة دمار شامل.
ومنذ ذلك الحين، عدت هذه العقيدة ركيزة أساسية في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي تحت مبدأ "الردع الاستباقي"، إذ تعود بين الحين والآخر للواجهة مع محاولة أي دولة بالمنطقة السعي إلى امتلاك قدرات نووية أو أسلحة قد تحدث فارقاً في معادلة الردع في الإقليم، كما أنها كثيراً ما طرحت كإطار ناظم للتحركات الإسرائيلية لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، منذ بدايات كشفه علناً مطلع الألفية الحالية.
يشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بيغين كان أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية المتطرفين، إذ أدى دوراً بارزاً في تأسيس منظمة "إيرغون" (كانت تدعو لإقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن)، في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وهي تلك المنظمة التي هاجم مسلحوها في 1948 قرية دير ياسين الفلسطينية، وقتلت فيها 100 شخص في الأقل، فيما عرف بـ"مجزرة دير ياسين" التي عدت من بين الأحداث الدامية، وقادت إلى نزوح كثير من الفلسطينيين عن ديارهم، خوفاً على حياتهم، لتتأسس الدولة العبرية.
وعانت بريطانيا نفسها تطرف "إيرغون" وقت انتدابها على فلسطين قبل تأسيس الدولة العبرية في مايو (أيار) 1948، إذ نسب إلى "إيرغون" عام 1946 تفجير فندق الملك داوود في القدس، وهي العملية التي قتل فيها 91 شخصاً، بينهم جنود بريطانيون، ليصبح بيغين بعدها مطلوباً للسلطات الأمنية البريطانية بتهمة "الإرهاب". وعرضت لندن مكافأة مالية لمن يقبض عليه، إلا أنه وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان المسؤول الإسرائيلي الذي شهد عهده توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وعلى أثرها منح جائرة نوبل للسلام مناصفة مع الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات عام 1978.
متى طبقت عقيدة "بيغين"؟
منذ ثمانينيات القرن الماضي، ارتبط استهداف إسرائيل لمحاولات بعض دول المنطقة التي تعدها الدولة العبرية "عدواً وخصماً"، امتلاك مفاعلات نووية بـ"عقيدة بيغين"، وجاءت أبرز تلك المحاولات عام 1981، حين قصفت الدولة العبرية مفاعل "تموز" العراقي، ومن بعدها محاولات تدمير منشأة كير السورية عام 2007.
ففي الحالة العراقية، ووفق ما ذكرته الأرشيفات والوثائق الإسرائيلية لاحقاً، كانت الدولة العبرية تراقب التعاون النووي المتنامي بين باريس وبغداد منذ ستينيات القرن الماضي، حين بدأت فرنسا مد العراق بالتكنولوجيا النووية، وذلك قبل أن يتطور الأمر لتوقيع اتفاقية بين حكومة رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك جاك شيراك، وحكومة صدام حسين، تبني بموجبها فرنسا مفاعلاً نووياً في العراق عام 1975، لبناء مفاعل الماء الخفيف، الذي يستعمل حصراً لإنتاج الطاقة الكهربائية، حسب تأكيد المسؤولين الفرنسيين، لم ينطلق إلا بعد أربعة أعوام.
المفاعل العراقي الذي عرف بالفرنسية "أوزيراك" والعراقية "تموز"، وفق الأرشيف العراقي، قد تعرض لمحاولات تخريب وأعمال عنف، منذ اللحظات الأولى للشروع في بنائه، أبرزها تفجير مخازن تجهيزات المفاعل في ميناء لاسين سور مير جنوب شرقي فرنسا عام 1979، مما أدى إلى خسارة كبيرة وتأخير التسليم عاماً كاملاً.
تلك الحادثة التي جاءت بعدما التزمت فرنسا تزويد العراق بمركز للبحث النووي، وتدريب 600 مهندس عراقي، وقعت في أبريل (نيسان) 1979، حين كانت تجهيزات مفاعل "تموز 1" في مخازن ميناء، لاسين سور مير، تنتظر شحنها إلى العراق، وكان معها 65 كيلو من اليورانيوم المخصب.
ووقعت الحادث في ليل الخامس إلى السادس من الشهر ذاته حين وصلت مجموعة من الأشخاص، في هيئة سياح، على متن حافلة إلى مدينة تولون، وقصدوا الميناء، ونزل خمسة منهم وتسلقوا الجدار، ووصلوا إلى المخازن، التي فيها تجهيزات المفاعل النووي، وثبوا فيها متفجرات تعمل بالتحكم من بعد، وغادروا المكان.
وبعد دقائق، دمر الانفجار 60 في المئة من التجهيزات، وتسبب في خسائر قدرها 23 مليون دولار، وتأخر التسليم بذلك عامً كاملاً، ولم تسفر التحقيقات الفرنسية عن شيء، إلا أن مهندساً إسرائيلياً ذكر لصحيفة "هآرتس"، في 2021، أن الموساد الإسرائيلي هو من كان مسؤولاً عن تلك التفجيرات.
لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، ففي عام 1980، وتحديداً الـ14 من يونيو (حزيران) قتل المهندس المصري يحيى المشد، المكلف من قبل وكالة الطاقة الذرية العراقية بالتواصل مع المسؤولين الفرنسيين، في باريس في ظروف غامضة، وكان المشد في ذلك التوقيت يفترض أن يتسلم من الجانب الفرنسي، في اليوم التالي، تجهيزات ومواد علمية ينقلها إلى العراق.
وعلى رغم تلك التحديات، واصل العراق بناء مشروعه النووي بالتعاون مع فرنسا، وكان يفترض أن يبدأ المفاعل في العمل، وفق تقارير الاستخبارات الإسرائيلية، في سبتمبر (أيلول) 1981، حتى نفذت إسرائيل في السابع من يونيو 1981 عملية عسكرية عرفت باسم "أوبرا"، استهدفت المفاعل العراقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الضربة الإسرائيلية لمفاعل "تموز" كان قد حدد لها يوم الـ10 من مايو أي قبل أقل من شهر من توقيت التنفيذ، ليكون متزامناً ذلك مع الانتخابات الرئاسية في فرنسا، فإن زعيم المعارضة وقتها، شيمون بيريز، طلب من بيغين تأجيل الضربة، حتى لا تفسد أخبارها عرس الانتخابات على صديقه الحميم الرئيس، فرنسوا متيران، وفق ما تقول هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وتقرر تنفيذها يوم السابع من يونيو.
في تلك العملية، أقلعت ثماني مقاتلات إسرائيلية من طراز "أف-16" مدعومة بطائرات "أف-15"، وعبرت الأجواء العربية وصولاً إلى بغداد، حيث حلقت على ارتفاع منخفض وأطلقت قنابلها التي دمرت المفاعل بالكامل في دقائق، قبل أن تعود الطائرات إلى قواعدها من دون خسائر، ولم تنتبه لها الدفاعات الجوية العراقية ولا حتى خلال عودتها.
وعلى رغم أن العملية الإسرائيلية التي قتل فيها 10 عراقيين وفرنسي واحد، أثارت تنديداً دولياً واسعاً باعتبارها أول هجوم من نوعه على منشأة نووية، وأدانها مجلس الأمن الدولي، أعلنت إسرائيل بعد يوم من وقوعها مسؤوليتها عنها، مبررة أن "مفاعل تموز كان قادراً على إنتاج سلاح نووي يشكل تهديداً وجودياً للدولة العبرية"، قائلة إن "القنبلة الذرية، التي كان بمقدور ذلك المفاعل إنتاجها، بحجم قنبلة هيروشيما، ويعني هذا أنه كان خطراً قاتلاً يتطور ليهدد شعب إسرائيل".
ما كان لافتاً في التعاون الفرنسي - العراقي في المجال النووي هو ما أظهرته لاحقا وثائق أميركية رفعت عنها السرية عام 2021، أن مسؤولين فرنسيين أكدوا لواشنطن عام 1980 أن تصميم مفاعل تموز ونوعية المواد المقدمة للعراق لا يسمحان بإنتاج سلاح نووي.
وذكرت الوثاق أن مهندسين فرنسيين كانوا يغيرون سراً التركيبة الكيماوية لليورانيوم المسلم للعراق لجعله غير صالح لإنتاج أسلحة، مما ألقى بظلال من الجدل على مبررات الضربة الإسرائيلية وأعاد النقاش حول طبيعة التهديد الذي مثله المفاعل آنذاك.
ولم يقتصر الأمر في ما يتعلق بتطبيق "عقيدة بيغين" على الحالة العراقية، إذ طاولت كذلك سوريا وتحديداً عام 2007، خلال ولاية رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، حين انطلقت ليل الخامس من سبتمبر طائرات "أف 16" مصحوبة بطائرات "أف 15" من جنوب إسرائيل، باتجاه دير الزور في سوريا، وأغارت هناك على مجمع قالت إسرائيل إنه "مشروع مفاعل نووي تبنيه سوريا بمساعدة متخصصين من كوريا الشمالية"، وذلك على رغم تأكيد دمشق أنه منشأة للأبحاث الزراعية.
ولم تعترف إسرائيل بالهجوم، الذي قتل فيه عشرات السوريين، إلا في 2018. كتب الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، في مذكراته أنه رفض طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، بضرب المفاعل السوري المزعوم، "من دون إعلان المبررات"، وبحسب ما ذكره لاحقاً المستشار الأميركي إليوت أبراهامز، فقد رد أولمرت على بوش الابن بالقول: "إذا لم تتحركوا لضرب المفاعل، فإننا سنفعل بمفردنا"، وقال في 2018: "عندما اكتشفنا وجود مفاعل نووي في سوريا، قررنا على الفور أن ندمره، يستحيل أن نقبل به على حدودنا".
ولم تعترف إسرائيل رسمياً بالعملية إلا في الـ21 من مارس (آذار) 2018، بعد أكثر من 10 أعوام من التكتم، مؤكدة مسؤوليتها عن تدمير ما وصفته بمفاعل نووي سوري.
"بيغين" والحرب الإيرانية الراهنة
لا يمكن فصل الحرب الإيرانية الراهنة عن مرتكزات العقائد الأمنية التي تحكم الحركة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة والإقليم وعلى رأسها "عقيدة بيغين"، لا سيما مع تركيز تل أبيب جزءاً كبيراً من جهودها وحركتها السياسية والعسكرية منذ مطلع الألفية الحالي على إيران وبرامجها العسكرية سواء الصاروخية أو النووية.
ووفق كثير من المراقبين والمحللين الاستراتيجيين، فإن التصعيد الإسرائيلي المكثف خلال الأعوام الأخيرة، والساعي لمواجهة إيران، تسعى من خلاله الدولة العبرية لترسيخ مبادئ عدة، أولها الاستباحة المستمرة من دون رد أو حساب للقضاء على أي فرصة قد تخل بموازين الردع بالمنطقة معها، مع العمل على تدمير مصادر الخطر أو وضعها تحت الخط المقدر للسيطرة، فضلاً عن تأكيد ردع الآخرين أياً كان موقعهم في المنطقة، وهي العناصر التي ترتكز عليها "عقيدة بيغين".
وبتتبع تاريخ المساعي الإسرائيلية للقضاء على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، نحد أنه منذ مطلع العقد الأول من القرن الـ21، ركزت إسرائيل جهودها على متابعة البرنامج النووي الإيراني، متبنية مجموعة من الأساليب لمواجهته، شملت الهجمات الإلكترونية والعمليات الاستخباراتية الدقيقة، أو اغتيالات لعلماء نوويين، أو ضربات غير معلنة داخل الأراضي الإيرانية، سعياً إلى عرقلة تقدمه ومنع امتلاك طهران قدرات نووية تهدد أمنها، كما أدى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو دوراً مهماً في التحريض على إيران، وجعل من ضربها وإسقاط نظامها هدفاً رئيساً في مسيرته السياسية، بما يضمن استمرار احتكار إسرائيل السلاح النووي، ومنع ظهور أي قوة إقليمية منافسة لها، كما كانت تل أبيب أحد أبرز المحركين الرئيسين للجهد الدولي، الأميركي خصوصاً، لعزل إيران وفرض أقصى العقوبات عليها من أجل إضعافها وإرغامها على التخلي عن مشروعها النووي، وصولاً إلى شن الحرب، وفق ما تقول الموسوعة البريطانية.
وتوضح الموسوعة البريطانية أن دور نتنياهو البارز في الترويج لفكرة أن إيران تمثل التهديد الوجودي الأكبر لإسرائيل مما يستدعي مواجهتها، بدأ منذ بدايات مسيرته الدبلوماسية والسياسية في أوائل الثمانينيات، عندما كان يعمل في السفارة الإسرائيلية لدى واشنطن نائباً لرئيس البعثة (1982-1984) قبل أن يعين سفيراً لبلاده لدى الأمم بين عامي 1984 و1988، ومنذ تلك المرحلة المبكرة بدأ يركز على إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي لإسرائيل، داعياً الولايات المتحدة إلى تبني سياسة أكثر تشدداً نحوها. ومع صعوده السياسي في التسعينيات، جعل من البرنامج النووي الإيراني القضية المركزية في خطاباته وسياساته، محذراً من السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
من جانبها ووفق ما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، فإنه ومنذ عام 2025، برزت عقيدة بيغين كإطار رئيس للاستراتيجية الإسرائيلية مع تصاعد التوترات مع إيران. وهو ما تجلي في جولة الصراع الماضية في يونيو من العام ذاته التي عرفت بحرب الـ12 يوماً، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حينها أن الهدف الأساس للعملية العسكرية هو تفكيك القدرات النووية الإيرانية، وكبح قدراتها العسكرية الصاروخية، وتدمير البنية التحتية لمشروعها النووي "كي لا تشكل تهديداً لإسرائيل".
ومع الحرب الراهنة، المستمرة منذ آخر فبراير (شباط) الماضي أعيد ذكر العقيدة مجدداً في الداخل الإسرائيلي، على رغم وجود مسارات سياسية ودبلوماسية انتظمت فيها كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران، مما عكس وفق ما تقول صحيفة "يديعوت أحرونوت" "استمرار إسرائيل في تبني مبدأ الردع الاستباقي كركيزة أساسية لاستراتيجيتها الدفاعية ضد أي تهديد نووي محتمل، حتى لو تطلب الأمر عملاً عسكرياً أحادياً يتجاوز الحسابات الدولية".
يشار إلى أن إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة، في الشرق الأوسط، وكشفت الوثائق الإسرائيلية أن الدولة العبرية كانت على وشك استعمال السلاح النووي في المنطقة، وذلك في مرتين الأولى خلال حرب يونيو 1967 التي تعرف عربياً بـ"النكسة"، عندما أراد القادة الإسرائيليون توجيه رسالة إلى مصر والدول العظمى بأنهم يملكون "سلاح يوم القيامة"، والمرة الثانية عندما فشل الهجوم الإسرائيلي المضاد على القوات المصرية في 1973، إذ اقترح وزير الدفاع، موشي ديان، الخيار النووي يومي 9 و17 أكتوبر إلا أن القيادة السياسية الإسرائيلية تراجعت عن الخطوة في اللحظات الأخيرة.
وحسب تقديرات الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية تقدر عدد الرؤوس النووية التي تملكها بنحو 90 رأساً في الأقل، ولا تفصح إسرائيل عن الأرقام الحقيقية، ولا تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك على رغم مطالبات كثير من دول المنطقة بضرورة وضعها تحت الرقابة الدولية.