Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب "كارثة مربحة" من الميدان إلى إعادة الإعمار

أصبحت في أحد أهم وجوهها طريقة لإعادة تنظيم الاقتصاد وتوجيه الموارد وربط المعرفة العلمية بالحاجة إلى التسلح

في معرض مفتوح للمعدات العسكرية الروسية المدمرة في كييف، 15 فبراير 2026 (أ ف ب)

ملخص

حين ننظر اليوم إلى ضخامة الإنفاق العسكري واتساع الصناعات الدفاعية، ندرك أننا لا نتحدث عن قطاع هامشي، بل عن بنية اقتصادية متكاملة تسبق الحرب وتستعد لها وتنتج منافع تجعل تفكيكها صعباً.

نادى الرئيس الأميركي الراحل دوايت أيزنهاور في خطاب الوداع خلال الـ17 من يناير (كانون الثاني) 1961 بجملة شهيرة تطالب الأميركيين بالحذر" من اكتساب المجمع الصناعي العسكري نفوذاً غير مبرر"، بعدما رأى أن التحالف بين المؤسسة العسكرية وصناعة السلاح جعلها قوة ضخمة وغير مسبوقة في التاريخ الأميركي.

صار للحروب الحديثة دور في إعادة إنتاج دورة اقتصادية كاملة. فالمصنع الذي ينتج السلاح يستهلك المواد الخام ويشغل العمالة ويحفز البحث العلمي، ويولد أرباحاً ويستدعي التمويل ويصنع شبكة من المصالح المرتبطة باستمرار الإنتاج. وهكذا تدخل المصانع والجامعات وشركات التكنولوجيا والمصارف وأجهزة الدولة في منظومة متشابكة تعمل باسم الأمن، لكنها تنتج أيضاً وظائف ونفوذاً ومكاسب.

يشير الاقتصاد العسكري إلى مجموع الموارد والقدرات التي تخصصها الدولة لبناء قوتها المسلحة والحفاظ عليها في السلم كما في الحرب، من موازنات الدفاع إلى القواعد والتسليح والتدريب والجاهزية، مما يمثل الهيكل العام للقوة العسكرية داخل الدولة الحديثة. لذلك تحتفظ دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وإسرائيل وإيران وباكستان والهند باقتصاد عسكري دائم حتى في غياب الحرب الشاملة، كما يحدث الأمر نفسه في دول أصغر تعيش في بيئات إقليمية متوترة.

أما اقتصاد الحرب فهو حال أشد كثافة، تظهر حين تنتقل الدولة من الاستعداد إلى التعبئة، فتعاد هيكلة الصناعات وتوجه المواد الخام إلى الأولويات العسكرية وتتدخل الدولة بعمق في السوق. وهذا ما حدث مثلاً في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، حين تحولت مصانع السيارات إلى إنتاج الدبابات والطائرات والمحركات، وحدث أيضاً في الاتحاد السوفياتي، حيث ارتبط الاقتصاد كله بأهداف الصمود والإنتاج السريع.

المجمع الصناعي العسكري

هو المفهوم الأكثر حساسية لأنه لا يشير إلى اقتصاد أو إنفاق فحسب، بل إلى شبكة مستقرة من العلاقات بين المؤسسة العسكرية والشركات الدفاعية والجهاز الرسمي البيروقراطي في إدارات الدولة ومع السلطة السياسية وأحياناً الجامعات ومراكز الأبحاث والخبراء.

هذه الشبكة لا تقتصر على إنتاج السلاح، بل تعمل أيضاً على تثبيت الطلب عليه وتوسيع موازنات الدفاع والتأثير في السياسات العامة، وتكريس فكرة أن التهديد دائم.

وفي حال تضخم المجمع العسكري يحدث التحول الأخطر، لأن الحرب لا تعود حدثاً يحتاج إلى الاقتصاد ليدعمه، بل تصير هي نفسها دافعاً لاقتصاد يحتاج إلى احتمال الحرب أو إلى استمرار التوتر كي يزدهر ويضاعف موازناته وإنتاجه وتوسعه الوظيفي داخل أجهزة الدولة واقتصادها.

 

لا يعني ذلك أن شركات السلاح تخلق الحروب، لكن هناك بنية مصالح تجعل التوتر وسباقات التسلح أموراً لا بد منها لبقائه واستمراره وتعاظم قوته، لأن موازنات الدفاع تصبح مصدراً للوظائف ومورداً دائماً للشركات ومجالاً للنفوذ السياسي، وازدهاراً للدولة التي تملك صناعات عسكرية ضخمة ومتطورة.

لهذا، حين ننظر اليوم إلى ضخامة الإنفاق العسكري واتساع الصناعات الدفاعية بموازنات تحسب بتريليونات الدولارات، ندرك أننا لا نتحدث عن قطاع هامشي، بل عن بنية اقتصادية متكاملة تسبق الحرب وتستعد لها وتنتج منافع تجعل تفكيكها صعباً.

في الوعي الأخلاقي تبدو الحرب سبباً لتدمير شامل وتهجير وقتل وموت أبرياء، وهذا صحيح، إلا أن الحرب الحديثة تدخل أيضاً في دورة اقتصادية تبدأ مع إطلاق النار ولا تنتهي عند توقفه.

حلقات النار

تبدأ الحلقة الأولى من سلسلة ازدهار الصناعات العسكرية من الميدان. فالحرب الحديثة ليست معركة قصيرة، بل عملية استهلاك كثيف للذخائر وقطع الغيار والوقود وأنظمة الدفاع والمركبات والمسيرات وأجهزة الاتصال. والحرب في أوكرانيا أوضحت ذلك جلياً، إذ دفعت الدول الغربية إلى إعادة النظر في قدرتها على إنتاج الذخائر والمدفعية والدفاع الجوي، بعدما ظهر أن وتيرة الاستهلاك الميداني تفوق قدرات زمن السلم.

والميدان يستهلك وينتج معرفة أيضاً. فكل حرب تكشف ما الذي نجح وما الذي فشل وأين ظهرت الثغرات، ومن هنا تتحول التجربة القتالية إلى مختبر ميداني واسع. وهذا ما يفسر الاندفاع نحو تطوير المسيرات والحرب الإلكترونية وأنظمة الدفاع الجوي القصير المدى، كما يظهر في مثال طائرات "بيرقدار" التركية التي انتقلت من الاستخدام الميداني في أوكرانيا إلى الذيوع التجاري العالمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويصل بنا الميدان إلى السوق في السلسلة. فالحرب لا تنتج فقط استهلاكاً، بل نسخة مطورة من المنتج نفسه، والسلاح الذي يثبت فعاليته في القتال يكتسب قيمة إضافية في السوق بوصفه مجرباً ميدانياً، لذلك لا تكون التجربة القتالية مجرد اختبار، بل تتحول إلى عنصر تسويقي مباشر يزيد جاذبية المنتج للمشترين.

ثم تأتي الحلقة الثالثة في السلسلة، أي التوسع. فالدول تتعلم من الحرب وتعيد النظر في جاهزيتها. ولهذا لم تغير الحرب في أوكرانيا حاجات أطرافها فحسب، بل دفعت أوروبا إلى إعادة تسليح أوسع، وأسهمت في رفع الإنفاق العسكري العالمي. مما أدى إلى تحويل الحرب التي تحدث في مكان ضيق جغرافياً إلى محرك لأسواق عالمية متنوعة، تبدأ بالتكنولوجيا المتطورة ولا تنتهي بتصميم القواعد العسكرية ونوعية الطعام للجنود المقاتلين أو المستعدين للقتال في قواعدهم.

إنهاء التوتر أم إدارته؟

وما بعد الحرب لا يعني نهاية الدورة، بل انتقالها إلى مرحلة أخرى. فالخراب نفسه يفتح سوقاً جديدة للمساكن والكهرباء والمياه والطرق والجسور والمدارس والمستشفيات والمنشآت الإنتاجية التي دمرتها الحرب. وفي أحيان كثيرة تكون شركات المقاولات العالمية الضخمة في جهوزية تامة قبل انتهاء الحرب لجذب أكبر قدر من عقود إعادة بناء البنى التحتية المدمرة.

هذا ما يظهر في أوكرانيا وغزة، إذ تحول الدمار إلى ملف إعادة إعمار هائل تتداخل فيه حاجات السكن والطاقة والخدمات والنقل والهندسة والتمويل وشركات الأمن الخاصة وخدمات الحراسة والنقل المؤمن والاستشارات الأمنية، كما حدث في حربي أفغانستان والعراق، ويضاف إلى ذلك قطاع اللوجيستيات والتأمين والنقل البحري، إذ يكفي أحياناً ارتفاع التوتر لكي يعاد تشكيل الربحية والأسعار وسلاسل التوريد.

 

وهكذا يصبح الشكل الكامل للسلسلة الحربية الاقتصادية على هذا المنوال، أولاً خطر يقود إلى تسليح، وتسليح يقود أو يواكب حرباً، وحرب تستهلك المخزون وتدفع الصناعة إلى التوسع، ثم تنتج معرفة قابلة للتسويق، ثم توسع الطلب خارج الجبهة، ثم تفتح باب إعادة الإعمار والخدمات، ثم تترك توترات جديدة تغذي دورة أخرى.

هذا لا يعني أن الشركات أو الدول تريد الحرب لمجرد الحرب، لكن النظام العام قادر على تحويل الدمار إلى طلب، والطلب إلى إنتاج، والإنتاج إلى ربح، ثم إلى إعادة استثمار. هكذا يصبح السؤال، هل يستطيع نظام تتغذى بعض مساراته على الاضطراب أن ينتج سلاماً مستقراً فعلاً، أم أنه يميل إلى إدارة التوتر لا إلى إنهائه؟

من يصنع الحرب؟

هل تصنع شركات السلاح الحروب أم تستفيد منها؟

يعد هذا السؤال من بين أكثر الأسئلة إثارة للجدل حول العالم، فالقول إن شركات السلاح تصنع الحروب جذاب ولكنه تبسيطي أيضاً. لذلك تنطلق الفرضية الأدق من أن شركات السلاح لا تصنع كل الحروب، ولكنها ليست خارجها، بل تعمل داخل بنية سياسية واقتصادية ومؤسساتية تجعل الحرب أو احتمالها جزءاً من شروط استمرارها.

من الناحية الرسمية، يبقى قرار الحرب قراراً سيادياً تتخذه الدولة أو مؤسساتها الأساس. فلا توجد شركة تعلن الحرب أو تحشد الجيوش أو تحدد العقائد القتالية. لكن الشركات لا تقف خارج البيئة التي يصنع فيها القرار، بل تشارك بدرجات متفاوتة في تشكيلها. فهي تطور التقنيات، وتدعم أحياناً دوائر بحث وخبرات تسهم في رسم صورة التهديدات، وتمارس نفوذاً عبر جماعات الضغط، وتستفيد من وزنها الاقتصادي عند مناقشة الموازنات وأولويات الأمن القومي.

كما أن استفادة الشركات من الحروب ليست عرضية. فمع اندلاع الحرب يرتفع الطلب على الذخائر وقطع الغيار وأنظمة التحديث، وتفتح عقود جديدة، وتتوسع برامج البحث والتطوير على أساس الخبرة الميدانية. وكل حرب تكشف نواقص وحاجات جديدة يمكن تحويلها إلى منتجات مستقبلية. فالحرب تولد طلباً، والطلب يولد أرباحاً، والأرباح تعزز الشركات، وهذه الشركات تقوي حضورها داخل البنية التي تنتج الاستعداد والتوسع الدفاعي.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات