ملخص
في كتاب بعنوان "الهجوم على الحدود" صدر حديثاً عن دار غاليمار في باريس (2026)، تواصل الكاتبة الفرنسية - المغربية ليلى سليماني استكشاف قضايا الهوية واللغة والانتماء التي اعتادت على طرحها، جاعلة منها محوراً ثابتاً في مسارها الأدبي والفكري.
تعود ليلى سليماني في كتابها الجديد إلى سؤال ظل يلاحقها طويلاً: لماذا لا تتكلم لغتها العربية؟ وما معنى أن يعيش الإنسان مع لغة يشعر أنها تخصه لكنها في الوقت عينه بعيدة عنه؟
هذان السؤالان الشخصيان، اللذان يبدوان في ظاهرهما بسيطين، يتحولان في هذا الكتاب إلى مدخل للتفكير في قضايا أوسع، كالعلاقة بين اللغة والسلطة، بين الذاكرة والاستعمار، وبين الفرد والهوية التي تفرض على الإنسان من الخارج.
في "الهجوم على الحدود" تقدم سليماني عرضاً لامعاً لأهمية الانفتاح والتداخل بين اللغات، أو ما يعرف بـ"المسامية بين الثقافات"، مسلطة الضوء على اللغة بوصفها قلب الإنسانية وجوهر المشروع المؤسس للمواطنة الحقيقية، مستحضرة أسفها لأنها لا تتحدث العربية، لغة والدها والتي تنظر إلى عدم امتلاكها كعلامة على انتقال ثقافي معطل وحدود لغوية حالت دون تلقفها لإرثها الأدبي والفكري. ولئن كانت اللغة عندها تؤسس للمواطنة، فإنها تؤكد أنها قد تصبح أداة إقصاء لأولئك الذين لا يتقنونها جيداً.
كسر الجدران
تدافع سليماني في هذا الكتاب عن لغة "حية ومبتكرة تكسر الجدران والحدود التي تتكاثر"، معبرة عن قلقها من تراجع الأدب المهدد بالرقابة، على رغم كونه ضرورياً لفهم الآخر وتغذية الشك ومقاومة اليقينيات الجامدة، مذكرة قراءها بالدور الحميمي والمحرر الذي تؤديه الكتابة الأدبية في التعرف على الأفكار واللغات المختلفة.
ولدت ليلى سليماني عام 1981 في الرباط لأب مغربي يعمل في الحقل المصرفي وأم فرنسية طبيبة. نشأت في بيئة منفتحة على الثقافة الفرنسية، ودرست في المدرسة الفرنسية داخل الرباط قبل أن تنتقل عام 1999 إلى باريس لمتابعة دراستها الجامعية في معهد العلوم السياسية. هذه الخلفية المزدوجة، مغربية وفرنسية في آن، شكلت أحد المحاور الرئيسة في كتابتها.
بدأت سليماني مسارها الأدبي بالعمل الصحافي قبل أن تتفرغ للكتابة، موقعة عام 2014 رواية بعنوان "في حديقة الغول" تناولت موضوع الجسد والرغبة الأنثوية بجرأة لافتة. لكن باب الشهرة فتح أمامها مع روايتها الثانية "أغنية هادئة" التي نالت عام 2016 جائزة غونكور، أرفع جائزة أدبية في فرنسا. في هذه الرواية التي تستلهم حادثة واقعية، تروي سليماني قصة مربية تقتل الطفلين اللذين كانت تعتني بهما، كاشفة من خلال هذه المأساة التوترات الطبقية والنفسية داخل المجتمع الباريسي المعاصر.
كرست هذه الجائزة سليماني كأول امرأة من أصول عربية تنال هذه الجائزة الفرنسية الرفيعة بعد الطاهر بن جلون وأمين معلوف، مما رسخ مكانتها كأحد أبرز الأصوات الأدبية الفرنكوفونية المعاصرة. ولئن كانت رواية "أغنية هادئة" جعلت منها كاتبة معروفة عالمياً، فإنها دشنت مشروعاً أدبياً أكثر طموحاً تمثل في ثلاثية "بلد الآخرين" التي صدرت أجزاؤها بين عامي 2020 و2025.
في الجزء الأول من هذه الثلاثية عادت ليلى سليماني إلى فترة الحماية الفرنسية على المغرب، لتروي قصة زواج بين امرأة فرنسية وجندي مغربي، وما رافق هذا الزواج من توترات ثقافية واجتماعية. في الجزء الثاني الذي حمل عنوان "انظروا إلينا نرقص" انتقلت إلى الجيل الثاني من أبناء هذه العائلة الذين واجهوا تحديات مجتمع مغربي يتغير بسرعة ويتأرجح بين التقاليد والحداثة. أما في الجزء الثالث والأخير "سأحمل النار معي"، تروي الكاتبة حكاية الجيل الثالث من هذه العائلة، إذ تصبح مسألة الهوية أكثر تعقيداً، ويجد الأبناء أنفسهم موزعين بين أكثر من وطن وأكثر من لغة.
فضاء الهوية
في هذه الثلاثية، لا تكتب سليماني تاريخ عائلة فحسب، بل تحاول أن تفهم كيف تتشكل الهوية في فضاء ما بعد الاستعمار، تتقاطع فيه اللغات والثقافات والذاكرة السياسية. فالانتماء هنا ليس معطى ثابتاً، إنه عملية مستمرة من التفاوض بين الماضي والحاضر.
أما في كتاب "الهجوم على الحدود"، فتعود سليماني إلى تجربة أكثر حميمية. فبدلاً من أن تكتب عن عائلة أو مجتمع، تكتب عن علاقتها الشخصية باللغة العربية. تقول الكاتبة إنها كانت تسمع العربية الدارجة في طفولتها في المغرب، لا سيما حين تكون في الشارع أو مع جدتها ومربيتها. لكنها تعترف أن اللغة العربية لم تكن يوماً لغة البيت. فقد كان والدها ووالدتها يتحدثان معها دوماً بالفرنسية، لغة التعليم والنخبة الاجتماعية. ومع مرور الوقت، بدأ تآلفها مع اللغة العربية التي كانت تسمعها أحياناً يتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت هذه اللغة التي لا تتقنها لغة غريبة عنها. ولعل هذا الوضع خلق لديها شعوراً عجيباً تصفه بأنه أشبه بوجود "لغة شبح"، تشعر أنها جزء من هويتها، لكنها خلال الوقت عينه لا تستطيع التعبير بها عن نفسها. وتقول في أحد مقاطع الكتاب إن هذا الشعور يشبه إحساس الجسد بطرف مبتور ما زال يحتفظ بذاكرة وجوده. من هنا كان السؤال الذي يطاردها: كيف يمكن للإنسان أن يعيش مع لغة كان ينبغي أن تكون لغته، لكنه فقدها أو لم يتعلمها؟
لكن تأمل سليماني في اللغة لا يبقى في حدود التجربة الفردية. فهي تربط هذا الإحساس الشخصي بتاريخ أطول من العلاقات غير المتكافئة بين اللغات. ففي المغرب الذي نشأت فيه، كانت الفرنسية تمثل لغة السلطة والطبقة البرجوازية العليا، بينما ظلت العربية واللغات المحلية مرتبطة بالطبقات الشعبية. وعندما انتقلت إلى فرنسا، اكتشفت أن العربية نفسها يمكن أن تصبح موضوعاً للتمييز أو السخرية. هكذا تكشف الكاتبة النقاب عن كيفية تحول اللغة إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء. فالفرنسية ههنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نظام اجتماعي وثقافي يحدد من يملك الحق في الكلام ومن يطلب منه الصمت.
في هذا السياق تنتقد سليماني فكرة "نقاء اللغة وصفائها" التي تدافع عن حماية اللغة من التأثيرات الخارجية والكلمات الأجنبية الدخيلة أو الهجينة للحفاظ على بنيتها المعجمية الأصلية، والتي تنظر إليها كمجرد وهم سياسي. فاللغات، في رأيها، تتغير باستمرار وتتغذى من احتكاكها بلغات أخرى. لذلك تدافع عن تلاقح الثقافات وفكرة "الفرنكوفونية الخلاسية" التي تعترف بتعدد مصادرها الثقافية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في قلب هذا التأمل في اللغة، تضع سليماني الأدب نفسه. فالرواية، في نظرها، هي المكان الذي يمكن فيه تجاوز حدود اللغة والثقافة. فهي الفن الوحيد القادر على إدخال القارئ إلى وعي شخص آخر وجعله يرى العالم من الداخل. ومن خلال هذه التجربة يمكن للإنسان أن يدرك أن الآخرين ليسوا كما تخيلهم أو كما تصنعهم الصور النمطية. هكذا يصبح الأدب برأيها فعل مقاومة ضد الانغلاق والهويات الصلبة القاتلة. إنه فضاء يسمح بتعقيد التجربة الإنسانية بدل اختزالها في تعريفات جاهزة. ولهذا ترى سليماني أن الكتابة ليست مجرد نشاط فني، بل طريقة لفهم الذات والتصالح مع تناقضاتها. فهي تقول إنها تكتب "في لغة لتروي لغة أخرى"، أي إنها تستخدم الفرنسية للتعبير عن تجربة عربية لم تستطع أن تعيشها بالكامل، مقدمة تأملاً عميقاً في انتماء مجزأ وهوية متعثرة، لكنها دائمة التشكل وإعادة التكوين.
لم يسلم مشروع سليماني الأدبي من الانتقادات. فبعض النقاد رأوا أن كتاباتها تمثل رؤية برجوازية للعالم، أو أنها تقدم خطاباً متوافقاً مع القيم الثقافية الفرنسية السائدة. وقارن آخرون أعمالها بكتابات مفكرين مغاربيين مثل عبدالكبير الخطيبي أو عبدالوهاب المؤدب، الذين تناولوا موضوع اللغة والهوية بعمق فلسفي أكبر.
لكن مهما يكن الموقف من هذه الانتقادات، فإن حضور سليماني ضمن المشهد الثقافي المعاصر لا يمكن إنكاره. فهي ليست فقط كاتبة ناجحة جماهيرياً، بل أيضاً شخصية ثقافية بارزة شاركت ضمن مبادرات أدبية وسياسية عديدة، من بينها تمثيل فرنسا في المنظمة الدولية للفرنكوفونية. وإن "الهجوم على الحدود" يعد مقاربتها لموضوع اللغة والهوية من زاوية الفقدان والأمل. فاللغة العربية التي تشعر سليماني أنها فقدتها، تتحول في هذا الكتاب إلى موضوع للتأمل، وربما إلى وسيلة لاستعادة إرث الأب بصورة رمزية من خلال فعل الكتابة.
ففي هذا الكتاب الصغير بحجمه والعميق في موضوعه تطرح الكاتبة سؤالاً يتجاوز تجربتها: ماذا يحدث عندما يجد الإنسان نفسه يحيا بين لغتين أو ثقافتين؟ هل يجب أن يختار بينهما، أم يمكنه أن يعيش في المسافة الواقعة بينهما؟
يبدو أن الجواب بالنسبة إلى سليماني يكمن في الأدب نفسه. فالرواية لا تلغي هذه المسافة، لكنها تجعلها قابلة للعيش. ومن خلال الكتابة يمكن تحويل التمزق إلى مادة إبداعية، والبحث عن هوية لا يقوم على الانغلاق بل على الحركة الدائمة بين العوالم، لأن مثل الهوية كمثل اللغة، فهي ليست معطى ثابتاً، بل تجربة تتشكل باستمرار في عبور دائم بين الحدود.