Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكاتب خالد بوداوي يخوض الماراثون في صراع مع المرض

كتاب "سباق مع الوقت" يجعل الركض فعلا وجوديا يتعلّق بالحياةِ

الكاتب الجزائري خالد بوداوي خاض الماراثون في مواجهة المرض (سوشيل ميديا)

ملخص

عندَ الإصابةِ بمرضِ السرطان، قد نتوقعُ أيّ قصةٍ تروى سوى أن يغيّر هذا الداءُ حياةَ صاحبهِ إلى الأفضل! فأوّل ما يتبادرُ إلى الذهن، هو فكرةُ الحياةِ المهدّدة بالفناء، وموعدُ الموتِ القريبِ الذي يبدو مترقباً ومعلوماً على نحوٍ ما. ولا يكاد يتخيّل أن يصنعَ هذا المرض من المصابِ به بطلاً رياضياً وكاتباً مرهفاً، يُستضافُ في القنواتِ الإعلامية وتنظم ندوات في أوروبا لمناقشةِ تجربتهِ في التغلّب على الألم عبر الركضِ والكتابة.

هذه الحكاية يرويها كتاب Laps de temps ، الذي يمكن ترجمة عنوانه بما يوافق محتواه إلى: "سباقٍ مع الوقت"، وقد صدرَ للكاتب والصحافي الجزائري خالد بوداوي عن دار النشر الفرنسية نومبر7.

وتبدأ القصة عندما أبلغه طبيب في وهران، بأنّ أمامه أربعة أشهر فقط للعيش، عندها أدركَ خالد قيمة الحياة، وقرّرَ أن يحيا كلّ لحظةٍ متبقية، متحدياً قدراته الجسدية والذهنية، بالمشاركةِ في ماراثون يبلغ طوله 42195 كيلومتراً في باريس، وبتأليف كتاب سيرة ذاتية، يروي قصة صمودٍ في مواجهة مرضٍ مُميت.

مراوغة الموت

 يصفُ خالد بوداوي الركض بوصفه فعلاً وجودياً، إذ يعبّرُ عن غايته بأنّه لا يتعلّقُ بتحدّي المرضِ بحدّ ذاته، بقدر ما يتعلّق بالحياةِ نفسها. فهو يحاولُ إثباتَ فكرةِ الفوز ولكن ليسَ ضدّ الموت، لأنّنا لا نربحُ ضدّهُ أبداً، ولكن ضد الخوفِ منه قبلَ أن يحينَ موعدهُ المحتوم. أي أنّه يركضُ لا ليهربَ من الموت بل من الخوفِ الذي علقَ بجسدهِ كما لو أنّه التصقَ ببشرتهِ.

ينطلقُ خالد في كتابةِ حكايتهِ منذ لحظةِ اكتشاف المرض، وصدمة المهلةِ الزمنية القصيرة التي قيل إنّها متبقية له، وكيفَ نصحهُ طبيبٌ فرنسي بتقويةِ عضلاتهِ وممارسةِ الرياضة بالتزامنِ مع تلقي جلساتِ العلاج الكيماوي. ومن خلالِ تجربتهِ، يُبرهنُ صدقَ مقولةِ: "مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة"، فالمحاولاتُ الأولى للعدو لم تكن سهلة، إذ كان يعودُ مرهقاً بعدَ قطعه مسافات قصيرة، قبل أن يمرّنَ جسدهُ تدرجاً على التحمّل، حتى استطاع ركض كيلومتر كامل، ليصلَ طموحهُ إلى المشاركةِ في ماراثون باريس الذي تتجاوز مسافتهُ الـ40 كيلومتراً.

 يتحوّلُ الركضُ إلى مساحةٍ طويلةٍ للتأمّل، إلى حوارٍ صامت يدور بينَ الروحِ والجسد، ويؤكّد خالد أنّ على الإنسان أن يشغل ذهنه أثناء الركض كي لا تضجره رتابة العدو وإيقاع الحركة الجسدية، ولذلك كانت تجربته الأولى فارقة بالنسبةِ إليه، لأنّها مثّلت تأملاً ذاتياً حوّله لاحقاً إلى كلماتٍ مكتوبة، وإلى حكاية ملهمة لمرضى السرطان في العالم. فهو لا يطلبُ منهم أن يركضوا مثله، بل يعرضُ عليهم فقط الاحتمالات الممكنة، والرهانات المذهلة للجسد وقدرته على التحمّل.

أزمنة متداخلة

 يُعدّ الاسترجاع التقنيةَ المحرّكة للسرد في كتابِ سباقٍ معَ الوقت، إذ اعتمد خالد بوداوي الفلاش باك بصورة تلقائية ومتواصلة ليستعيد من الذاكرةِ أحداثاً سابقة تتقاطعُ مع حدثِ الماراثون. بهذا التوظيفِ، يحضرُ الماضي بتفاصيلهِ الحيّة في الزمنِ الحاضر، ويتداخلُ معه، حتى تتلاشى الحدودُ الزمنية بينهما، فيتحوّلانِ إلى زمنٍ واحد لفرطِ ترابطِ الأحداثِ في سلسلةٍ واحدة من الأسبابِ المتشابكةِ بالنتائج.

 أمّا الفضاءات المكانية فتتعدّد بين فضاءٍ أساسي متمّثل في ضواحي مدينة باريس، أينَ يُقامُ الماراثون، إلى جانب أمكنة أخرى تستدعيها الذاكرة، بينَ مدينةِ مارسيليا ووهران، وبلدةِ عين التركِ وشواطئها، والبيوت والعيادات التي تجري فيها بقيةُ الأحداثِ والحوارات.

فصولُ وكيلومترات

 يقسّمُ خالد بوداوي فصولَ الكتابِ إلى أقسامٍ معنونةٍ بكيلومترات، بدءاً من الكيلومتر صفر، وفقاً لمراحلِ الماراثونِ ولافتاتِ مسافاتهِ. وهي حيلةٌ سردية منحت العمل قالباً مختلفاً يقدّمُ نصاً أدبياً ذا بعدٍ رياضي وآخر إنساني، يكمّل كل منهما الآخر. فالكاتبُ تجنّبَ التركيز على ظروفِ المرضِ وأوجاعه كي لا يكونَ كتابهُ كئيباً وسوداوياً، ولكنّه في الوقتِ نفسه لا يغفلُ عن سردِ مواقفَ إنسانية عاشها ليشاركها مع قرائه، مثل خسارتهِ لعملهِ في الصحافةِ بسببِ المرض، وما تبع ذلك من تخلي الزملاءِ والأصدقاءِ عنه، ويعبّر عن تلك القطيعة وتوقف الاتصالات الواردة، قائلاً: "ماتَ هاتفي قبلي، ومعه ماتت كل العلاقات التي حسبتها وطيدة"، ثم يضيف أنّ الخيانة الكبرى جاءت من مجال الصحافة، الذي طالما اعتبره شغفه الأوّل والأوكسجين الذي يتنفسُ من خلالهِ.

 يتميّزُ أسلوبُ كتابة بوداوي ببساطةِ الحكي وعمقِ التأملات، وبكشفٍ عفوي للمشاعر من دون الانزلاقِ لاستعراضِ الوجع لاستجداءِ التعاطف. يستعيد الكاتب ذكريات خاصة كما لو كان يوشوش بها لنفسهِ، كتلك اللحظةِ التي كان عليهِ فيها أن يصارح فيها زوجتهُ عن وضعهِ الصحي ومهلةِ الأشهرٍ الأربعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 يروي خالد كيفَ جلس في غرفةِ نومه إلى جانبها على السرير، وهو يبحثُ عن الكلماتِ فيما تعبث يداهُ المتوترتان بطيّاتِ الملاءات، ليقولَ لها إنّه لن يعيش إلى جانبها طويلاً.  ثمّ يصفُ ابتسامتها الحزينة ويدها الدافئة التي شدّت على يده وهي تطمئنه بأنّها ستكونُ إلى جانبهِ وسيتجاوزان كل هذا، يقولُ خالد إنّ تلك الذكرى بقيت محفورةً في ذاكرتهِ وعضلاتهِ، وكأنّه يشعر بدفءِ يدها أثناءَ ركضه، وأنّ هذا الماراثون هو "بمثابةِ تكريمٍ لمثل تلك اللحظات، تلك الوعود الصامتة التي قطعناها في الظلام، لأذكّرُ نفسي في كل خطوة بأنّني حي وما أزالُ موجوداً".

الكتابة نفَسٌ آخر للبقاء

"أركضُ، أكتبُ، وأحيا" يقولُ بوداوي إنّ هذهِ الأفعال الثلاث قد تبدو مختلفة، غير أنّها تمثّل لهُ أفعالاً وجودية تحدّد هويتَه، فهو عندما يركضُ يتجاوز حدوده الجسدية، وعندما يكتب يجولُ في خبايا روحه، أمّا فعلُ الحياة فيجعله يكتشف المساحة الهشّة المشتركة بين العالمين المادي والروحي.

حين اكتشفَ خالد مرضه، راهنَ نفسه على عدّةِ تحدّيات، من بينها الكتابة، إذ وجد فيها ملاذاً للبقاء ووسيلةً للتعافي. لم يرغب خالد بترك ذكرى حزينة في ذاكرةِ طفليه عن والدهما، أب مريض وعاجز، لا يتوقف عن الشكوى من الألم، إنّما اجتهد في رسمِ صورةِ أبٍ رفضَ الاستسلام، وقدّم كل ما لديهِ ليحيا الحياة التي تليق به.

ولعلّ كتابة الرواية ظلّت حلماً مؤجلاً بالنسبةِ إليه، إلى أن وجدَ الطريقَ إليها عندما حان الوقتُ المناسب. وبدلاً من أن يكتبَ خالد بلغتهِ العربية الأم، التي اعتادَ كتابة مواده الصحافية بها، قرّرَ الكتابةَ بلغةِ موليير، نكايةً بخيباتهِ من الصحافةِ وربما من الوسطِ المعرّبِ الذي خذله.  فكتبَ روايتين باللغةِ الفرنسية ثمّ نشر عملهُ الأخير "سباق مع الوقت"، الذي نال حظاً من النجاح في أوروبا أكثر من الروايتين، ولعلّ السبب يعود إلى كونه سيرة ذاتية تلهمُ القرّاء التمسكِ بالحياة ليكونوا أشخاصاً أفضل من نسخهم السابقة والضعيفة.

 يتضمّن العمل الكثير من الحوارات الفلسفية حول المرض والحياة والموت، ففي الفصل 37 كلم مثلاً يصغي خالد إلى وشوشاتِ السرطان أثناء ركضه في الماراثون، إذ يقول له "أنا معك منذ البداية، في كل خلية من جسمك، حاضر في لحظات ضعفك، وفي لحظات شكك ولحظات انتصارك".

 يسأله خالد "لماذا عدت اليوم؟" فيرد المرض: "لم أغادرك قط، كل ما في الأمر أنّكَ تعلمتَ كيف تتعايش معي". وفي تأملاتٍ أخرى، يباغتُ الموتَ خالد بسؤال "ولهذا السبب لا تزال تقاومني؟ لأنك تعلم أنني آتٍ، عاجلاً أم آجلاً؟"، فيجيبه "كلاّ أنا لا أقاومك، أنا أقبلك كصديقٍ قديم، أنت حاضر هنا إلى جانبي في كل لحظة، ولكن ما دامت ساقاي تتحركّان، وما دمتُ أتنفس، فأنا أختار الحياة".

 ينتهي كتابُ "سباقٍ مع الوقت" بإهداءٍ مكتوب يُترجمُ صورةَ الغلاف، التي تعرضُ طريقاً طويلاً يصطفُ على جانبيه متفرجون يصفقون لرجلٍ يتأمّلُ يديهِ بدهشة، وكأنّهُ لا يصدّقُ أنّه تمكّن من اجتيازِ خط الوصول على رغم كل ما اعترضهُ من تعب.

نرى وجوهاً باسمة مشجّعة، من بينها طبيب يقف بمئزره الأبيض، يصفّقُ للعدّاء الذي أدهشَ بعزيمتهِ كلّ من عرفَ قصتهِ. وفي مكالمةٍ حديثة جمعتنا بخالد بوداوي، أخبرنا أنّه لا يزالُ يكتب، ويركض متعايشاً مع المرض منذ نهاية عام 2012 إلى اليوم، وقد نجح هذا العام في تحدٍ جديد، إذ قطعَ مسافة 98 كيلومتراً بدراجة هوائية في حدث رياضي أقيم في تاغيت.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة