Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد قصف الاستخبارات... رقعة الاستهدافات العراقية تتسع

قلق أمني بعدما طاولت الهجمات مؤسسات سيادية ومن قبلها بعثات دبلوماسية وقواعد عسكرية ومنشآت حيوية

الصراع الإقليمي بدأ يعاد إنتاجه داخل العراق ولكن بأدوات أكثر حساسية وتأثيراً (أ ف ب)

ملخص

في السابق، كانت الهجمات تتركز على أهداف خارجية أو ذات ارتباط مباشر بالوجود الدولي، مثل السفارات والقواعد العسكرية التابعة للتحالف الدولي، لكن استهداف جهاز الاستخبارات يشير إلى انتقال واضح نحو ضرب مراكز الثقل السيادي داخل الدولة العراقية نفسها.

في مشهد يعكس تصاعد التوترات الأمنية في العراق على وقع الحرب الإقليمية، تعرض مقر جهاز الاستخبارات الوطني العراقي في منطقة المنصور، غرب بغداد، صباح أمس السبت إلى استهداف بطائرة مسيرة، في حادثة وصفت بأنها واحدة من أخطر الهجمات التي طاولت مؤسسة سيادية حساسة خلال الفترة الأخيرة.

الهجوم الذي وقع عند الساعة الـ10 صباحاً بحسب بيان الجهاز، أسفر عن مقتل أحد ضباط الاستخبارات أثناء أداء واجبه، فيما دوى انفجار كبير في جانب الكرخ، تزامناً مع تصاعد أعمدة الدخان من محيط الموقع المستهدف، مما أثار حالاً من القلق في الأوساط الأمنية والشعبية على حد سواء.

الهجوم لم يكن مجرد حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة استهدافات متصاعدة طاولت خلال الأيام الماضية بعثات دبلوماسية وقواعد عسكرية ومنشآت حيوية، ليتوسع الآن إلى واحدة من أكثر المؤسسات السيادية حساسية في الدولة.

وأكد جهاز الاستخبارات العراقي في بيان أن "العملية نفذتها جهات خارجة عن القانون، في محاولة يائسة لثنيه عن أداء دوره المهني"، مشدداً على أن "هذه الممارسات لن تزيده إلا صلابة وإصراراً على ملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة".

ما الذي يجري؟

في السابق، كانت الهجمات تتركز على أهداف خارجية أو ذات ارتباط مباشر بالوجود الدولي، مثل السفارات والقواعد العسكرية التابعة للتحالف الدولي، لكن استهداف جهاز الاستخبارات يشير إلى انتقال واضح نحو ضرب مراكز الثقل السيادي داخل الدولة العراقية نفسها.

هذا التحول، بحسب محللين، يعكس ثلاث رسائل رئيسة، أولاً لم تعد الهجمات محصورة بردود فعل على وجود أجنبي، بل باتت تستهدف بنية الدولة الأمنية، ثانياً هناك محاولة لإضعاف أدوات الدولة الاستخباراتية التي تمثل خط الدفاع الأول ضد التهديدات.

وأخيراً، الصراع الإقليمي بدأ يعاد إنتاجه داخل العراق، ولكن بأدوات أكثر حساسية وتأثيراً.

إدانات سياسية وتوافق نادر

الهجوم حظي بإدانات واسعة من مختلف القوى السياسية، في مشهد يعكس إجماعاً نادراً على خطورة استهداف جهاز سيادي.

رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، اعتبر أن "الاعتداء يمثل تجاوزاً خطراً يستوجب موقفاً حازماً"، فيما دعا رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي إلى الانتقال من "مرحلة البيانات إلى الإجراءات الفعلية والقرارات الحاسمة".

أما الإطار التنسيقي، فوصف الهجوم بأنه "عمل إرهابي يستهدف هيبة الدولة"، في حين ذهب رئيس كتلة الإعمار والتنمية بهاء الأعرجي إلى أبعد من ذلك، مطالباً الفصائل المسلحة بإيقاف عملياتها فوراً "لعزل المخربين وكشف رؤوس الفتنة".

وفي السياق ذاته، شدد تحالف السيادة وتيار الخط الوطني على ضرورة فتح تحقيق عاجل وتعزيز الإجراءات الأمنية حول المؤسسات الحيوية، مع تأكيد دعم الأجهزة الأمنية في مواجهة التحديات.

سياق إقليمي ملتهب

لا يمكن فصل هذا الاستهداف عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ يأتي بعد أسابيع من اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، التي انعكست بصورة مباشرة على الساحة العراقية.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الهجمات التي تستهدف القواعد العسكرية والمقار الدبلوماسية، خصوصاً من قبل فصائل مسلحة مقربة من إيران، في مقابل ردود عسكرية أميركية استهدفت مواقع لتلك الفصائل داخل العراق.

هذا التصعيد المتبادل جعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يفسر، بحسب مراقبين، انتقال الاستهداف إلى مؤسسات سيادية حساسة كجهاز الاستخبارات.

محاولة ضغط في لحظة إقليمية حرجة

يقول المحلل الأمني اللواء المتقاعد علي حسين، في حديثه، إن استهداف جهاز الاستخبارات بطائرة مسيرة يمثل تطوراً نوعياً، مبيناً أن الهجوم لا يتعلق فقط بإيقاع خسائر، بل بقياس مستوى الردع والاستخبار المسبق، وهذا ما يضع الأجهزة الأمنية أمام تحد مزدوج، لمنع التكرار وكشف الجهة المنفذة بدقة.

من جانبه يوضح المحلل السياسي علي الكعبي أن "الهجوم يحمل رسائل سياسية بامتياز، تتجاوز البعد الأمني المباشر"، مبيناً أن "هناك محاولة للضغط على الدولة العراقية في لحظة إقليمية حرجة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع الكعبي قوله "بعض الفاعلين المسلحين يسعون إلى فرض معادلة جديدة داخل العراق، مفادها أن قرار الحرب والسلم لم يعد حصراً بيد الدولة"، لافتاً إلى أن استهداف جهاز سيادي بهذا الحجم هو رسالة تحد واضحة، ويحذر من أن استمرار هذه الهجمات من دون رد حازم سيؤدي إلى تآكل هيبة الدولة تدريجاً.

أما الباحث في الشؤون المحلية والإقليمية عمر الجنابي فيربط الحادثة مباشرة بالحرب الدائرة في المنطقة، قائلاً إن "العراق بات ساحة لتبادل الرسائل بين أطراف الصراع، خصوصاً في ظل تداخل النفوذ".

ويشير الجنابي إلى أن "استهداف جهاز الاستخبارات قد يكون جزءاً من تصعيد محسوب يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك داخل العراق"، مضيفاً أن "المشكلة تكمن في أن هذه الرسائل تترجم على الأرض العراقية، مما يضاعف كلفة الصراع على الداخل".

الأعرجي وخيار التهدئة

في خضم هذا التصعيد، يبرز تكليف مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي بفتح قنوات تهدئة مع الفصائل المسلحة، كخطوة تحاول احتواء الموقف ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من الفوضى، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية في العراق.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المهمة مرهون بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين فرض هيبة الدولة وفتح باب الحوار، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية.

إلى أين تتجه الأمور؟

الهجوم على جهاز الاستخبارات العراقي لا يبدو حادثة معزولة، بل مؤشر إلى مرحلة أكثر تعقيداً قد يشهدها العراق في ظل استمرار الحرب الإقليمية.

وبين دعوات التهدئة والتحذيرات من التصعيد، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة العراقية استعادة زمام المبادرة؟ أم أن البلاد ستبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟ وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو أن الإجابة ستعتمد على سرعة التحرك الحكومي، وقدرة الأجهزة الأمنية على كشف خيوط الهجوم، والأهم من ذلك، وجود قرار سياسي جامع يضع أمن العراق فوق كل الاعتبارات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير