Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما تساهم الحكاية النسائية في تكوين النسق الثقافي

ميرال الطحاوي تتناول التراث الشفوي لدى الأقلية في "بنت شيخ العربان"

الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي (دار العين - القاهرة)

توجد حكايات النساء بوفرة، لكنها كانت محتاجة إلى خطاب ينظمها، وإلى شجاعة تتخلى فيها الكاتبة عن الأقنعة اللغوية، لتسفر عن وجهها الشخصي الناتج من تجربتها "الغنوصية" مع ذاتها، وتجربتها اليومية مع السلطة. ذلك أنه بحسب الكاتبة والمنظّرة النسوية الفرنسية هيلين سيكسو، فإن المرأة تظهر بوصفها موضوعاً للتاريخ في أمكنة عدة بتزامن، غافلة عن توحيد أوتنظيم التاريخ الذي يجانس القوى ويوجهها، جامعاً التناقضات في ساحة معركة واحدة.  ففي المرأة يندمج التاريخ الشخصي مع تاريخ جميع النساء، وكذلك مع التاريخ القومي والعالمي.

بُنيت، اعتماداً على ذلك التشابك بين الخاص النسوي والعام القومي، نصوص تنظيرية غير تخييلية لكاتبات عربيات، فتأسست على الحكاية الشخصية للكاتبة، مثلما فعلت نوال السعداوي في عدد من أعمالها، ومنها "توأم السلطة والجنس" و "الوجه العاري للمرأة العربية"، وكذلك فعلت فاطمة المرنيسي في معظم أعمالها، ويمكن أن نشير إلى "شهرزاد ترحل إلى الغرب"، إذ تفتتحه بحكاية المرأة التي تلبس كسوة الريش، لتربطها بحكايتها الشخصية مع جدتها ياسمين، فتخلص منها إلى موضوعة فكرية تتعلق بالعلاقة بين الذات والآخر، وبين نسق ثقافي اجتماعي وآخر.

نجد نموذجاً آخر من العلاقة بين الحكاية الشخصية للمرأة وحكاية تأسيس النسق الثقافي الاجتماعي وتطوره في مفتتح كتابها "شهرزاد ليست مغربية" ، وموضوعه تعليم النساء في المغرب، من أجل وضع المغرب في قلب مجتمع المعرفة. استعملت كاتبات غربيات حكاياتهن الشخصية في إطار تنظيري نقدي، غير تخييلي، من مثل النيجيرية تشيماندا نغوزي أديتشي، في كتابها "علينا جميعاً أن نكون نسويات"، وجوليا كريستيفا في "قصص حب".

حكايات شخصية

تبني ميرال الطحاوي كتابها "بنت شيخ العربان - دراسة في التاريخ الثقافي والتراث الشفاهي للعربان في مصر" (دار العين 2020)، على مجموعة من الحكايات الشخصية التي يشتبك فيها النسوي مع الإثني، وغالباً ما تنطلق من الوجه الجمالي للثقافة لتكشف عن الوجه الأنثروبولوجي.

يطرح الكتاب موضوع العربان كأقلية عرقية في مصر، لكن هذه الموضوعة تتبدى برؤية تنتمي إلى حقل ما بعد النسوية، أو الخصوصية الثقافية النسوية، إذ تطرح ظواهر الواقع والنصوص المتعلقة بها من وجهة نظر النساء في سياق "التاريخانية" الجديدة. ينبني النص بالجدل بين الذاكرة والبحث في المراجع والمنهجية الأكاديمية، وتتجلى البداية بحكاية تروي تفاصيل طفولة الكاتبة، لكنها تروي أيضاً حكاية النسق الثقافي (عربان مصر)، "في المقعد المدرسي كنا أربع صغيرات نوزع حصص الحكي، وننصت بشغف لمن عليه الدور القادم. أقول للبنات إنني ابنة عرب، وأتركهن يفسرن هويتي كما يتخيلنها".

 تبحث الأسئلة الكبرى المتعلقة بالنسق الثقافي النسوي أو الإثني عن جذورها في الطفولة، لتنظم بالخبرة التاريخية المبنية على الوعي والمعرفة والأيديولوجيا في خطابات. ذلك أن سؤال الهوية لا يكف عن التردد، وهو يحتاج إلى مراجعات مستمرة مع كل مرحلة من مراحل النضج الذاتي، أو التحولات التاريخية: "في محاولة لفهم هذه العلاقة قلّبت كثيراً في كتب التاريخ والهجرات والتراث القبلي، عن مساحة أستطيع أن أفهم منها موقعنا الوجودي، نحن "عربان مصر" كأقلية عرقية، ولكن كان التاريخ الرسمي ضنيناً بتدوين هوامش المتن، ولم نكن الهامش الوحيد الذي لم يحظ بعنايته. فقد أغفل هذا التاريخ الرسمي كثيراً من الصراعات بين الأقليات الإثنية والعرقية، على أمل أن يكفل التجاهل رسم صور أجمل للواقع الشائك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا تشير الطحاوي إلى أن روايات النساء تسد بوضوح الفجوات التي صنعتها الرواية الرسمية للتاريخ كي تبدو منسجمة ومتماسكة، وبعيدة عن أية رواية جزئية أو حتى "مايكرو رواية" تدحض هذا التماسك. تلجأ الكاتبة الباحثة إلى الحكاية الشخصية، بما فيها حكاية العائلة، التي تصير سنداً معرفياً لحكاية النسق، موضوع البحث: "جدتي التي كانت تجلس على فرشها، وتحكي عن جمل وجمال، وتهزج بمغاني البدوان، أهدتني أهازيجها... ستصنع جدتي تاريخ البشر الخاص بها".

تتوالى الحكايات الشخصية بهذه الجدلية بين الشخصي والموضوعي، وبين الخاص والعام، وتفضي الحكاية الشخصية التي تتعلق بالكاتبة ومحيطها، بحلقاته القريبة والبعيدة إلى نقد النسق الثقافي بتكويناته السلطوية. وتكف الحكاية الشخصية عن أن تكون خاصة، إذ تصير حكاية المرأة في البنية الثقافية الاجتماعية. لكنها هذه المرة ونتيجة الوعي النسوي، ستكون أيديولوجية ومدرجة في خطاب ولها سلطة، ومكوناً رئيساً لسردية النسق الثقافي.

المزيد من ثقافة