ملخص
بينما تتداول الأوساط السياسية في الولايات المتحدة ومعها بلدان الاتحاد الأوروبي أبعاد الخلافات التي تكاد تطيح ما يبدو من اجتماع نسبي حول تأييد الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران، خصماً من اهتمام هذه الأوساط بما كاد الرئيس الأميركي أن يجنيه من ثمار وساطته وما يطرحه من نقاط لبلوغ التسوية المنشودة للخروج من الأزمة الأوكرانية، يعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صدارة المشهد الذي لم يكن قد بارحه في حقيقة الأمر.
مع استمرار العدوان الإسرائيلي - الأميركي ضد إيران لزهاء الأسبوعين، ثمة من يتساءل عن حقيقة القوة العسكرية الأميركية ومدى تفوقها التكنولوجي، فضلاً عن فشل المحاولات التي تستهدف استمالة الشارع الإيراني إلى مخططات إطاحة السلطة القائمة في طهران. وها هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب يبادر بالاتصال بنظيره الروسي فلاديمير بوتين بحثاً عن مخرج من الأزمة القائمة، والتوصل إلى وقف الحرب بما يحفظ له ماء وجهه، والخروج من الورطة التي دفعه إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أوفد بوتين مبعوثه الشخصي رفيع المستوى كيريل دميتريف إلى فلوريدا للاجتماع مع الممثل الخاص لترمب، ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، اللذين كانا قد تراجعا عن زيارتيهما إلى إسرائيل، في وقت تنتشر الإشاعات حول ما يشوب فريق الرئيس الأميركي من تصدعات طاولت أقرب أعضاء فريقه. وكان قد لوحظ ابتعاد نائب الرئيس جي دي فانس عن صدارة المشهد السياسي مع بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية - الأميركية، من واقع مواقفه التي كثيراً ما روجت خلال حملاته الانتخابية إلى جوار ترمب لتفادي الحرب ضد إيران، على عكس ما دعا إليه وزير الخارجية ماركو روبيو الذي سرعان ما انتزع إلى جانب منصبه السامي أمانة مجلس الأمن القومي، ليكون أول من يجمع بين هذين المنصبين منذ هنري كيسنجر في مطلع سبعينيات القرن الماضي. في وقت بدأ الحديث تتزايد وتيرته حول احتمالات وقوف الرئيس الأميركي إلى جانب ترشحه رئيساً للولايات المتحدة في الدورة المقبلة، خصماً من مواقع جي دي فانس الذي قد يقدم على الترشح مباشرة لمنصب الرئيس القادم.
هل بوتين الرابح الأكبر؟
وبينما تتداول الأوساط السياسية في الولايات المتحدة ومعها بلدان الاتحاد الأوروبي أبعاد الخلافات التي تكاد تطيح ما يبدو من اجتماع نسبي حول تأييد الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران، خصماً من اهتمام هذه الأوساط بما كاد الرئيس الأميركي أن يجنيه من ثمار وساطته وما يطرحه من نقاط لبلوغ التسوية المنشودة للخروج من الأزمة الأوكرانية، يعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى صدارة المشهد الذي لم يكن قد بارحه في حقيقة الأمر، بل وكان بوتين تخلى عن سابق حرصه على تمويه مواقفه تجاه دعم إيران والتزامه ما سبق ووقعه معها من "شراكة استراتيجية"، وإمدادها بالمعلومات اللوجيستية التي استفادت منها في قصف القواعد العسكرية الأميركية، وهو ما تناوله الزعيمان الروسي والأميركي في مكالمتهما الهاتفية التي طالت لما يزيد على الساعة، بحسب مراقبين في الداخل الروسي وخارجه. ولم لا وكلاهما يدرك يقيناً ما يفعله الآخر منذ ما قبل بداية اندلاع الأزمة الأوكرانية في 2014، وهو ما زادت وتيرته مع بداية "العملية الروسية العسكرية" الخاصة في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وما إن انتهت المكالمة الهاتفية بين بوتين وترمب، حتى غدا كثير من تفاصيلها حديث العالم بأسره، بما في ذلك ما أعلنه ترمب حول موقفه مما سبق وفرضته الولايات المتحدة من قيود وعقوبات ضد صادرات روسيا من النفط والغاز. وننقل عن الباحث في معهد الولايات المتحدة وكندا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم بافيل كوشكين، ما قاله حول أن دونالد ترمب قد يئس على ما يبدو من تحقيق نتائج سريعة في إيران، وهو الآن يتراجع لأن الديناميكيات السياسية الداخلية تعمل ضده، فقد ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة 17 في المئة الأسبوع الماضي، والأميركيون غير راضين، والعملية ضد إيران تقسم معسكر مؤيدي ترمب، كذلك فإن من المرجح أن ترمب كان يأمل، وسط الضربات المكثفة واغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، أن يصل شخص أكثر مرونة إلى قمة السلطة في إيران، ولكن بدلاً من ذلك تم انتخاب مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وأحد قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية - العراقية (1980-1988)، مرشداً أعلى جديداً. وفي ظل هذه الخلفية يحاول ترمب أخذ استراحة، وتجنب مزيد من الخسائر، والحديث عن تحقيق أهدافه العسكرية.
ونقلت شبكة قنوات تلفزيون "سي أن أن" عن المحلل السياسي ستيفن كولينسون، ما قاله حول أن بوتين سيخرج الرابح الأكبر من أزمة الشرق الأوسط. وعزا كولينسون ما قاله بهذا الصدد إلى أن أرباح النفط تعد أحد مكاسب روسيا من الحرب، على النقيض من الولايات المتحدة التي ثمة من يقول إنها أنفقت في الأيام الأولى للحرب ضد إيران ما يقدر بمليار دولار، وتلك كانت مخصصة في الأصل لدعم أوكرانيا، بحسب ما أشارت "سي أن أن".
وأضاف المحلل السياسي الأميركي أن الحرب ضد إيران بلغت وضعاً معقداً مما يجعل إعلان الرئيس الأميركي انتصاره في هذه الحرب يبدو سابقاً لأوانه وغير واقعي، وسط مؤشرات تقول بخروج الحرب تدريجاً عن السيطرة مع تزايد تبعاتها الإقليمية والدولية تعقيداً.
في هذا الصدد أشار المتخصص في شؤون الطاقة والحائز جائزة "بوليتزر" ونائب رئيس شركةS&P Global، دانيال يرجين، إلى أن بوتين أدلى بتصريحات حول صدمة أسعار النفط قبل يومين فقط خلال اجتماع في "الكرملين"، وأضاف يرجين لمراسلة شبكة "سي أن أن" إيرين بورنيت "لقد فاز فلاديمير بوتين باليانصيب، وهو الآن من بين الفائزين لأن أسعار النفط ترتفع، وخزائن جيشه تمتلئ تلقائياً، علاوة على ذلك يتم رفع العقوبات".
وأشار مراقبون كثر إلى أنه "سيكون تحولاً غير متوقع للأحداث إذا خرج بوتين رابحاً رئيساً من أزمة الشرق الأوسط المتصاعدة، على رغم أن ترمب هو من أشعل فتيل الحرب، وكان من أهم أسباب زعزعة استقرار الأسواق العالمية"، إلى جانب ما يتبدى من ارتباك في صفوف الاتحاد الأوروبي.
ارتباك الاتحاد الأوروبي
ولعل أبرز الخلافات التي تعصف بما بقي من وحدة بلدان الاتحاد الأوروبي ما يظهر جلياً في علاقات رئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان مع النسق الأعلى لقيادات الاتحاد، التي ترتبط مع الرئيس الأوكراني بعلاقات تتجاوز الحدود المتعارف عليها. وكان أوربان أماط اللثام عما يتعرض له من تهديدات أوكرانية ضد عائلته، وقال إنها تتعلق بأبنائه الخمسة وأحفاده الستة. ونشر مقطع فيديو لمحادثات هاتفية مع أقاربه على موقع "فيسبوك" المحظور في روسيا منذ بداية "الحرب الأوكرانية". وأذاع التلفزيون الروسي بمختلف قنواته الإخبارية الرسمية ما صدر عن السياسي الأوكراني، والنائب السابق في البرلمان، وضابط جهاز الأمن الأوكراني السابق غريغوري أوميلتشينكو، من "مزاعم" امتلاكه معلومات حول تحركات أوربان، وتحذيراته من عواقب وخيمة تتعلق بأبنائه وأحفاده إذا لم يغير رئيس الوزراء المجري مواقفه من أوكرانيا. وذكرت صحيفة "Magyar Nemzet" المجرية أن أوميلتشينكو صرح سابقاً في مقابلة مع قناة "بريامي" التلفزيونية الأوكرانية بأنه يريد معرفة ما يقصده أوربان بـ"كسر الحصار النفطي الأوكراني" الذي يفرضه زيلينسكي حول المجر وسلوفاكيا.
أما عما يهدد وحدة بلدان الاتحاد الأوروبي فقد تناولته صحيفة "إزفيستيا" في ما كتبته كسينيا لوجينوفا تحت عنوان " فضيحة في عائلة نبيلة: الوحدة الأوروبية تتصدع". وتناولت لوجينوفا الخلافات بين بلدان الاتحاد حول قضايا السياسة الخارجية الرئيسة. وقالت إنها تشمل العلاقات مع روسيا، والصراع الأوكراني، وتصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، وأزمات الهجرة والطاقة. كذلك أشارت إلى الصراع الشخصي الذي يعوق عملية تطبيع العلاقات الشخصية بين مفوضة السياسة الخارجية لبلدان الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. فضلاً عن توقعات صحيفة "ريبوبليكا" الإيطالية حول انهيار وشيك للاتحاد عزته إلى أسباب عدة، منها تزايد انعدام الثقة بين ألمانيا وفرنسا في أعقاب ما أعرب عنه المستشار الألماني فريدريش ميرتس من استياء بالغ حيال فشل محاولة مصادرة الأصول الروسية، مما أجبر الدول الأوروبية في نهاية المطاف على الموافقة على تقديم مساعدات بقيمة 90 مليار يورو (103.17 مليار دولار) لكييف. ويعتقد ميرتس أنه وقع ضحية لهذا الفخ بتحريض من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
وكان الرئيس الفرنسي أرسل مذكرة إلى برلين، يؤكد فيها أنه حذر ميرتس من عبثية التفاؤل بنجاح محاولات مصادرة الأصول الروسية، إلا أن هذا الأمر لم يسفر إلا عن تصعيد الموقف، وذلك إلى جانب اختلاف مواقف برلين وباريس في شأن استخدام سندات اليورو، ومعارضة ماكرون لرغبة ألمانيا في تعليق إصدارها مستقبلاً، وتعليق إبرام أية اتفاقية مع دول السوق المشتركة لأميركا الجنوبية.
ورداً على ذلك، اقترح ميرتس إنشاء نظام دفاع أوروبي قائم على جيوش الاتحاد، ونتيجة لذلك، أدت الخلافات حول هذه القضية إلى ظهور معسكرين داخل الاتحاد الأوروبي: أحدهما بقيادة ألمانيا، بدعم من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والآخر بقيادة فرنسا، بدعم من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وقادة عدد من دول أوروبا الشرقية، إلا أن هناك قضايا أخرى تحول دون توصل الدولتين إلى اتفاق.
وأعرب الرئيس البولندي كارول نافروتسكي عن استيائه من تصرفات ألمانيا، ولمح إلى أن برلين، في إطار برنامج الاتحاد الأوروبي للعسكرة "SAFE"، قد تحاول الاستفادة من وارسو، وإذ أكد نافروتسكي اهتمام الجميع بضمان ألا يتحول برنامج "SAFE" إلى "خطة إنقاذ لاقتصاد ألمانيا المتعثر" على حد تعبيره، أشار إلى أن ألمانيا، على العكس من بولندا، لم تستخدم برنامج القروض العسكرية، فضلاً عما طالب به من معلومات حول كيفية إنفاق برلين لهذه الأموال.
ويعد التعزيز المفاجئ للقوات المسلحة الألمانية تناقضاً آخر في علاقات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب ما تثيره طموحات ألمانيا من قلق بالغ لدى فرنسا تجاه أن تصبح القوة العسكرية الجديدة للاتحاد الأوروبي. وتخشى باريس أن يغير هذا من موازين القوى السياسية على وقع ما بدا من إجماع ضمني حول مسؤولية ألمانيا عن الشؤون المالية للاتحاد الأوروبي، بينما تتولى فرنسا مسؤولية الشؤون العسكرية.
جنوح نحو "العسكرة"
وكانت صحيفة "إزفيستيا" أشارت إلى أن ألمانيا تخطط لإنفاق ما يقارب 3.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2029، أي ما يعادل 153 مليار يورو (175.39 مليار دولار)، وفي الوقت نفسه تسعى ألمانيا إلى منع نقل صلاحيات أوسع نطاقاً في مجال شراء الأسلحة إلى المفوضية الأوروبية، وتعتزم الاعتماد كلياً على صناعتها الدفاعية الوطنية. وقد حصل موقع "بوليتيكو" على وثائق مشتريات عامة تكشف عن خطط ألمانيا للتفاوض على عقود دفاعية بقيمة 83 مليار يورو (95.15 مليار دولار) من خلال البرلمان الألماني (البوندستاغ) بحلول نهاية عام 2026. وتشمل الخطة الألمانية طويلة الأجل أكثر من 320 برنامجاً للأسلحة بقيمة 377 مليار يورو (432.17 مليار دولار). ومع ذلك، فإن الخلافات الرئيسة داخل الاتحاد الأوروبي تتمحور حول الصراع الأوكراني، ومن هذا المنظور تتزايد أعداد الدول التي تتبنى نهجاً عملياً في السياسة الخارجية، التي تعرب عن دعمها للمفاوضات مع روسيا.
ومضت الصحيفة الروسية لتنقل عن نائب مدير مركز الاقتصاد الشامل والعلاقات الدولية ديمتري سوسلوف، ما قاله حول وجود تناقضات وخلافات كثيرة بين الدول الأوروبية حول قضايا الأمن، تتعلق بالدرجة الأولى بالعلاقات مع روسيا، وتقييمها كتهديد محتمل، أو تهديد قائم، أو شريك مرتقب للدول الأوروبية. وقال سوسلوف إن الدول الإسكندنافية ودول البلطيق، إضافة إلى بولندا وألمانيا، تنظر إلى روسيا بوصفها تهديداً لأمنها، أما بالنسبة إلى دول جنوب أوروبا وبعض دول شرق أوروبا، فضلاً عن فرنسا، فإنها لا تشكل بالنسبة إلى روسيا تهديداً وجودياً.
وأعرب سوسلوف عن اعتقاده أن التناقض الثاني داخل الاتحاد الأوروبي يتمثل في اختلاف المواقف تجاه الولايات المتحدة، والعلاقات عبر الأطلسي، ودور واشنطن في أوروبا، ومدى الاعتماد عليها، فضلاً عما أشار إليه في شأن أن "الدول الأقل خوفاً من روسيا تبدو أقل استعداداً لتحمل الإذلال من الولايات المتحدة، وأكثر تأييداً للاستقلال الأوروبي في المسائل الأمنية" على حد تعبيره.
ولفت إلى وجود تناقضات تاريخية بين الدول الأوروبية، فضلاً عما يراودها من مخاوف عميقة وعداء تاريخي مع ألمانيا يطفو على السطح مجدداً. وكشف كذلك عن أن هذه التناقضات والمخاوف المتأصلة كانت محصورة، فترة من الزمن، بفضل الهيمنة الأميركية، إلا أن هذه الهيمنة على أوروبا تتراجع اليوم، بينما تعرب الولايات المتحدة صراحة عن رغبتها في تقليص تدخلها في الشؤون الأوروبية.
وخلص إلى القول إن "البولنديين والألمان، والألمان والفرنسيين، كانوا يتسامحون في ما بينهم ويتجاوزون خلافاتهم عندما كانوا تحت سيطرة الأميركيين، ولكن عندما يتراجع مستوى الهيمنة الأميركية، تعود المخاوف والتناقضات التاريخية إلى الظهور فوراً"، وذلك ما يزيد من قتامة الصورة ويجعل الموقف الأوروبي أكثر ضبابية.