Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردن وترتيب أوراق السيادة من اليرموك إلى الأنبار

عمان تريد منع تحول حدودها إلى "ساعي بريد" بين إيران وإسرائيل عبر يقظة استخباراتية وجدران صد دبلوماسية

معبر الكرامة - طريبيل الحدودي مع العراق من الجانب الأردني (صلاح ملكاوي)

ملخص

يتحرك الأردن في حقل ألغام حدودي ويسعى إلى ضبط الفوضى على أطرافه وحرس الحدود في حال استنفار 360 درجة. 

على إيقاع الحرب بين إيران وإسرائيل وأميركا وتداعياتها العابرة للحدود، يجد الأردن نفسه مرغماً على السير فوق حقل ألغام جيوسياسي، في مهمة معقدة لترويض الفوضى الزاحفة من الأطراف.

وبينما تنشغل المنطقة بضجيج المدافع تخوض عمان حرباً صامتة من طراز رفيع وقودها اليقظة الاستخباراتية وجدران الصد الدبلوماسية، لمواجهة ثلاثية تهديدات تطوق الأردن في آن، إذ لم يعد القلق السيادي أردنياً محصوراً في تسلل عابر أو شحنة مخدرات خلفها مهربون، بل يتجاوز ذلك إلى استشعار مخاوف أمنية عنوانها فوضى الفصائل شرقاً على تخوم الأنبار، وطموحات التوسع غرباً التي يغذيها اليمين الإسرائيلي، وفراغ السلطة شمالاً في الجنوب السوري بتركيبته المعقدة.

ومع الجولات الحدودية المكثفة لرئيس الأركان الأردني اللواء يوسف الحنيطي، تبعث عمان برسائل خشنة لا تقبل التأويل حول الأمن القومي للبلاد.

رسائل حازمة لبغداد

تقول مصادر قريبة من الحكومة الأردنية لـ"اندبندنت عربية" إن عمان تدرك أن استقرار العراق هو مصلحة أردنية، لكن التجاذبات الداخلية العراقية بدأت تتجاوز حدودها إلى ما يمكن وصفه بإثارة القلق والتهديد المباشر للسيادة الأردنية وتصدير أزمات إيران الإقليمية.

وتوضح المصادر أن "هذه التجاذبات دفعت الأردن إلى توجيه رسالة واضحة ومباشرة لبغداد مفادها ضرورة منع ’الحشد الشعبي‘ من تحويل الحدود إلى منصة استعراضية، خشية تكرار سيناريوهات ’الزحف المليوني‘ قبل نحو عام، واستخدامه كأداة ضغط سياسي أو ورقة لزعزعة الاستقرار الداخلي تحت غطاء مقاومة إسرائيل".

ويشكل ملف الحدود الشرقية للأردن مع العراق منطقة قلق استراتيجي عميق لصناع القرار في عمان، فالمسألة لا تقتصر على مجرد تأمين حدود، بل تتعلق بصدام محتمل مع الفصائل التي يمثلها "الحشد الشعبي" أو الفصائل الموالية لإيران.

ويفسر مراقبون هذا القلق بالقول إن الأردن اليوم لا يكتفي بدور المراقب، بل يمارس ضغوطاً وقائية لضمان عدم تحول حدوده إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وتخشى عمان من "الأدلجة" التي تحملها هذه الفصائل، على اعتبار أن الحشد الشعبي مشروع سياسي وعقائدي يتقاطع مع المشروع الإيراني "الهلال الشيعي" (وهو المصطلح الذي أطلقه الملك عبدالله الثاني عام 2004 وحذر منه مبكراً).

ووسط مخاوف التحريض الداخلي، ثمة من يحذر من محاولات هذه الفصائل تثوير الشارع الأردني، كما حدث خلال حرب غزة حين حاولت فصائل عراقية تسليح مواطنين أردنيين أو الزحف نحو الحدود تحت شعارات مناصرة القضية الفلسطينية.

خطر وجودي

يؤكد المحلل السياسي ماهر أبو طير أنه إذا كانت الجبهة الشمالية (سوريا) تمثل تعقيداً سياسياً، فإن الجبهة الشرقية مع العراق تعد في الحسابات السيادية الأردنية الخطر الوجودي الأول.

ويقول أبو طير إن العراق اليوم يقف على حافة "اللبننة" وتخشى عمان من استنساخ النموذج اللبناني في بغداد، وتحول الجار الشرقي إلى ساحة صراع بري وجوي مفتوح بين إيران وإسرائيل وأميركا.

 

ووفقاً للمحلل السياسي فإن الأردن لا ينظر إلى العراق كدولة جارة فحسب، بل كسد مائي إذا انهار فاضت أزماته نحو المملكة، مع خشية من انهيار الوضع الأمني واندلاع موجات هجرة كبرى من غرب العراق نحو الحدود الأردنية، تزامناً مع توقف إمدادات النفط وشلل شبكات الكهرباء، مما قد يحول الحدود المشتركة (181 كم) إلى عبء إنساني وأمني لا يمكن احتواؤه.

وتدرك الأجهزة السيادية الأردنية أن الحدود مع العراق مفتوحة على شهية التنظيمات العسكرية الموالية لإيران، وخلايا "داعش" التي قد تنهض من ركام الفوضى تحت عناوين مذهبية، ويضيف أبو طير أن "مصلحة الأردن العليا تفرض بقاء العراق متماسكاً فاستقراره ليس خياراً دبلوماسياً، بل هو ضرورة حتمية".

قلق الجبهة الشمالية

على الجبهة الشمالية يراهن الأردن على الدولة السورية، على رغم قلق الجغرافيا الذي يلازمه من جهة مدينة السويداء، فثمة خشية من استغلال تل أبيب السيولة الأمنية في الجنوب السوري لفرض واقع عسكري جديد أو مناطق عازلة تهدد أمن التماس الأردني.

كذلك فإن تحرك الفصائل الدرزية المحلية أو عودة "خلايا نائمة" لـ"داعش"، إضافة إلى مافيات "الكبتاغون" التي لا تزال ترى في الحدود الأردنية ممراً، في ذروة التصعيد العسكري وتبادل الصواريخ يضع حرس الحدود الأردني في حال استنفار 360 درجة.

وهنا انتقل الأردن من مرحلة الرسائل من بعد إلى التنسيق الميداني المباشر في خطوة استراتيجية لافتة، إذ حل مثلث القرار الأردني الذي يمثله وزير الخارجية أيمن الصفدي ورئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي، ومدير الاستخبارات العامة اللواء أحمد حسني ضيوفاً في دمشق على الرئيس السوري أحمد الشرع.

اللقاء الذي جمع قادة الأمن والدفاع في البلدين لم يكن بروتوكولياً فحسب، بل كان غرفة عمليات سياسية وميدانية استهدفت وضع النقاط على الحروف في ملفات شائكة، ترجمت إلى نبرة توافقية لافتة، دان فيها الجانبان الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية والغارات الإسرائيلية المتكررة، في محاولة واضحة لتحييد الجغرافيا السورية والأردنية عن تصفية الحسابات الإقليمية.

الصفدي نقل رسالة أردنية تؤكد الوقوف مع وحدة سوريا وسيادتها، وهي رسالة تمنح دمشق الثقة لممارسة دورها في ضبط الجنوب السوري بعيداً من تدخلات الميليشيات أو الأطماع الخارجية.

بينما ركزت المحادثات الموسعة مع قائد الجيش ورئيس الاستخبارات على تحويل اللجان المشتركة إلى أدوات تنفيذية لمكافحة الإرهاب ووقف نزف تهريب المخدرات والسلاح وتأمين الواجهة الشمالية.

شغب رقمي

ولم تتوقف هواجس عمان عند حدود الجغرافيا، بل امتدت لتشمل "الفضاء السيبراني" الذي تحول إلى ساحة اشتباك موازية، إذ أعلنت إدارة الجرائم الإلكترونية استنفاراً لرصد وتتبع حسابات حاولت التشكيك في الموقف الوطني والرسمي ومؤسسات الدولة السيادية.

وفيما توعدت الجهات الرسمية بملاحقة "الحسابات الوهمية" التي تقتات على الإشاعات والفتنة، ذهب وزير الإعلام السابق سميح المعايطة نحو مربع أكثر حدة ومباشرة، مطالباً بتفعيل القوانين لمحاسبة كل من يغرد خارج الرواية الرسمية، محذراً من خطورة تمجيد الصواريخ العابرة للسيادة الأردنية تحت أي ذريعة، بينما ذهب آخرون بعيداً إلى حد المطالبة بسحب جنسيات من يتعاطف مع إيران، في حين لاقت مشاركة بعض الأردنيين في حفل إفطار نظمته السفارة الإيرانية في عمان انتقادات واسعة.

هذا الاستنفار القانوني واكبه إعلان من هيئة الإعلام الأردنية للمواطنين بالابتعاد من "حمى التوثيق" وعدم تصوير حطام الأجسام الطائرة أو الشظايا، لقطع الطريق على روايات "الذعر والبلبلة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ومع ذلك، بدا المشهد في الشارع الأردني عصياً على الضبط تماماً، إذ استمر شغف الفضول بدفع كثيرين إلى ملاحقة تلك الأجسام عند سقوطها، في مفارقة تعكس انعدام الوعي الأمني.

وهنا يؤكد المحلل الأمني والاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة أن رفع مستوى الوعي المجتمعي لم يعد مجرد توجيه إعلامي عابر، بل أصبح جزءاً أساساً من منظومة السلامة العامة والأمن الوقائي، لأنه يشكل خط الدفاع الأول في الحماية.

ويشير إلى تسجيل حوادث كثيرة في مناطق النزاعات عندما حاول أشخاص الاقتراب من بقايا الصواريخ، أو تحريكها، أو لمسها، أو حتى تصويرها من مسافة قريبة، فانفجرت بصورة مفاجئة مسببة إصابات خطرة أو وفيات، موضحاً أنه في بعض الحالات يصل وزن أجزاء من الصواريخ أو منظومات الاعتراض من 20 - 30 كيلوغراماً أو أكثر، مما يعني أن سقوطها من ارتفاعات شاهقة قد يسبب أضراراً مباشرة للمباني أو المركبات أو الأشخاص.

ووفقاً لمديرية الأمن العام فان الجهات المتخصصة تعاملت مع 207 بلاغات نتيجة تساقط شظايا من المسيرات والصواريخ، كانت في مناطق سكنية ومفتوحة نتيجة اعتراض الصواريخ والمسيرات في الجو، وسجلت 14 إصابة معظمها طفيفة نتيجة سقوط شظايا في بعض مناطق المملكة.

العمق الأردني في الخليج

في الوقت نفسه أوضح الكاتب والمحلل السياسي حسين الرواشدة أن الأردن لا يخوض معركته وحيداً، بل هو جزء من مصير مشترك مع عمقه العربي في الخليج، ويطرح رؤية تقول إن المملكة ودول الخليج يقعون اليوم بين "فكي كماشة" تمتد من تل أبيب إلى طهران.

ودعا إلى "فزعة" أردنية رسمية وشعبية تجاه الأشقاء في الخليج، انطلاقاً من مبدأ أن أي اهتزاز في استقرار ضفتي البحر الأحمر أو الخليج العربي هو زلزال ستصل ارتداداته فوراً إلى قلب الهلال الخصيب.

وطرح الرواشدة مقاربة تقوم على أن يصبح الأردن رديفاً استراتيجياً للخليج على قاعدة مشروع النجاة الجماعية عبر إعادة إحياء مشاريع كبرى مثل "الناتو العربي" أو انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي، معتبراً أن الحرب الأخيرة وما خلفته من دروس تفرض وعياً جديداً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير