ملخص
يمثل هذا القانون وفق السلطات الأردنية، حائط الصد الأخير الذي يعوق شرعنة الاستيطان من منظور القانون الدولي المطبق في الضفة الغربية.
تراقب عمّان بقلق ما يجري في أروقة "الإدارة المدنية" الإسرائيلية بعد أشرس عملية هدم لما تبقى من جدار قانوني يحمي الأرض الفلسطينية، إذ يقول مراقبون إن قرار إلغاء "قانون الأراضي الأردني رقم 40 لعام 1953" ليس مجرد تعديل إداري عابر، بل هو انقلاب على الوضع القانوني القائم منذ عقود، ورصاصة رحمة على فكرة الأراضي المحتلة من منظور القانون الدولي، ليحل محلها مفهوم الأراضي المتنازع عليها الخاضعة للمنظومة الإسرائيلية، بعدما ظل لأعوام يحول الصراع من صراع "قوة" إلى صراع "وثائق" أمام المحاكم الدولية.
تقويض حل الدولتين
رسمياً، أكد الأردن أن لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية، وأن قراراتها الأخيرة تمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي وتقويضاً لحل الدولتين، الهدف منه فرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية.
ورفضت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية اللاشرعية والباطلة في الضفة الغربية، التي تشكّل انتهاكاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وترمي إلى تغيير التكوين الديموغرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.
ويمثل هذا القانون وفق السلطات الأردنية، حائط الصد الأخير الذي يعوق شرعنة الاستيطان من منظور القانون الدولي المطبق في الضفة الغربية.
ويقول وزير الاتصال الحكومي، المتحدث الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، إن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة هي أراضٍ محتلة بموجب القانون الدولي، والعبث بالقوانين وتفعيل بعضها وآخرها قانون الكابينيت الذي أُقر أخيراً، من شأنهما أن يزيدا من شراسة الاستيطان غير الشرعي في الضفة الغربية.
صداع تاريخي لإسرائيل
يؤكد قانونيون لـ"اندبندنت عربية" أن قانون الأراضي الأردني رقم 49 لعام 1953 أحد أكثر القوانين التي سببت صداعاً قانونياً وتاريخياً لإسرائيل في الضفة الغربية، وهو قانون صدر في فترة كانت فيها الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية.
ويكمن سر القلق من هذا القانون في كونه أداة التثبيت القانونية الأقوى التي تمنع شرعنة الاستيلاء على الأراضي، فقبل هذا القانون كانت ملكية الأراضي تعتمد غالباً على الشواهد "المالية" أو أوراق غير مكتملة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بينما جاء قانون 1953 ليتمم عملية التسوية وفق نظام" الطابو"، وهي عملية مسح شاملة للأراضي وتحديد أصحابها بدقة متناهية، وبمجرد تسجيل الأرض بموجب هذا القانون تصبح الملكية "قطعية" وغير قابلة للطعن إلا بظروف نادرة جداً، فتصطدم إسرائيل بسجلات "الطابو" الأردنية التي تثبت ملكية الفلسطينيين بعينهم، مما يجعل المصادرة خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والمحلي الذي يدعي الاحتلال احترامه شكلياً.
وفي جانب قانوني آخر احتوى القانون الأردني على قيود صارمة على غير العرب تجعل من شبه المستحيل تسريب الأراضي لهم، إذ منع الشركات والأفراد الأجانب من تملك الأراضي إلا بشروط تعجيزية وموافقة مجلس الوزراء، واعتبر أي عملية بيع تتم خلافاً لهذه الضوابط باطلة بطلاناً مطلقاً.
وقامت إسرائيل وبسبب الخشية من هذا القانون بتجميد ما يسمى عمليات التسوية فور احتلال الضفة عام 1967 بموجب أمر عسكري، التي كان يتم من خلالها استكمال تسجيل ما تبقى من أراضي الضفة بأسماء أصحابها الفلسطينيين.
حكم الأمر الواقع
يصف المحلل الأمني نضال أبو زيد إلغاء القانون الأردني بأنه إطلاق ليد إسرائيل تحت بند حكم الأمر الواقع على أراضي الضفة الغربية، مضيفاً أن قانون الأراضي الأردني ينص على أن عملية البيع المباشر للأراضي لليهود في الضفة الغربية تعتبر بيعاً لدولة، وهذا مجرّم بحكم القانون، ويعاقب المخالفون بعقوبات تصل إلى الأشغال الموقتة.
ويؤكد أبو زيد أن القرار الإسرائيلي سبقته قرارات عدة، منها إلغاء قانون التقادم في منطقة قلنديا شمال القدس، إضافة إلى قرار توسيع مستوطنة "معاليه أدوميم" والبؤر الاستيطانية الجديدة التي تم إنشاؤها منذ ستة أشهر.
ويضيف "إسرائيل ذهبت إلى قرار الضم بالقطعة بدلاً من الضم الكلي لأراضي الضفة الغربية، وأنهت بهذه القرارات عملية هندسة الجغرافيا لتبقى مهمة هندسة الديموغرافيا، التي تعني تهجير أهالي الضفة الغربية، إذ أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى تهجير أكثر من 35 ألف فلسطيني حتى الآن من مخيمات مدن طولكرم وجنين.
ويؤكد أبو زيد أن إسرائيل من خلال هذه الخطوة تكون قد استكملت عملياً مؤشرات ضم المنطقة "ج" التي تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية".
لذلك فإن الأردن يمتلك أدوات عدة من بينها قرار مجلس الأمن رقم 194، الذي يمنع أي تغييرات ديموغرافية في الأراضي المحتلة، إلى جانب الاتفاقات الفلسطينية - الإسرائيلية التي تمنع الاحتلال من إجراء تغييرات جغرافية أو سكانية في الضفة الغربية.
سرقة أملاك الأردنيين
أمام هذه التطورات يعتقد الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير أن الحديث عن عزل الأردن نفسه عما يجري في الضفة الغربية بدعوى أنه شأن فلسطيني داخلي هو طرح يفتقر إلى الواقعية السياسية والوعي الاستراتيجي، فإسرائيل لن تترك الأردن في حاله حتى لو أشاح بوجوه عن الأزمة.
يؤكد أبو طير أن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية هو استهداف مباشر للعمق الأردني، وليس مجرد صراع على حدود، معتبراً المصادقة الإسرائيلية الأخيرة على إلغاء قانون الأراضي الأردني رقم 40 لعام 1953، ورفع السرية عن سجلات الملكية، ليسا مجرد إجراءات إدارية بل إعلان حرب يهدف إلى سرقة أملاك الأردنيين، إذ إن جزءاً كبيراً من ملاك هذه الأراضي هم مواطنون أردنيون (بموجب الأرقام الوطنية وحقوق الورثة)، وإلغاء هذه القوانين هو شرعنة لسرقة علنية لأملاك أردنية ثابتة تاريخياً وقانونياً.
ويرى في القرار الإسرائيلي تصفية للوصاية الأردنية، لأن سحب صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي ونقلها "للإدارة المدنية" هو بروفة خطرة لما قد تخطط له إسرائيل تجاه المسجد الأقصى والوصاية الهاشمية، مما يعني محاولة نزع الصلاحيات الأردنية تدرجاً.
غير أن أخطر ما يتوقعه أبو طير من سيناريوهات هو التهجير القسري عبر إنهاء الموانع القانونية لبيع الأرض والتدخل العسكري في مناطق (A) بهدف تدمير حل الدولتين وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين لدفعهم نحو الأردن، مما يحول "الأمن الفلسطيني" إلى تحدٍ ديموغرافي وأمني مباشر للدولة الأردنية.
بدوره يرى النائب في البرلمان الأردني صالح العرموطي أن قرار الكنيست بإلغاء قانون الأراضي الأردني باطل قانونياً ويعد بمثابة إعلان حرب على الأردن، موضحاً "الكنيست لا يملك أي صلاحية قانونية أو شرعية لإلغاء قانون وطني يعود لدولة قائمة هي الأردن، وأي تشريع أو تعديل قانوني يصدر عن قوة احتلال بحق الأراضي المحتلة يعدّ باطلاً ولا يترتّب عليه أي أثر قانوني وفق اتفاقات جنيف".
وتابع العرموطي أن الخطوة الإسرائيلية تمثّل إلغاءً فعلياً لاتفاقية وادي عربة، واعتداء مباشراً على الأراضي المملوكة للأردن أو لمواطنين أردنيين وفلسطينيين في الضفة الغربية، مشيراً إلى وجود مساحات واسعة من الأراضي مسجّلة في الخرائط الأردنية باسم خزينة الدولة أو مواطنين أردنيين.