Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب الإيرانية تعيد النقاش حول كيفية انهيار العملات

الصراعات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية قد تهز الثقة بالنقد الوطني وتضغط على الأسواق

يُقصد بسعر الصرف، سعر عملة الدولة مقارنة بعملة أخرى متأثرة بالأداء الاقتصادي للدولة (أ ف ب)

ملخص

يتناول التقرير كيف يمكن أن تفقد عملة أية دولة قيمتها في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية، إذ يعتمد استقرار العملة أساساً على ثقة المتعاملين بها وعلى توازن العرض والطلب في الأسواق. فمع اندلاع الحروب أو تزايد الاضطرابات السياسية والعقوبات الاقتصادية، تتراجع ثقة المستثمرين ويزداد الضغط على الاقتصاد، مما يؤدي إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم والأسعار.

مع اندلاع الحرب التي بدأت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عادت المخاوف الاقتصادية للواجهة، خصوصاً ما يتعلق بارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة الإيرانية في الأسواق. فالحروب غالباً لا تقتصر آثارها على الميدان العسكري فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والعملات والأسواق المالية، ومع تزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني والعقوبات والاضطرابات السياسية، يتجدد السؤال حول كيفية انهيار عملات الدول وما العوامل التي تدفع عملة ما إلى فقدان قيمتها وثقة المتعاملين بها.

يستمد المال قوته سواء جرى تمثيله بعملة معدنية أو ورقية أو حتى إلكترونية من ثقة الناس به، وبمجرد أن يفقد المتداولون هذه الثقة تصبح العملة في مأزق. وخلال متابعة الأخبار الاقتصادية حول العالم، كثيراً ما نسمع عن تراجع عملة دولة أو انهيار أخرى أمام الدولار الأميركي، مما يترافق غالباً مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر، إذ إن أزمة العملات نادراً ما تكون حدثاً منفرداً، بل غالباً ما تتبعها أزمات مالية واجتماعية وسياسية.

تحديد سعر العملة

كل هذا يجعلنا نتساءل ما معنى انهيار عملة الدولة؟ وما أثر قوة العملة وضعفها في اقتصادها؟ ليتضح لنا من خلال البحث أن سعر عملة أية دولة يتحدد من خلال العرض والطلب، فيتم شراء وبيع العملات تماماً مثل السلع الأخرى، وتزداد قيمة العملة عندما يرغب كثير من الناس في شرائها، بمعنى أن يكون الطلب عليها مرتفعاً وتنخفض قيمتها عندما يقل الطلب عليها. وإذا كانت هناك كمية كبيرة من العملة في السوق أي العرض، فإن قيمتها ستهوي، كما ستزيد قيمتها إذا لم يكُن هناك كثير منها في السوق.

وتختلف أسباب انخفاض العملة عن انهيارها، فيأتي التراجع نتيجة لضعف أدائها الاقتصادي وأحياناً يكون مخططاً له من قبل الدولة، من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية. ولكن الانهيار يكون ناتجاً من الحروب أو عدم الاستقرار السياسي، وكذلك فشل سياسة الدولة في خفض التضخم واعتمادها على الاستيراد وعجزها عن سداد الدين.

وعلى رغم غياب المؤشرات، يمكن في بعض الأحيان توقّع حدوث أزمة، لكن الانهيار غالباً ما يكون مفاجئاً، فعند تراجعها في البداية تأتي عوامل تسهم في سرعة الانهيار من قبل الحكومات أو المستثمرين أو البنوك المركزية، من خلال سحب أموالهم واستثماراتهم، مما يتسبب بانهيار في العملة واقتصاد الدولة.

وأوضح المحلل الاقتصادي خالد الشريف أن شراء العملات وبيعها يعتمدان على أساس أسعار صرف مرنة، مما يعني أن أسعارها تتقلب بناء على العرض والطلب في سوق الصرف الأجنبي، ويتغير العرض والطلب على العملة بناءً على عوامل عدة، بما في ذلك جاذبية البلد للمستثمرين وأسعار السلع والتضخم، مضيفاً أن الدول المستقرة تُعد جاذبة للاستثمارات، فكلما زادت رغبة الناس في الاستثمار في بلد ما، زادت قيمة عملة هذه الدولة، وعندما يكون المستثمرون غير متأكدين من مستقبل بلد ما، ينخفض الطلب على عملته.

ويجعلنا ذلك نستذكر ما حدث بعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في صيف عام 2016، وكيف أثّر هذا الأمر في اقتصادها، فلم يعرف المستثمرون كيف ستكون تبعات قرار "بريكست" على الاقتصاد البريطاني، بالتالي لم يكونوا مستعدين للاستثمار في البلاد، مما أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني.

وشهدت العملة الروسية انخفاضاً حاداً في بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية وخروج الاستثمارات، قبل أن تتدخل موسكو بإجراءات مالية للحد من تراجع الروبل.

 

الدولار وقيادة أسعار الصرف

ويُقصد بسعر الصرف، سعر عملة الدولة مقارنة بعملة أخرى متأثرة بالأداء الاقتصادي للدولة، وتوقعات التضخم وفروق أسعار الفائدة وتدفقات رأس المال، وعادة ما يُحدد سعر صرف العملة من خلال قوة أو ضعف الاقتصاد الأساسي، وهنا نطرح سؤالاً من يقود أسعار الصرف العالمية؟

ويدفع تشابك العلاقات الاقتصادية بين دول العالم التي يمتلك كل منها عملة وطنية خاصة به، إلى ضرورة وجود سعر صرف أجنبي من أجل التعاملات التجارية في ما بينها. وتتربع الولايات المتحدة الأميركية على العرش الاقتصادي العالمي، كما تتربع على عرش كثير من المجالات نتيجة قوة اقتصادها، فجاء ربط الدولار بغالبية عملات الدول بعد مؤتمر "بريتون وودز" في يوليو (تموز) عام 1944 الذي عُقد من أجل تنظيم النقد الدولي والنظام المالي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وسعى القادة الدوليون خلاله إلى ضمان بيئة اقتصادية دولية مستقرة عبر إنشاء نظام سعر صرف ثابت، وثُبّتت قيمة العملات الأخرى بالنسبة إلى الدولار، وقيمة الدولار بالذهب 35 دولاراً، فبقي الدولار العملة العالمية التي تضبط إيقاع النظام المصرفي العالمي وترعى معدلات التضخم.

ويختلف نظام سعر الصرف بين الدول التي تحتم عليها الظروف الاقتصادية ومدى استقلالها، نظام سعر صرف عملاتها، إذ تخضع عملة بعض الدول لأسعار صرف عائمة وهو النوع الذي نسمع بتقلبات عملته كل يوم. فإذا كان بلد ما يعاني عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي، يسهم هذا النظام في حماية اقتصاده، ويمنح أيضاً مساحة أكبر للحكومة لإصلاح المشكلات الاقتصادية الداخلية. وفي نظام صرف كهذا، لا تتدخل الحكومة والبنك المركزي في الحفاظ عليه، وعند متابعتك لأسعار الصرف تجد أن هناك عملات نادراً ما تتغير إلا بتدخل من الحكومة مثل الريال السعودي على رغم ارتباطه بالدولار الأميركي. وهنا نأتي إلى سعر الصرف الثابت، فيُحدد من خلال البنك المركزي من قبل حكومات الدول، مما يُعد خط الدفاع الأول في الحفاظ على استقرار العملة، وتمتلك بنوك هذه الدول أموالاً كافية في احتياطاتها من العملات الأجنبية للتحكم في قيمة عملتها.

حرب العملات

وبالنظر إلى قوة العملة وضعفها، نجد أن هناك دولاً قوية اقتصادياً ولكن عملتها منخفضة، وهناك دولة ذات اقتصاد ضعيف لكن عملتها مرتفعة، فهل انخفاض العملة وارتفاعها لهما ارتباط بقوة الدولة واقتصادها؟

يشير الشريف إلى أن خفض عملة الدولة أحياناً يكون نتيجة دوافع اقتصادية، فتُخفض قيمة عملة الدول المصدرة من أجل الحصول على حصة أكبر من الصادرات وتقليل الواردات قدر المستطاع، وإغراق الأسواق الخارجية بسلع رخيصة تضرب في العمق الأسواق والسلع المنافسة للدول الأخرى. وأصبح التلاعب بالعملات سلاحاً فاعلاً تستخدمه الدول في الحروب الاقتصادية والتجارية وحتى السياسية.

وأحدث مثل على هذا الأمر "حرب العملات" وأشهرها ما حصل بين الولايات المتحدة والصين، وطالبت أميركا والاتحاد الأوروبي الصين برفع قيمة عملتها، مما اعتبرته بكين تدخلاً في سيادتها التي لا يحق لأحد التدخل فيها.

ولفت الشريف إلى أن خفض العملة يجبر المستهلكين المحليين على البحث عن بدائل محلية للمنتجات المستوردة، مما يوفر بدوره دفعة للصناعات المحلية، مشيراً إلى مثال آخر لخفض العملة هو النموذج الصيني- الياباني الذي اعتبره نموذجاً متطرفاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف عندما ننظر إلى الوراء، تحديداً إلى حرب العملات أو المنافسة في مجال التمويل، نذكر الحرب الصينية - اليابانية الثانية، حين شنت اليابان حروباً موازية في وقت واحد للاستيلاء على الأراضي الصينية وتدمير سلامة النظام المالي الصيني.

العملة الموحدة

وبعدما وصلت القراءة إلى هنا، لا بد من أن تتبادر إلى الأذهان فكرة "ألم يحِن الوقت لتوحيد العملة حول العالم لتصبح العمليات التجارية العالمية أشبه بالتجارة المحلية، وبذلك تتوقف عمليات صرف العملات الأجنبية والتخلص من الرسوم المترتبة عليها؟".

ويوضح الشريف أن فكرة العملة العالمية الموحدة ليست جديدة، فعام 1969 أنشأ صندوق النقد الدولي مستودعاً للأموال يُسمى "سلة العملات الموحدة"، إذ تكون حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي عالمي تكميلي، وتعتمد قيمة حقوق السحب على سلة من خمس عملات، الدولار الأميركي والين الياباني واليورو والجنيه الاسترليني والرنمينبي الصيني.

واعتبر أنه من الممكن أن تتوحد العملات ولكن ليس بالشكل التقليدي الموجود حالياً في اليورو، إذ من الممكن أن تتوحد مستقبلاً إذا اعتمدت العملة الرقمية.

وأشار إلى أن منفعة العملة الموحدة تأتي في القضاء على أخطار العملة وكلف التحويل في التجارة والتمويل الدولي، إلا أن لتوحيد العملة أخطاراً تكمن في فقدان السياسة النقدية المستقلة لتنظيم الاقتصادات الوطنية. وذكر أن الأخطار عظيمة وتخل بالميزان "الطبيعي" في عالم التعاملات المالية والاقتصادية وحتى السياسية، وخير مثال هو الـEurozone، فإن أكبر عيب لليورو كسياسة نقدية واحدة أنه لا يتناسب في كثير من الأحيان مع الظروف الاقتصادية المحلية للدول الأعضاء ومتغيرات الاقتصاد داخل تلك الدول.

اقرأ المزيد

المزيد من عملات رقمية