Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لم أعد ملحدا؟ رحلة الإنصات إلى همس الأرواح

الروائي الأميركي كريستوفر بيها يستعرض تجربته من الإلحاد إلى الإيمان والتخلص من التعاسة والقلق

الحياة الحقيقية بالنسبة للمؤلف هي حياة الإيمان التي تقر بوجود كل من العالم المادي الخارجي وعالم الأفكار الداخلي (اندبندنت عربية)

ملخص

"تتألف هذه الرحلة من مئات الصفحات، كلها تقريباً بصحبة فلاسفة غربيين ملحدين، إذ يجادل بيها السادة القدامى من أمثال ديكارت وكانط ولوك وميل وهوبز وكامو ونيتشه وكثرٍ جداً غيرهم، بعد أن يبدأ أولا بنقد لاذع للملحدين الجدد سام هاريس وريتشارد دوكينز وكريستوفر هيتشنز".

هي رحلة لا يعتريها القدم، فمنذ أن كان الإنسان يلتقط الثمار، ويفزع من الوحوش ومن جبروت الطبيعة، وحتى بات ملكاً على الأرض، لا يزال مرغماً على الرحلة نفسها، والحيرة نفسها، يحول عينيه إلى السماء باحثاً في أجرامها عن إله، أو يبحث عنه في كتب الفلاسفة، أو في حجج الملحدين، أو في المقارنة بين الأديان، أو في ظلمات عقله، لكن الرحلة في جوهرها واحدة، والحيرة واحدة، والقلق العاصف واحد، واليقين حتى بعد الوصول إليه، مراوغ.

وفي كل مرة تبدأ الرحلة من الصفر، لا يكاد أحد يهتدي برحلات من سبقوه، فلا تزيده رحلاتهم إلا فضولاً، كيف اهتدى فلان بالذات إلى ما يبدو قبوله عصياً على العقل، أو إلى ما يبدو بديهياً وغنياً عن المعاناة ومعاركة الحيرة؟ وفي كتاب صدر حديثاً بعنوان "لهذا لم أعد ملحداً: اعترافات مؤمن مرتاب"، عرض الروائي الأميركي كريستوفر بيها رحلته من الإيمان إلى الإلحاد إلى الإيمان.

خلال حوار لعدد فبراير (شباط) عام 2026 من مجلة "كرستيان توداي"، قال بيها "رجعت هذه الرجعة إلى الإيمان بعدما تركت الكنيسة الكاثوليكية في شبابي، وبعد إلحادي لوقت طويل، وبعد بحثي عن الحقيقة، وبعد عثوري أخيراً على طريق الرجوع إلى الكنيسة، ويرى كثير من الناس في حياتي أن هذا التطور محير... غير منسجم مع ما يفهمونه عني وعن قيمي الفكرية". وأرجع بيها سبب تأليفه للكتاب إلى أنه صعب عليه أن يقدم للمتحيرين تفسيراً موجزاً لعدم استمراره في الإلحاد. "فعقدت العزم على بذل جهد لإجابة السؤال على نحو أرجو أن يكون مثيراً لاهتمام الناس من أصحاب أي معتقد إيماني".

ألحد بيها في مطلع القرن الحالي، وهو طالب في الجامعة، وضمن فصل من كتابه نشرته مجلة "ذا نيويوركر" في فبراير الماضي يقول "من نواحٍ كثيرة، كانت تلك السنوات، وهي سنوات انعطاف القرن، وقتاً مثالياً لملحد مبتدئ. فعام 2004 نشر كاتب مجهول اسمه سام هاريس رسالة قصيرة في الخطر الوجودي الذي يمثله الدين على الحضارة الغربية بعنوان ’نهاية الإيمان‘. وفي تتابع سريع بعد كتاب هاريس صدرت كتب ’وهم الإله‘ لريتشارد داوكنز و’تبديد السحر‘ لدانيال دينيت و’ليس الله أكبر‘ لكريستوفر هيتشنز، ووجدت طريقها إلى قوائم الكتب الرائجة، وبات فريق اشتهر بـ’الفرسان الأربعة‘ واجهة عامة لانبعاث ’الإلحادية الجديدة‘. وسرعان ما اكتشفت أنني لست من جمهور هذه الكتب، وأنني لا أبحث عما يقنعني بالتخلي عن الإيمان بالرب، إذ كنت تخليت بالفعل. إنما كنت أريد أن أعرف بأي بديل أؤمن. وكان معنى استمراري في البحث عن معتقدات برأي كثير من الملحدين، أنني لم أتجاوز تنشئتي الدينية حقاً. فالملحد الحق لا يعنى بالمعتقدات وإنما بالمعلومات، ولا يعنى بالإيمان وإنما بالمعرفة".

كثير من الباحثين عن الإيمان يكونون بانتظار معجزة، كأن يظهر لهم ملاك يهديهم، أو يظهر في المنام نبي يرشدهم، والأفضل أن يسمعوا صوت الإله نفسه يدلهم على نفسه. ويبدو أن بيها لم يعدم معجزة، تظهر في مستهل مقالة تيموثي إيغان عن الكتاب (نيويورك تايمز-17 فبراير 2026) "بصورة مؤثرة يبدأ الطريق الطويل المتعرج الذي قطعه كرستوفر بيها من ملحد واسع الاطلاع إلى مسيحي أوسع اطلاعاً، هي صورة ملاك يظهر له... ظهوراً ملحاً ضاغطاً... طالباً منه أن يضع ثقته بالرب. ويكتب بيها أن ذلك التجلي الأول له في منتصف تسعينيات القرن الماضي ’لم يكُن حلماً، فقد كنت متيقظاً، وأثق من ذلك ثقتي بيقظتي إذ أكتب هذه الكلمات. كان كياناً رهيباً يتواصل معي‘. واستمرت زياراته لبيها لأعوام".

 

أنا شخصياً من القراء الذين لا يصلح لهم هذا الخطاب. وفي ظني أن من يعلق إيمانه أو إلحاده على معجزة خارقة إنما هو يعطل ما لديه بالفعل من أدوات عليه أن يعملها لحل مشكلته. وقد يظهر الملاك أو تحدث المعجزة، لكن غاية مثل هذا في رأيي أن يؤدي إلى يقين خاص بمن شهدها وحده. بينما تبقى الحجج العقلية، والعلمية إن أمكن، أصلح لمواجهة عقول غالبية الناس وتوجيههم كل في رحلته. ولا يفتقر بيها إلى هذا النوع من الحجج.

نشأ بيها، بحسب ما يكتب إيغان، في أسرة مثقفة للغاية وجّهته للدراسة في جامعة "برينستون"، وكان محرراً سابقاً لمجلة "هاربر"، وله أربعة كتب سابقة ينم اتساع نطاقها عن موهبة أدبية كبيرة. وأدرك بيها بعد أعوام من تواصله مع الملاك أن "الأمر كله قابل للتفسير عن طريق العلم، فقد كان يعاني شلل النوم، إذ يكون متيقظاً لكنه عاجز عن الحركة، فتكون يقظة مفعمة بالهلوسة".

لست أيضاً من القراء الذين يطمئنون إلى أن كل الميتافيزيقا هلوسة. فصحيح أنه قد لا يكون من دليل يثبت صحتها، لكن لا يحسن بأي منا أن يجعل الحكم الأوحد نفسه على الموجود والمعدوم والصواب والخطأ. فثمة دائماً هامش لاحتمالات أخرى. ويكتب بيها "أعرف ما تسبب في زيارات [الملاك]، من وجهة نظر مادية محضة، لكنني أعرف أيضاً ما تسببت فيه الزيارات بدورها: رحلة بطول العمر لا أزال أخوضها".

ويقول إيغان "تتألف هذه الرحلة من مئات الصفحات، كلها تقريباً بصحبة فلاسفة غربيين ملحدين، إذ يجادل بيها السادة القدامى من أمثال ديكارت وكانط ولوك وميل وهوبز وكامو ونيتشه وكثرٍ جداً غيرهم، بعد أن يبدأ أولاً بنقد لاذع للملحدين الجدد سام هاريس وريتشارد دوكينز وكريستوفر هيتشنز".

ويشهد إيغان لبيها بأنه ليس بالذي يفتعل المعارك، فهو "يوقر العقول العظيمة إلى حد الهوس، ولقد قام بكل القراءات الواجبة، بل لقد كتب سيرة عن قراءاته بعنوان ’الأقدام الخمسة كاملة‘ سارداً فيها تجربة سنة قرأ فيها أكثر من 50 مجلداً من سلسلة كلاسيكيات هارفارد. فمحض مطالعة عناوين القائمة كفيلة بأن تشعر غالبيتنا بالإنهاك".

ويكتب بيها "شرعت أقرأ في الفلسفة الحديثة التي فهمت أنها الوسيلة الأساسية التي يبحث عبرها البشر عن إجابات علمانية لأسئلة الحياة. قرأت الفلاسفة الأكثر شيوعاً بوصفهم أمثلة تحتذى لدى ملحدي العصر (جون لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل) وكذلك من درج الشباب الجياع إلى المعنى على تبنيهم بوصفهم هداة العلمانية: (فريدريك نيتشه ولودفيغ فتغنشتاين وألبير كامو). لكنني قرأت أيضاً الفلاسفة الذين يكثر الفلاسفة أنفسهم من قراءتهم".

ويضيف "حتى وأنا أكافح في قراءة أصعب هذه الأعمال، بدت لي القراءة ضرورة ملحة. لم أكُن ملزماً بتقديم أبحاث أو بالحصول على درجات، لم أكُن أبحث عن كسب درجة علمية أو التقدم في مسيرة مهنية. بل ولم أكن أحاول إثارة إعجاب الناس في الفعاليات الأدبية. كنت فقط أحاول أن أفهم. ومما علمتني إياه هذه القراءات أن الملحدين لديهم معتقدات، لا في شأن الأخلاقيات والمعنويات فقط وإنما أيضاً في شأن ماهية العالم وكيفية اندماج البشر فيه، وأن المعتقدات لدى الملحدين، كحالها لدى المؤمنين، ليست واحدة، لكنني وجدت المعتقد الإلحادي الحديث ينزع إلى الانضواء في أحد تراثين عريضين".

خرج بيها من رحلته في الفكر الإلحادي إلى أن هناك اتجاهين كبيرين فيه، الأول هو "المادية العلمية" وتذهب هذه الرؤية إلى أن "العالم المادي هو الموجود الوحيد، وأن البشر يمكن أن يعرفوا هذا العالم من خلال الإدراك الحسي، وأن مناهج العلم تتيح لنا تحويل البيانات الأولية لهذا الإدراك إلى مبادئ عامة، وأن هذه المبادئ قابلة للاختبار وقابلة للتطبيق العملي".

وتخبرنا "المادية العلمية" لأن "البشر قادرون، من دون عون من قوى وراء طبيعية، على فهم الواقع كله وتسيُّده في نهاية المطاف. وتخبرنا بأن مخزون المعرفة الإنسانية دائم الزيادة والتحسين لأوضاعنا المادية. وتحقيقاً لهذه الغاية، تشير المادية العالمية إلى التقدم البشري المذهل الذي حدث في عصر هيمنة العلم. وتشجعنا على التنعم بثمار هذا التقدم بقدر المستطاع، بما أن حياتنا هنا على الأرض هي حياتنا الوحيدة".

ويضيف "أظهرت قراءتي أن هذه الرؤية للعالم لها نقائصها. ولعل أفدحها هو أنها تقوم على مجموعة مبادئ لا يمكن إثباتها في الغالب، حتى بمعايير الإثبات التي تتبناها. فالمبدأ العام القائل بأن كل المعرفة الحقيقية مستلهم من الإدراك الحسي للمعلومات المادية غير قابل هو نفسه للاستنباط من إدراك معلومات العالم، ومن ثم فهو غير قابل للإقرار من خلال مناهج المادية العلمية نفسها".

أما الاتجاه الكبير الثاني في الفكر الإلحادي، فيطلق عليه بيها اسم "المثالية الرومنطيقية"، و"هذه هي إلحادية نيتشه ومارتن هيدجر ونسلهما من الوجوديين، ويبدأ هذا التيار بالتحديد في الموضع الذي تهمله المادية العلمية، أي من إرادة الكائن الواعي الذاتي. والمثالية الرومنطيقية في أقصى أشكالها تعامل كل واحد منا باعتباره الإرادة الموجدة لعالمنا، المنشئة للواقع الذي نعيش فيه. وحتى حين لا تمضي إلى هذا الشطط، فإنها تعامل تجربتنا الذاتية باعتبارها الموضوع الملائم للمعرفة، بل باعتبارها الشيء الوحيد الذي يمكن القول بمعرفته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول بيها "وشأن المادية العلمية، ليس للمثالية الرومنطيقية أساس صلب قائم في أية حقيقة مطلقة قابلة للإثبات. لكنها سعيدة بهذا الوضع: فالافتقار إلى أي أساس من هذا النوع هو الذي يمكن كل واحد منا من إقامة حقيقته الخاصة. ولهذه النسبية أخطار واضحة. فمنذ عهد لوك، ارتبطت التجريبية ارتباطاً وثيقاً بالليبرالية السياسية، في حين أن المثالية الرومنطيقية ترتبط بقوى سياسية أشد قتامة. فجان جاك روسو، وهو من مؤسسي الرومنطيقية، كان مصدر إلهام عظيم لعهد الإرهاب في الثورة الفرنسية. وقد ذهب إلى أن الحقوق المطلقة المفترضة التي تقول بها الليبرالية إن هي إلا أقنعة للمصلحة الشخصية البرجوازية. وقد تطورت هذه الحجة لاحقاً بإسهاب كبير على يد نيتشه وهو أحد مفكري هذا التيار الكثر الذين ألهموا صعود الفاشية".

ويضيف "ثمة مشكلة أهم في المثالية الرومنطيقية تظهر على المستوى الشخصي: وهي أن إنشاء المعنى من العدم مهمة صعبة على نحو لا يصدق. فالنهج المثالي الرومنطيقي حافل بالخوف والارتعاد، وهو لا ينكر هذا. فهو ليس طريق سعادة في حقيقة الأمر، وإنما يبدو أنه يزدري هدف السعادة أصلاً... وذلك العنصر من عناصر المثالية الرومنطيقية هو الذي أفضى بي في نهاية المطاف إلى رفضها. فقد سئمت من التعاسة والقلق طوال الوقت، ومن التساؤل المستمر عما لو أن الحياة تستحق العنت. من أسباب هذا الشعور، بالنسبة لي، أن الماديين أصابوا في نقطة مهمة: وهي أن خارج رؤوسنا بالفعل عالماً لا يمكن تجاهله أو التغلب عليه بقوة الإرادة، وإنكار هذا وصفة مضمونة للشقاء".

ويتابع "بعد قرابة 20 سنة من البحث من دون جدوى عن رؤية إلحادية متماسكة للعالم، بدأت في منتصف الثلاثينيات من عمري، أفكر في احتمال أن تكون الإلحادية نفسها جزءاً من المشكلة. وكثرت الخطوات من هذا السؤال وصولاً إلى رجوعي النهائي للإيمان الراسخ، لكنني بدأت بفكرة أن الحياة الحقيقية بالنسبة لي قد تكون حياة الإيمان التي تقر بوجود كل من العالم المادي الخارجي وعالم الأفكار الداخلي وتسعى إلى المصالحة بينهما، وتقبل بأساس مطلق للأشياء، وتحاول أن تفهم على نحو موقت ومنقوص طبيعة هذا الأساس وما يريده مني".

ويوشك بيها أن يقول إن رجوعه إلى الإيمان كان لسبب عملي بحت، لحل مشكلة حياتية، للتخلص من التعاسة، ومن القلق، "وقد مر الآن قرابة عقد منذ رجوعي إلى الإيمان التوحيدي... وعما قريب ستكون مرحلة الإيمان الثانية هذه قد دامت أكثر مما دامت أعوامي في التجوال الإلحادي، غير أن سنوات الإلحاد تلك سوف تبقى معي دائماً، وسيبقى شكري لها دائماً أيضاً. فبها فهمت العالم المحيط بي الذي سيطر عليه في الآونة الأخيرة الحزن واليأس، وفهمته فهماً شديد الاختلاف عما كان يمكن أن أفهمه لولا تلك الأعوام".

يقر إيغان لبيها بالإخلاص في سعيه ويقول إنه اقتنع بقصته الشخصية مع الإلحاد والإيمان أكثر مما اقتنع بعرضه الفكري لاتجاهي الإلحاد. ويوجز القصة الشخصية بقوله إنها بدأت حينما كان في الـ18 بحادثة كبيرة تعرض لها شقيقه التوأم، فعانى بعدها الاكتئاب وأصيب بسرطان أوشك أن يجهز عليه وأدمن الشراب. "وبيها ليس معنياً بإقناع من فقدوا إيمانهم بالرب، لكنه ببساطة يريد أن يفسر لماذا رجع هو بالذات إلى إيمان آبائه ’والإنصات إلى الصوت الهامس في أرواحنا‘... وليس الأمر أن النور أعماه، بل الأمر يتعلق بحياة شقية يمكن أن تطيب قليلاً بامرأة مناسبة، وإيمان كاثوليكي، وانتظام في حضور القداس".

وعلى رغم نبرة استهانة إيغان في هذه السطور من مقالته (بخاصة إذ يشير إلى أن المرأة المناسبة في حياة بيها "والتي كانت سبباً في إيماني بالرب" هي نفسها امرأة غير مؤمنة). فالحقيقة التي يشهد بها كثرٌ منا هي أننا نصبح أقدر على احتمال صعوبة الحياة بأسباب قد لا تنفع إلا أصحابها، فصديق جيد مثلاً قد يكون عوناً لأحدنا، وزوجة محبة قد تجدي نفعاً، وبطولة قارية حماسية قد تكون سبباً، وقد ينفعنا أيضاً إيمان بقضية أو بإله، فنجد معنى لوجود تؤكد ربما كل تفصيلة فيه عبثيته، وقد تغني كل تفصيلة فيه حائراً عن ظهور ملاك.

العنوان: Why I Am Not an Atheist: The Confessions of a Skeptical Believer

تأليف: Christopher Beha 

الناشر: Penguin

اقرأ المزيد

المزيد من كتب