ملخص
على رغم أن هذا التغيير على مستوى الأسرة يمكن فهمه كإجراء لتقليل النفقات، فإنه على المستوى الكلي يحمل تداعيات اقتصادية واسعة. فخروج الصناعات اليدوية من دورة الاستهلاك يعني مباشرة خروج عدد كبير من المشاريع الصغيرة من دائرة الدخل.
أدى الضغط التضخمي وتداعيات الحرب إلى خفض مستوى معيشة الأسر الإيرانية إلى حد البقاء، بحيث لم يعد حذف الفنون من سلة الاستهلاك "خياراً"، بل أصبح جزءاً من نمط التقشف الاقتصادي. في مثل هذا الوضع، ما يستبعد من دورة الاستهلاك ليس مجرد سلعة، بل جزءاً من الثقافة وأنماط الحياة والروابط الاجتماعية. فالفن والمنتجات الثقافية، قبل أن تعتبر حاجة، تصنف ضمن "النفقات الإضافية"، ولذلك تكون أولى ضحايا الأزمات الاقتصادية.
وصف نائب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي لشؤون الإدارة والموارد وضع الاستهلاك الثقافي بأنه مقلق، مشيراً إلى أن "الثقافة تحذف تدريجاً من سلة الأسرة". كذلك تؤكد تصريحات وزير الثقافة عباس صالحي هذا الاتجاه بوضوح، إذ أعلن بداية عام 2026 أن الظروف الاقتصادية أدت إلى تقلص سلة الاستهلاك الثقافي بصورة مستمرة في الأعوام الأخيرة.
وقال صالحي "كان متوسط الإنفاق الثقافي لكل أسرة نحو 23 مليون تومان (نحو 460 دولاراً)، لكنه انخفض في عام 2023 إلى 14.8 مليون تومان (نحو 296 دولاراً)"، ورأى أن هذا الانخفاض مؤشر على تراجع كبير في الاستهلاك الثقافي.
وأوضح أن حصة الكتب في سلة الأسرة تراجعت من 0.18 في المئة عام 2017 إلى 0.10 في المئة عام 2023، مما يعكس اتجاهاً مستمراً نحو التراجع. وأضاف أن قدرة الأسر على الإنفاق في المجال الثقافي تراجعت بصورة ملاحظة، بخاصة في قطاع الكتب. كذلك أشار إلى أن موارد الكتب في المكتبات العامة "تعاني بشدة"، وأن توزيع نحو 49 مليون كتاب لا يلبي احتياجات المجتمع.
وبحسب تعريف منظمة "يونيسكو"، فإن السلع الثقافية هي منتجات تحمل وتنقل الأفكار والرموز والقيم وأنماط الحياة، ويجري إنتاجها ضمن مخرجات إبداعية وفنية، سواء كانت مادية أم غير مادية. وبالتالي، فإن حذف هذه السلع من سلة الأسرة لا يعني فقط تقليل الإنفاق، بل تقليص استهلاك الثقافة وتعطيل دورة وإعادة إنتاجها.
تعد الصناعات اليدوية، باعتبارها أحد أبرز أشكال السلع الاقتصادية - الثقافية، من المجالات التي خرجت أيضاً من سلة شراء الأسر. وعلى عكس السلع الأساسية، تعتمد هذه المنتجات على فائض دخل الأسرة، وهو دخل لم يعد متوفراً فعلياً لكثير من العائلات في الظروف الحالية.
تشير الاتجاهات إلى أن ظروف الحرب زادت من حدة حالة عدم الاستقرار التي كانت قائمة في الأعوام الماضية، وعلى رغم عدم صدور إحصاءات رسمية عن سلة الاستهلاك في عام 2025/2026، فإن بيانات عام 2024/2025 تظهر أن استهلاك السلع الثقافية تراجع بصورة حادة حتى قبل تصاعد الأزمة. وبناء على ذلك، يمكن تقدير أن هذا الاتجاه استمر نحو مزيد من الانخفاض، بل وصل في بعض المجالات إلى الإلغاء الكامل.
وعلى رغم أن هذا التغيير على مستوى الأسرة يمكن فهمه كإجراء لتقليل النفقات، فإنه على المستوى الكلي يحمل تداعيات اقتصادية واسعة. فخروج الصناعات اليدوية من دورة الاستهلاك يعني مباشرة خروج عدد كبير من المشاريع الصغيرة من دائرة الدخل. وهذه المشاريع، التي تعتمد بشدة على الطلب المحلي في ظل ضعف التصدير، تعد من أول المتضررين من تراجع الاستهلاك.
وتؤكد التصريحات الرسمية هذا الأمر، ففي الـ25 من أبريل (أبريل) 2026، وصف حسين انتظامي، نائب وزير الثقافة، وضع الاستهلاك الثقافي بأنه مقلق، محذراً من أن "انخفاض نصيب الفرد من الاستهلاك الثقافي يعني أن الثقافة تحذف من سلة الأسرة"، واصفاً الأمر بـ"المقلق" لبلد يمتلك تاريخاً حضارياً عريقاً. وأشار إلى أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة والقطاع الخاص، مؤكداً ضرورة زيادة الاهتمام بالثقافة في الموازنة، إلى جانب دور أكبر للقطاع الخاص.
في المقابل، يواجه القطاع الخاص، إضافة إلى العقبات الإدارية والمالية، اضطرابات في البنية التحتية للاتصالات. ففي الشهرين الماضيين، وبسبب انقطاع الإنترنت، لم يتمكن أصحاب الأعمال حتى من الوصول إلى أبسط وسائل الاتصال مثل البريد الإلكتروني. وقد انخفض معدل الوصول إلى الإنترنت، الذي كان يبلغ نحو 87 في المئة عام 2024/2025، إلى أقل من واحد في المئة خلال الشهرين الماضيين.
وكانت الإحصاءات الرسمية تشير سابقاً إلى أن 86.8 في المئة من الإيرانيين، أي نحو 73 مليون شخص، كانوا يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي لبيع وشراء مختلف السلع، بما فيها السلع الثقافية.
وفي هذا السياق، قدر عباس آشتیاني، عضو نقابة الحاسوب، الخسائر التي لحقت بالاقتصاد الرقمي خلال أول 50 يوماً من انقطاع الإنترنت، بنحو مليار دولار، لافتاً إلى أن الخسائر اليومية المباشرة وغير المباشرة تتراوح بين 30 و35 مليون دولار.
كذلك أعلنت زهرا بهروز آذر، نائبة شؤون المرأة والأسرة، في البرلمان الإيراني في اليوم الـ56 لانقطاع الإنترنت، أن "70 في المئة من الأعمال المنزلية تعود للنساء، وأن جزءاً كبيراً من وصولهن إلى الأسواق يحصل عبر الفضاء الرقمي، مما يعني أنهن تضررن بشدة". ويعمل عدد كبير من هؤلاء النساء في إنتاج المنتجات الثقافية والملابس والصناعات اليدوية، وكانت شبكات التواصل الاجتماعي المنصة الرئيسة لتسويق منتجاتهن.
إلى جانب ذلك، هناك نوع آخر من الاستهلاك الثقافي الأقل وضوحاً، وهو استخدام المحتوى الثقافي شبه المجاني الذي يقدمه صناع المحتوى. وقد توقف إنتاج ونشر عدد من البرامج الثقافية المستقلة، بما فيها البودكاست، منذ يناير (كانون الثاني) 2025، ولم يعد المستخدمون قادرين على الوصول لا إلى المحتوى الجديد ولا حتى القديم. كذلك فإن تراجع الاستثمار وتغيير المهن قسراً وهجرة الكفاءات مثل الفنانين وصناع المحتوى والحرفيين، تعد من التداعيات المقلقة لهذا الوضع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الأزمة كانت قائمة حتى قبل الحرب، فوفقاً لمركز الإحصاء الإيراني بلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة الحضرية في عام 2024/2025 أكثر من 270 مليون تومان (نحو 5400 دولار)، ونحو 140 مليون تومان (أي ما قارب 2800 دولار) في المناطق الريفية.
وتظهر البيانات أن السكن والطاقة يستحوذان على 57 في المئة من نفقات الأسر الحضرية و38 في المئة في الريف، يليهما الغذاء بنسبة 25 في المئة تقريباً، ثم الصحة والنقل والاتصالات، في حين لا تتجاوز حصة الملابس والأحذية والأجهزة المنزلية مجتمعة ثلاثة في المئة. وفي مثل هذا الهيكل، تصبح حصة السلع الثقافية شبه معدومة.
في المحصلة، تشير البيانات والتصريحات الرسمية إلى أن الحذف التدريجي للسلع الثقافية من سلة الأسرة بلغ مستوى مقلقاً. وعلى رغم أن هذا التوجه قد يبدو حلاً موقتاً لتقليل النفقات، فإنه على المدى الطويل يؤدي إلى إضعاف الصناعات الثقافية واختفاء المشاريع الصغيرة تدريجاً وتراجع ارتباط المجتمع بالإنتاج الثقافي والفني.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"