ملخص
جماعة الإخوان المسلمين، أو أم الجماعات، وملهمة التيارات منذ نشأتها عام 1928، وحتى الوقت الحالي، من الدعوة الكلامية مروراً بالوعظ والتوجيه وانتهاءً بالجهاد بأعنف صوره، كثيراً ما اعتبرت شهر رمضان موسم الذروة. رمضان موسم التغيير، والجود وجمع المال، والدعوة إلى الجهاد، وتحقيق النصر "بإذن الله"، عبر اللجوء لله، والاستعانة به، عبر الجماعة، وغيرها من الجماعات والحركات التي ولدت وتولد من رحمها.
عقود طويلة وشهر رمضان يمثل "الموسم الذهبي" الذي تنتظره تيارات وحركات، وأحياناً أفراد، تندرج تحت بند الإسلام السياسي. بعضها كان يقدم نفسه على أنه جمعيات خيرية لا تبغي إلا إطعام فقراء المسلمين عبر موائد الرحمن و"كرتونة رمضان"، وهداية أغنيائهم عبر دروس ومواعظ وكتيبات دينية تطهر أرواحهم وتنقي قلوبهم، وكلاهما يلتقي على حب الجمعية وتنامي الشعور بالولاء لها وأفكارها "الإنسانية".
البعض الآخر كان يكتفي بـ"الروحانيات" عبر خطب وكتب وأسطوانات مدمجة ومحتوى على الإنترنت، ظاهرها وعظ وإرشاد، وباطنها تجنيد وتجييش عبر تبني "مانيفستو" الجماعة أو الجمعية أو الحركة الذي لا يخرج عن العمل الجماعي في الشهر المبارك لبناء الأمة الإسلامية ودعم أواصرها وتقوية شوكة المسلمين. وبينها ما يعتبر الشهر "ترمومتراً" لجس نبض الشارع تجاه أفكارها وأهدافها، وكذلك للخروج بتصور يمكنها من تغيير تكتيكاتها وتعديل أساليبها من أجل نشر أفكارها، وتحقيق مآربها بصورة أفضل.
دعاء وخطبة وكتيب
دعاء وخطبة وكتيب، أو أسطوانة ورابط ودعوة إلى الانضمام إلى مجموعة على السوشيال ميديا لختم القرآن أو تفسير الآيات أو النقاش حول أحوال المسلمين وكيف يمكن تصحيح المسار، مكان على مائدة رحمن أو "كرتونة" ترفع عن كاهل الفقير بند الطعام من لائحة الإنفاق لبضعة أيام، وأحياناً دعوة كريمة لحفل إفطار فاخر يصلي فيه الإخوة والأخوات صلاة المغرب جماعة، ثم تعقبها خطبة عصماء تدغدغ المشاعر وتستنفر الهمم، وربما تحرك الحسابات البنكية للتبرع لتفعيل تلك الغايات السامية التي تعمل من أجل رفعة المسلمين ونصرة الإسلام.
ومن يكره الدعاء للنفس والغير، والاستماع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية في قالب عاطفي مناسب للجمهور المستهدف، لا سيما في تلك الأيام المفترجة التي يصارع فيها الجميع الزمن من أجل استثمار الوقت في العبادات وجهاد النفس بعيداً من الملذات؟!
جماعة الإخوان المسلمين، أو أم الجماعات، وملهمة التيارات منذ نشأتها عام 1928، وحتى الوقت الحالي، من الدعوة الكلامية مروراً بالوعظ والتوجيه وانتهاءً بالجهاد بأعنف صوره، كثيراً ما اعتبرت شهر رمضان موسم الذروة. رمضان موسم التغيير، والجود وجمع المال، والدعوة إلى الجهاد، وتحقيق النصر "بإذن الله"، عبر اللجوء لله، والاستعانة به، عبر الجماعة، وغيرها من الجماعات والحركات التي ولدت وتولد من رحمها.
مثلت أجواء رمضان الإيمانية، وما زالت، فرصة سانحة لجماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها قبل ما يقارب قرن على تقديم نفسها كحامي حمى الإسلام، ولسان حال المسلمين، وصاحبة المشروع الإسلامي الشامل، وإن بدأ ذلك بوجبة على مائدة رحمن، أو كرتونة في بيت محتاج، أو كتيب يشرح "مانيفستو" الجماعة، أو رابط يصل بالصائم إلى رحاب الجماعة الروحانية على أثير الشبكة العنكبوتية.
المحتوى دعوي للوهلة الأولى، أما رسائل ما بين السطور، ومعاني تصل مباشرة إلى القلوب دون شرط المرور على العقول، تعني أن المحتوى موجه صوب السياسة، ولكن من باب الدين.
الخطيب أو المعلم أو الواعظ ليس بالضرورة عضواً في هذه الجماعة أو تلك الحركة، لكنه مشبع بأفكارها. وفي رمضان، حين تمتلئ المساجد عن آخرها، وينشط البحث والتنقيب في أغوار الإنترنت وعلى منصات السوشيال ميديا للوصول إلى محتوى إيماني يعضد الروح ويقوي القلب بالإيمان، ينشط هؤلاء.
على سبيل المثال لا الحصر، حرصت جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على تكثيف عملها "الدعوي" و"الخيري" في رمضان، إضافة إلى رسائل وبيانات يوجهه القادة إلى عموم المسلمين في مناسبة الشهر الفضيل.
في رمضان عام 1432 هجرية، أي عام 2011، العام الذي شهد هبوب رياح "الربيع العربي" بشدة وقوة، وجه المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك محمد بديع "رسالة الإخوان" تحت عنوان "رمضان شهر التغيير". وجاء فيها: "ومن أكمل أحداث التغيير في رمضان أن نحافظ على نعمة الله علينا بالثورات الشعبية ومكتسباتها. إن سرعة التغيير الذي حدث ويحدث لآية ربانية بأن تحقيق هذه السنة الكونية في استطاعة الإنسان، وها هي الفرصة قد حانت في رمضان لتحقق الشعوب العربية ثوراتها وتنال حريتها، فسلمية التغيير التي تتمسك به الشعوب، ووعيها المستمر بثوراتها، والحفاظ عليها على رغم ما يواجهها من تحديات، كانت صناعة من الله وحده، فوجئ بها الغرب والشرق، كما فوجئ بها الساسة وعلماء الفكر من المسلمين وغيرهم".
وجاء أيضاً أن "من أقوى مواقف التغيير في رمضان: كسر حاجز الخوف والرهبة، الذي أكد أن القوة الحقيقية في اللجوء إلى الله والاستعانة به، وبهذا لا يستطيع طاغية أن يستعبد شعوبنا مرة أخرى، ولا يفرض عليها أنواعاً من الظلم والطغيان"، "رمضان شهر تغيير الأمة وإصلاحها، فهو من أعظم الشعائر التي تسهم في جمع الأمة العربية والإسلامية بكل دولها ومذاهبها ولغاتها وأعرافها، حيث يتفق جميع أبناء الأمة في العالم على أن الصيام في رمضان فرض واجب من أركان الإسلام، وفيه الحرص على إخراج زكاة المال، إذ تسهم في علاج مشكلات البطالة والجريمة"، "كما يذكرنا رمضان بانتصاراًت الأمة عبر تاريخها، فأكبر نصرين في عهد النبوة غزوتا بدر وفتح مكة كانتا في رمضان، وفتح الأندلس كان في 28 من رمضان سنة 92هـ، وموقعة عين جالوت التي هزم فيها المغول كانت في رمضان سنة 658هـ، وكذلك نصرنا الله في العاشر من رمضان سنة 1383هـ (السادس من أكتوبر 1973م) على الصهاينة المغتصبين لأرضنا ومقدساتنا، وذلك وفقاً لوعد الله رب العالمين. ونحن بالتغيير في رمضان، نكون أقرب لنصر الله القريب".
الدعاء على الطغاة
هذا العام، استبدلت الجماعة حديث التغيير والنصر والفتوحات والغزوات في رمضان، بالدعاء على الطغاة والظالمين والجبارين. القائم بأعمال مرشد الجماعة صلاح عبدالحق كتب قبل أيام تحت عنوان "رمضان والرقي الروحي" عن حاجة المسلمين في رمضان هذا العام إلى "هذا الزاد الروحي العظيم في وقت طغت فيه المادة على كل شيء، وأصبح فيه العالم كأنه أتون مشتعل يحترق فيه الناس بنيران الشهوات والملذات والتنافس المذموم للغلبة والقهر والعدوان، فاشتعلت الحروب في كل مكان، وأريقت الدماء، وأزهقت الأرواح وانتهكت الحرمات، ونالت بلاد المسلمين منها النصيب الأكبر في غزة وفلسطين على أيدي الصهاينة المجرمين، وقادة الغرب الظالمين، ومن عاونهم من الطواغيت والجبارين من حكام المسلمين".
وقال إن على الجميع في الأمة الإسلامية أن "يمد يد العون للمحتاجين والمحرومين والمنكوبين في أنحاء العالم، بخاصة في غزة وفلسطين واليمن والسودان وكشمير وتركستان، مع العمل على رفع الظلم وتحرير الأسرى، والمسجونين ظلماً في ربوع الأرض"، مضيفاً "إن نسينا فلا ننسى إخواناً لنا وأخوات، شيباً وشباباً، غيبتهم جدران السجون وظلم السجان، فسلام على صبرهم حين يطول الليل، وسلام على أمهات يبللن الوسادة بالدعاء، وسلام على قلوب ما زالت تؤمن أن فجر الله أقرب من قيود البشر".
التضييقات، وتصنيفات الإرهاب، وإغلاق موارد التمويل والتبرع وغيرها من المشكلات التي تواجهها جماعة الإخوان المسلمين لا تعني أن محاولاتها اقتناص الفرص للعودة أو استعادة بعض من قوتها وزخمها قد توقفت، إضافة إلى المنتمين والمتعاطفين وأولئك الذين نشأوا في كنف ثقافة الجماعة "يقومون بالواجب وزيادة" في شهر رمضان، سواء تبرعاً منهم أو بناءً على توجيهات أو تلميحات يتلقونها رقمياً.
براح الإنترنت ومنصات السوشيال ميديا تمد بقايا الجماعات بصورة عامة بالأوكسجين اللازم لإبقائها على قيد الحياة، وهو الأوكسجين الذي يزيد في رمضان، وتتاح له البيئة الحاضنة من روحانيات وميل شعبي إلى زيادة المساحات النفسية والمكانية المخصصة للعبادات.
لقاءات المصلين قبل وبعد الصلوات في المساجد، وفرص توسيع قاعدة التعارف، وتدشين مجموعات و"غروبات" على منصات السوشيال ميديا لـ"تعميم" الفائدة وتحقيق التقارب وبناء القواعد أمور يصعب حصرها أو مراقبتها أو السيطرة عليها. ويشار إلى أنها ليست حكراً على الدول العربية والإسلامية، بل تنتشر بكثرة في الدول الغربية وتلك التي يوجد فيها مسلمون.
صعوبة تعريف أو رسم خطوط فاصلة بين "غروبات" وصفحات المناقشات والتعارف وتبادل وجهات النظر من جهة، وبين استغلال هذه الصفحات والمجموعات لنشر أفكار جماعات الإسلام السياسي وتجنيد من يستشف فيه ملكات أو سمات تؤهله للالتحاق بالجماعة أو الحركة، يضاعف من صعوبة تحديد أو تقليم أظافر الجماعات، وجهودها الاستقطابية والتسويقية التي يشتد عودها في رمضان.
انتعاش "الدعوة" في رمضان اعتاد على خلط صالح الدين والإيمان بطالح الجماعات والتنظيمات. أحد أبرز التنظيمات التي دأبت على الاستثمار في شهر رمضان تنظيم "داعش". منذ نشأته قبل عقدين، وهو يتخذ من الشهر الفضيل فرصة ذهبية لـ"الدعوة"، والتسويق لـ"الجهاد".
"داعش" ورمضان
الأمثلة كثيرة، والدماء التي أريقت تتحدث عن نفسها. منها على سبيل المثال لا الحصر، الدعوات المكثفة التي أطلقها التنظيم استعداداً لرمضان عام 2015. وجاء في تسجيل صوتي منسوب لمتحدثه آنذاك أبو محمد العدناني، والذي بدأ بتهنئة المؤمنين برمضان قبل أن يدعوهم لـ"الغزو" في هذا الشهر المقدس، حيث "الجهاد في رمضان ليس مثل الأشهر الأخرى".
نحو 28 دقيقة كاملة، والعدناني يستحث "المؤمنين" على تحويل شهر رمضان إلى "شهر وبال على الكافرين"، ويشملون بحسب التنظيم المسيحيين والشيعة والمرتدين من المسلمين. وجاء في التسجيل، والذي جرى بثه تحت عنوان "يا قومنا أجيبوا داعي الله": "أيها المسلمون في كل مكان نبارك لكم قدوم شهر رمضان المبارك فاغتنموه، وأفضل القربات لله هو الجهاد فسارعوا إليه، واحرصوا على الغزو في هذا الشهر الفضيل، والتعرض للشهادة فيه فهنيئاً لمن أمضى رمضان غازياً في سبيل الله"، وخاطب مقاتلي "داعش" قائلاً: "جنود الدولة في كل مكان هذه الساحات أمامكم، وهذا سلاحكم، وهذا رمضان. جددوا نياتكم لله عز وجل".
"داعش" وسياساته الاستثمارية والتسويقية في شهر رمضان ربما تمثل أقصى درجات التطرف، لكن طيف جماعات الإسلام السياسي فيه الكثير، ولا يقتصر على تكتيك واحد أو جماعة بعينها.
كل تيارات الإسلام السياسي بدرجاتها تدرك أهمية الإعلام، لا سيما في رمضان. وإذا كانت شوكة "داعش" قد انكسرت، وقبضة جماعة الإخوان المسلمين على عديد من المفاصل قد حفت أو اندثرت، فإن الساحة مليئة بالتيارات، ناهيك باستمرار بقاء المتعاطفين والمتعاطفات.
معدلات الإقبال على البرامج والمحتوى الديني يزيد بصورة ملحوظة في رمضان. وأذرع هذه الجماعات والتيارات لم تُبتر تماماً في بعض القنوات التلفزيونية الموالية والمتعاطفة، لذلك فإن سموم هذه الجماعات ونكهاتها يسهل استشعارها، لا سيما في الشهر الكريم. إنه المحتوى الذي يمتد كذلك إلى الإنترنت، حيث عديد من المواقع وصفحات السوشيال ميديا التي تمعن في نشر محتوى ديني مسيس، وآخر إنساني غارق في دغدغة المشاعر والدق على أوتار أيديولوجيا هذه الجماعات بطرق غير مباشرة، والهدف فئات أوسع، لا سيما الشباب.
في السنوات القليلة الماضية، ومع تضييق الخناق على عديد من هذه الجماعات والتنظيمات، نشطت أنظمة وحكومات عدة لمنع عمليات التغلغل الرمضاني. توزيع المواد الغذائية وموائد الرحمن وغيرهما من سبل الدق على أوتار الفقراء والمحتاجين لكسب ولائهم عبر إطعام أفواههم يظل وسيلة متبعة. تعلق هذا الباب لمعرفة تامة بهوية "المتبرع"، فتفتح عشرات النوافذ تحت أسماء مختلفة. توزيع الكتيبات والمنشورات والاسطوانات على أبواب المساجد وفي المواصلات العامة يجري السيطرة عليه ومنعه، فتجري عمليات التوزيع افتراضياً عبر المواقع والسوشيال ميديا. تفتضح منظومة التبرعات التي تسيطر عليها هذه التيارات، حيث أموال نصرة غزة، وعزة مسلمي الروهينغا، وغيرهما تصب مباشرة في جيوب أمراء هذه الجماعات والتنظيمات، فتشتد إعلانات سقيا الماء، وصب أسقف خرسانية للفقراء، وبناء مساجد لأهل القرى، وفتح كتاتيب للصغار لحفظ القرآن، وتدشين صناديق للشابات لتزويجهن وسترهن في العيد عقب رمضان، ويتم تلقي الأموال على أرقام هواتف محمولة لأشخاص.
لعبة القط والفأر مستمرة. يغلق باب الاعتكاف في المساجد، وهو أحد أبرز أبواب التجنيد الجماعي والتأثير القوي والتوجيه الفكري المكثف وغرس الأفكار التنظيمية، فيفتح باب الاعتكاف الافتراضي، حيث يعتكف الشخص مع "الإخوة"، لكن على الأثير. يمنع مشايخ ودعاة منتسبون لجماعات بعينها وأيديولوجيات معروف عنه التطرف والتشدد من إعطاء الدروس الدينية في المساجد، فيتم ضخ جيل جديد من الدعاة ينظمون أوقات دروسهم الرمضانية في فيلات في المنتجعات والكومباوندات المغلقة، ويتم حجز الحضور فيها عبر مجموعات "واتساب" المقتصرة على الأعضاء وأصدقائهم وأصدقاء أصدقائهم.
يشار إلى أن التاريخ المعاصر حافل بأسماء وشخصيات "دينية" أسهمت في جر قطاعات عريضة في المجتمع إلى فكر ديني سياسي أسهم بقدر غير قليل في توجيه دفة ما بعد رياح "الربيع العربي" صوب الدولة الدينية.
أسلمة المجتمعات الراقية
ووصل الأمر لدرجة "أسلمة" بعض التجمعات "الراقية" في مصر مثلاً (بعد أسلمة الشعبية والفقيرة لسهولة الوصول إليها) في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهي عملية الأسلمة التي كانت تشهد ازدهاراً وانتعاشاً وانتشاراً في شهر رمضان من كل عام.
اشتهر عمر عبدالكافي في التسعينيات بإلقاء خطب الجمعة، وكذلك بالدروس الدينية التي كانت تجمع الآلاف في نادي الصيد في القاهرة، لا سيما في شهر رمضان.
يصفه الكاتب الصحافي وائل لطفي الذي ألف عديداً من الكتب عن ظاهرة الدعاة الجدد، وأهدافهم، وأدواتهم التي استخدموها لإحكام قبضتهم على قطاعات عريضة من المجتمع المصري، بأنه "إمام الفنانات المعتزلات"، وعرف بفتاواه الطائفية الموجهة ضد المسيحيين، وهي الفتاوى التي سرت بين قطاعات عديدة من المصريين حتى الوقت الراهن، على رغم رحيله عن مصر ثم عودته وقت حكم الإخوان، ورحيله مجدداً بعد سقوطهم، مما يؤكد أنه "رجل الإخوان المخلص".
اشتهر الداعية والمحامي حازم صلاح أبو إسماعيل بأداء دور مشابه. فبين خطب الجمعة ودروس دينية عقب صلاة العشاء، لا سيما في رمضان، انتشرت قاعدته انتشاراً كبيراً، لا سيما بين شباب وشابات الطبقة المتوسطة، وهم الذين ظهروا في أشهر ما بعد أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 فيما يعرف بحركة "حازمون" المؤيدة لترشح "شيخهم" لرئاسة مصر، وحين تعذر ذلك لتزويره في أوراق الترشح الرسمية، نظموا الاحتجاجات والمسيرات والتظاهرات، وما زال لهم وجود عبر مواقع عنكبوتية وصفحات على السوشيال ميديا تدين للشيخ المحبوس وأفكاره الدينية والسياسية والاجتماعية بالولاء والانتماء.
على أحد المواقع الإخبارية العربية ذائعة الصيت، نُشر مقال رأي عنوانه "حازم صلاح أبو إسماعيل... عبقري لم يقدره قومه" (2017) عدد كاتبه مناقب أبو إسماعيل، فهو "رجل متدين على الثقافة الإسلامية الأصيلة، مثقف ومفكر عميق، اهتم بمشاريع الدعوة والثقافة الإسلامية منذ نشأته، سياسي خبر دهاليز السياسة منذ نعومة أظافره، قانوني مشتغل بالمحاماة منذ أكثر من 20 سنة في شتى فروع القانون العام والخاص، مما جعله من فقهاء القانون المتمرسين. استثنائية عبقريته ونضجه السياسي والفكري الذي لم يلقَ مع الأسف استجابة أو حتى التفاتة يسيرة من النخب السياسية بشتى أطيافها حتى الإسلاميين، وإلى تحليلات وتنبؤات هذا الرجل، تلك التي لو أخذت محمل الجد لرسمت خريطة مغايرة لمصر".
أبو إسماعيل لم يكن إذاً يلقي خطب الجمعة، ويجمع الشباب حوله في دروس دينية لسمو الروح وتنقية العقيدة (فقط)، بل لسمو أسهمه في المشهد السياسي وتنقية الساحة من أجل الوصول إلى قصر الرئاسة.
الدعاة "المودرن"
ظاهرة الدعاة الجدد أو "المودرن"، بحسب الكاتب وائل لطفي، وثيقة الصلة برمضان. كانت جزءاً مهماً من المشهد الديني والاجتماعي وكذلك السياسي، وبدأت تنتشر في مصر بعد انحسار نشاط التنظيمات الراديكالية العنيفة ومراجعاتها الفكرية التي أعلنت فيها عن تخليها عن العنف كوسيلة لتغيير المجتمع في التسعينيات، قبل أن ترتد وتعود إلى سيرتها الأولى، بخاصة مع انحسار وتراجع دور الشيوخ القدامى ذوي الهيئة والخلفية الأزهرية.
وعلى رغم اختفاء الكثيرين من "الدعاة الجدد"، بين هرب وسجن وإيثار السلامة بالانزواء في البيت، فإن آخرين يداومون على الظهور في مواسم "الصحوة الدينية".
هذا العام مثلاً، تشهد صالونات عديداً من البيوت، و"كلوب هاوس" كومباوندات راقية، وغيرها دروساً دينية للأجيال الأحدث من الدعاة الجدد. نساء المجتمعات الراقية يتسابقن على الحضور مرتديات "قفطان رمضان" باهظ الثمن، ويتناولن السحور بعدها في تجمعات مخملية نجحت في دس المكون الروحاني في وجبات تدفع فيها آلاف الجنيهات، والكلام معظمه بعيد من السياسة، ويتلخص في الحجاب والحشمة، ونساء النبي، وهل ترك الصلاة ابتلاء، وكيف أن القرآن يشفي من الحيرة ويداوي طغيان الشهوة، وكيفية مواجهة المسيح الدجال، وغيرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يبدو هذا المحتوى الرمضاني بعيداً من السياسة، لكن أسلمة المجتمعات يسهل عمليات الاستلاب السياسي حين تحين اللحظة الحاسمة. الناخب الذي يحمل أيديولوجيا دينية تمزج بين الدين والسياسة يميل إلى المرشح ذي الخلفية الدينية. وفي أوقات القلاقل والاحتجاجات، يصطف المواطنون مع من يشبهونهم، ومع من يرفعون شعارات تناسب تكوينهم الثقافي والاجتماعي، سواء كان "الإسلام هو الحل" أو "حازمون صامدون" أو "لا شرقية ولا غربية، إسلامية إسلامية"، أو غيرها.
وعلى رغم تضارب تيارات الإسلام السياسي وجماعاته، وتناقض طموحاتها واختلاف أغراضها فيما بينها، فإن معظمها يعي أو يأمل في أن "تديين" أكبر عدد ممكن من الأفراد سيصب في صالح أحدها يوماً ما، وأن شهر رمضان يهيئ العوامل المناسبة لهذا "التديين"، سواء عبر كرتونة أو درس وقفطان أو منشور على باب المسجد، فإن تعذر دعوة على "واتساب".