Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدراما الإذاعية... شغف تونسي يتجدد كل رمضان

إنتاج المسلسلات للراديو لا يزال يحتفظ بمكانته على رغم تطور التلفزيون والفضائيات وظهور منصات المشاهدة

يعمل المخرج على ضبط النص الإذاعي الدرامي مع جملة من المؤثرات الصوتية (اندبندنت عربية)

ملخص

 في العالم العربي أنتجت الهيئات الإذاعية مئات الآلاف من المسلسلات الإذاعية، ولا تزال تجدد مضامينها الدرامية، ولدى الإذاعة التونسية خزينة ثرية من تلك الأعمال بين مسرحيات ومسلسلات تتجاوز 20 ألف عمل. 

على رغم الثورة التكنولوجية الهائلة، وصولاً إلى عصر الذكاء الاصطناعي، صمدت الإذاعة كمحمل إعلامي تخطى عمره القرن، وهي إلى اليوم تكابد من أجل إعادة التموقع في مشهد إعلامي رقمي بامتياز، وتمكنت من فرض حضورها داخل تونس من خلال ما تقدمه من مضامين متنوعة بين الإخباري والترفيهي والثقافي، ومنها الدراما الإذاعية.

والدراما الإذاعية هي شكل فني له خصوصياته التقنية في الكتابة والإخراج والتمثيل، ويحيلنا هذا اللون الفني إلى العصر الذهبي للراديو في النصف الأول من القرن الـ20، حين تربعت الإذاعة على عرش المشهد الإعلامي في العالم العربي، وصدحت حناجر من الشرق والغرب، وارتسمت كبصمة ثابتة في أذن المستمع العربي وسطع نجم المذيعين بأصواتهم المخملية العابرة للحدود.

 وقتها يتسمر أفراد العائلة أمام ذلك الصندوق العجيب (الراديو) الذي يرسل صوتاً وموسيقى وأخباراً ويقدم مسرحيات وتمثيليات تحاكي الواقع، أو تنقده، فيرحل المستمع إلى عوالم متخيلة من خلال المؤثرات الصوتية والقصص السردية التي يبدع الممثلون في تجسيدها بأصواتهم.

ويمتلك الممثل الإذاعي القدرة على اختزال مشاعره وأحاسيسه في صوته، عند تمثيل مشهد درامي إذاعي، تلك هي خصوصية الدراما الإذاعية، الصوت هو عماد هذا اللون الفني، والممثل الإذاعي يملك مهارة تطويع صوته لمختلف اللحظات الدرامية حتى يتسلل إلى الأذن بسلاسة.

الكتابة السردية الإذاعية تسافر بالمستمع في مشاهد متخيلة، في عالم صاخب، يعج بالصور والفيديوهات، ومختلف المؤثرات المغرية، فهل لا يزال متسع للدراما الإذاعية في وجدان المتلقي اليوم، أم استحوذت الشاشة على المشهد؟

في كل رمضان، تتسابق المحطات الإذاعية العربية من أجل نيل رضا المستمع من خلال تجسيد قصص من الواقع أو من الخيال، في سرد قصصي، يستدعي الماضي، أو يلامس الواقع، في رحلة إذاعية، تعتمد الرواية والسرد والمحاكاة والمؤثرات الصوتية لتشنف أذن المستمع.

اليوم، وفي عصر "السوشيال ميديا" والتنافس المحموم بين كبرى شركات الإنتاج الدرامي السينمائي والتلفزيوني، تكابد الإذاعة من خلال الدراما التي تقدمها لشد المستمع، وإثراء معارفه حول قصص من التاريخ أو من الأسطورة، عبر صوت الممثلين ومهارة التقنيين، والمخرجين في أعمال درامية تأسر الأذن وتسافر بالمستمع عبر الأثير إلى عوالم ساحرة. 

الدراما الإذاعية باقية

المخرجة الإذاعية في مصلحة الدراما في مؤسسة الإذاعة التونسية إيمان اليحياوي، تؤمن بقدرة الدراما الإذاعية على الصمود، رغم "هول" الرقمنة والتكنولوجيا، لأنها "الوحيدة القادرة على تنمية الخيال خصوصاً لدى الأطفال"، داعية إلى تعميم الإنتاج الدرامي الإذاعي على طول السنة.

وتضيف اليحياوي أن "الإذاعة لم تعد تقوم بالوظائف التي كانت تقوم بها في الماضي، بالنظر إلى التغيرات الطارئة على المحامل الإعلامية عموماً"، داعية إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي للترويج للإنتاج الإذاعي ومن بينه الدراما"، ولافتة إلى أن "الدراما التلفزيونية استحوذت على المشهد لأن الصورة لها تأثير قوي إلا أن ذلك لن يلغي وجود الدراما الإذاعية".

 

 

وبينما تعبر المخرجة الإذاعية عن تفاؤلها باستمرارية الدراما الإذاعية، وسط صخب "السوشيال ميديا"، ومنافسة الدراما التلفزيونية، يواجه هذا الفن نقصاً في الممثلين حيث يتقلص عددهم في مختلف الهيئات الإذاعية بينما لا يتقن عديد الممثلين رغم تجربتهم، أداء هذا الفن الإذاعي.

 المستقبل الرقمي لا يستوعب الدراما الإذاعية

في المقابل، يعد الكاتب الصحافي والناقد الثقافي، وسام المختار في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن "الدراما الإذاعية أطاحت بها الدراما التلفزيونية، في وقت تقلص فيه عدد المستمعين للإذاعة، خصوصاً مع انتشار الهواتف الذكية، لأن الجمهور يريد أن يشاهد ويسمع في نفس الوقت لا أن يستمع فقط".

ويدعو المختار كل المؤسسات الإعلامية إلى أن "تطور نفسها، وتواكب التطورات التكنولوجية، والمنصات الحديثة التي تساعد المؤسسات الإعلامية في الترويج لمضامينها،  

مشيراً إلى أنه لا يمكن استخدام ’السوشيال ميديا‘ في الدراما الإذاعية وقد يقتصر دورها على الترويج لتلك الأعمال دون إمكانية نشرها".

صوت الممثل الإذاعي رأسمال رمزي

قوة الممثل الإذاعي تكمن في قدرته على المراوحة بنبرات صوته بين الهزل والجد، وبين الدرامي والتراجيدي، كيمياء الصوت تأسر الأذن وتسافر بها إلى عالم متخيل يراوح بين السرد المباشر وتمثيل الأحداث ويؤلف بينها المخرج بمؤثرات صوتية تحاكي صوت الريح والعواصف أو صخب السوق وضوضاء الباعة.

ويرى حمزة بن عبدالله، تقني صوت متخصص في الدراما الإذاعية، أن "استخدام المؤثرات الصوتية في الدراما الإذاعية، يخضع لضوابط، فلا إفراط ولا تفريط، وفي كل مشهد إذاعي أحاول أن أجسده في صور في ذهني، وأختار ما يناسبه من مؤثرات، حتى لا يغرق المتلقي في كم كبير من تلك المؤثرات الصوتية التي قد تجعل من العمل الدرامي مملاً أو صاخباً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويختلف التعامل التقني بين الممثل المحترف القادر على تطويع صوته ليتلاءم مع المشهد المطلوب، والممثل الهاوي الذي يحتاج إلى تدريب كبير على الصياغة الصوتية والشحن الدرامي في الصوت.

ويخلص حمزة إلى أن "الصوت هو منظومة متكاملة تختزل الأحاسيس، وتعبر عن المشاعر ويمكن تغيير النبرة من مشهد إلى آخر وهي مهارات يراكمها الممثل بالخبرة". 

شغف الراديو والهوس بـ"السوشيال ميديا"    

قد يبدو المشهد غريباً اليوم حينما تتحدث إلى بعض التونسيين حول الدراما الإذاعية، فمنهم من يتابع ومنهم من لا يعرف أن الإذاعة تنتج الدراما أصلاً.

ويرى عم محسن (55 سنة) يعمل كحارس ليلي في إحدى المؤسسات أن "الراديو هو أنيسه في فترة الإفطار، ورغم وجود التلفزيون فإنه يفضل الاستمتاع بصوت الاذاعة لأنها تذكره بالزمن الجميل"، وفق قوله.

وأضاف عم محسن، "أتابع الإذاعة خلال الإفطار وأستمتع بالقرآن الكريم، ثم بالسلسلة الهزلية التي تعقب موعد الإفطار، وخلال السهرة أنتقل إلى مشاهدة القنوات التلفزيونية ثم أعود إلى الراديو حتى الهزيع الأخير من الليل".

"للإذاعة سحر خاص، وللدراما رونق وعذوبة لا يضاهيها التلفاز"، هكذا يتحدث عم محسن عن جهاز المذياع الذي يرافقه منذ عقد من الزمن، وقد لفه في قطعة قماش ووضعه في قفة من السعف، ويحتفظ به كقطعة نادرة.

 

 

وبينما بدا عم محسن شغوفاً بالراديو، لا يدرك الطالب أسامة العريبي (20 سنة) الذي يدرس اختصاصاً شبه طبي في الجامعة بالعاصمة، أن الإذاعة تنتج دراما، فهو لا يستمع للإذاعة إلا قليلاً، عندما يكون برفقة والده في السيارة، والإذاعة لا تعني له شيئاً، لأن الأخبار موجودة على "السوشيال ميديا"، في تقديره.

بين شغف عم محسن بالراديو وعدم اكتراث أسامة الشاب الرقمي المنخرط في المحامل الرقمية الجديدة مسافات طويلة تختزل تاريخاً من التحولات التي شهدها المشهد السمعي البصري في العالم العربي.

مخزون عربي ثري من المسلسلات الإذاعية 

 تشهد الدراما الإذاعية في العالم العربي سنوياً منافسة قوية وسباقاً من أجل الجودة والتميز في استمالة المستمعين، ويتم تنظيم مسابقات سنوية من خلال الاتحاد العربي للإذاعة والتلفزيون من أجل التتويج بجوائز المهرجانات في اختصاص الدراما.

وعلى الرغم من كل التحديات تشق الإذاعة طريقها المحفوف بإغراءات الصورة والفيديو وثورة "السوشيال ميديا" والذكاء الاصطناعي، وتجد إلى أذن المستمع سبيلاً من خلال ما تقدمه من مواد مختلفة، وهي المتاحة في السيارات ووسائل النقل وفي الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية.

ولئن فقدت الدراما الإذاعية في العالم الرقمي اليوم جزءاً كبيراً من جمهورها، إلا أنها لا تزال تحافظ على موقعها على مستوى العالم، ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تقوم هيئة الإذاعة البريطانية بإنتاج وبث المئات من المسرحيات الإذاعية الجديدة كل سنة.

وفي العالم العربي أنتجت الهيئات الإذاعية مئات الآلاف من المسلسلات الإذاعية، ولا تزال تجدد مضامينها الدرامية، ولدى الإذاعة التونسية خزينة ثرية من تلك الأعمال بين مسرحيات ومسلسلات تتجاوز 20 ألف عمل. 

اقرأ المزيد

المزيد من فنون