ملخص
ستعمل فرنسا مع الاتحاد الأوروبي على تمكين الدول الأفريقية من الحصول على مواقع أكبر في صنع القرار داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، وكذلك في المؤسسات والمنظمات المالیة المتخصصة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وكل المؤسسات التابعة لھا.
في سیاق الجھود المتواصلة لتكریس شراكة أكثر متانة بین فرنسا والقارة الأفریقیة، استھل الرئیس الفرنسي إیمانویل ماكرون مطلع الأسبوع سلسلة من المشاورات الثنائیة في قصر الإلیزيه خصصت لبحث قضایا التحول السیاسي وتعزیز التعاون الأمني والاقتصادي مع عدد من القادة الأفارقة.
وفي ھذا الإطار استقبل ماكرون أمس الثلاثاء الرئیس المكلف بعملیة "إعادة التأسیس" في مدغشقر العقید میكائیل رندریارینا، ووفق بیان مشترك صدر عقب اللقاء، رحب الرئیس الفرنسي بما وصفه بـ "التقدم الأولي في مسار إعادة التأسیس"، مؤكداً دعم باریس لتنظیم انتخابات حرة خلال عامین، وكذلك اتفق الجانبان على إطلاق شراكة متجددة ترتكز على ثلاثة محاور أساس، فعلى الصعید السیاسي شددت فرنسا على ضرورة دعم المؤسسات الانتقالیة وتعزیز الاستقرار الداخلي، بینما جرى التأكید اقتصادیاً على توسیع المشاریع الاستثماریة المشتركة بما یسھم في تحفیز التنمیة وتحقیق نمو مستدام، أما أمنیاً فقد جدد الطرفان التزامھما بمواصلة التنسیق لمواجھة التحدیات الإقلیمیة التي تھدد الاستقرار في منطقة المحیط الھندي.
وبین دعم المسارات السیاسیة في مدغشقر وتعزیز التعاون الاقتصادي والأمني مع كوت دیفوار والدخول في جھود احتواء الأزمة المعقدة شرق جمھوریة الكونغو الدیمقراطیة، یبرز تساؤل محوري حول الدوافع الحقیقیة وراء تكثیف الرئیس الفرنسي لقاءاته مع القادة الأفارقة في ھذا التوقیت بالذات، وكذلك یطرح ھذا الحراك تساؤلاً أعمق في شأن ما إذا كانت الشراكة الجدیدة مع مدغشقر تعبر عن تحول فعلي في المقاربة الفرنسیة تجاه أفریقیا، أم أنھا لا تتجاوز حدود إعادة صیاغة الخطاب السیاسي.
شراكات جدیدة في مواجھة صعود القوى الدولیة
في قراءة تحلیلیة یشیر الباحث في الشؤون الأفریقیة إبراھیم إدریس سلیمان إلى أن فرنسا تسعى إلى استعادة حضورھا ونفوذھا داخل أفریقیا، غیر أن ھذا التوجه لم یعد یدار بالأدوات التقلیدیة التي طبعت سیاساتھا خلال العقود الماضیة، وبحسب الباحث تأتي التحركات الدبلوماسیة المتسارعة، ومن بینھا الانفتاح على مدغشقر، ضمن مسعى أوسع إلى إعادة صیاغة مقاربة إستراتيجية شاملة، وذلك في أعقاب التراجع الملاحظ لنفوذ باریس في مناطق كانت تصنف تاریخیاً ضمن مجالھا الحیوي.
وفي اعتقاد سلیمان أن ھذه المقاربة الجدیدة، بحسب تقدیرات صادرة عن دوائر رصد عدة ومراكز تقییم للسیاسات الإستراتيجية، تعكس إدراكاً متنامیاً داخل دوائر صنع القرار الفرنسیة بضرورة مراجعة الأدوات والمرجعیات الحاكمة للعلاقة مع القارة السمراء، خصوصاً في ظل التحولات الجیوسیاسیة المتسارعة.
وفي ھذا السیاق یوضح المتحدث أن ھذه التحركات ترتبط بما یُعرف بمحاولات "إعادة التخلق الإیجابي" التي یقودھا الرئیس إیمانویل ماكرون، والرامیة إلى بناء علاقة أكثر توازناً ومساواة مع أفریقیا، بعیداً من السیاسات الموروثة من حقبة شارل دیغول، مضيفاً "یعترف ھذا التوجه الجدید ضمنیاً بأن فرنسا لم تعد تمتلك الید العلیا أو التأثیر الحاسم كما في السابق، بخاصة بعد نجاح دول منطقة الساحل في تأسیس أطر تكاملیة جدیدة ذات طابع سیادي وإستراتیجي، فرضت واقعاً مختلفاً على الأرض".
ويرى الباحث في الشؤون الأفریقیة أن ھذا الواقع المستجد الذي بات یُشار إلیه في بعض التحلیلات بـ "الإستراتيجية الكبرى" في القارة، لا یضع فرنسا وحدھا أمام اختبار إعادة التموضع، بل یستدعي أیضاً من باقي الدول الأوروبیة مراجعة سیاساتھا الأفریقیة والتكیف مع معادلات جدیدة، قوامھا الشراكة لا الوصایة والتعاون لا الھیمنة.
ویقول إدریس سلیمان إن أفریقیا لیست استثناء فی ما یخص تزاید التحولات والتحالفات الجدیدة الكبرى في العالم، خصوصاً بعد لقاءات القیادات السیاسیة والاقتصادیة والأمنیة على غرار مؤتمري "دافوس الاقتصادي" و"برلین الأمني"، موضحاً أن فرنسا حالیاً تراقب تغلغل من روسیا والصین إضافة إلى قطر والإمارات في غرب أفریقیا، وتركیا في شرق أفریقیا، كون هذه الدول أصبحت من اللاعبين المؤثرين في القارة، وفرنسا تدرك أن أي تراجع إضافي قد یجعلھا خارج اللعبة، ولذلك تسعى إلى إعادة التموضع بسرعة.
ویوضح الباحث أن ماكرون أعلن منذ عام 2017 أن فرنسا ترید "شراكات على قدم المساواة" في محاولة للتخلص من إرث فرانس أفریك، وھو ما تؤكده تحلیلات حدیثة تشیر إلى أن باریس تحاول الانتقال من مقاربة عسكریة ثقیلة إلى مقاربة سیاسیة اقتصادیة أكثر توازناً، وهنا لا بد من الأخذ في الاعتبار التحولات السیاسیة الإصلاحیة في مدغشقر، إذ قدم ماكرون مؤشرات واضحة في مسألة البنیة المؤسساتیة والاقتصاد والشباب والحرص على القضایا الأمنیة المتعلقة بسیاسات الملاحة البحریة، والتي تملك فیھا فرنسا ترسانة بحریة مھمة، في ظل تزاید الصراعات داخل منطقة البحر الأحمر، مؤكداً في الوقت ذاته أن تحركات الأساطیل التابعة للولایات المتحدة باتجاه إیران تفرض على الرئیس إیمانویل ماكرون السعي إلى بناء علاقة شراكة سیاسیة راسخة مع قیادات الدولة في مدغشقر.
ماجید بودن: نحو إعادة تأسیس العلاقة
بدوره یقول أستاذ العلاقات الدولیة ماجید بودن إن العلاقة بین فرنسا والدول الأفریقیة، مھما بلغت الخلافات السیاسیة والتحولات التي تعرفھا، تبقى محكومة بعوامل التاریخ المشترك بكل ما یحمله من سلبیات، وكذلك تحكمھا الإستراتيجية الدولیة، وھذه الأخیرة تؤثر بصورة مباشرة في نتائج السیاسات الفرنسیة، ولا سیما في ما یتعلق بأفریقیا.
ویضیف بدون أنه "إذا تناولنا ھذه العلاقة من زوایاھا المختلفة، سواء الشق السیاسي والأمني، أو السیاسي والاقتصادي والمالي والمیزاني، أو السیاسي والثقافي، إضافة إلى التبادل البشري وقضایا الھجرة، نجد أن ھذه العلاقات أُسست منذ البدایة على سیاسات منبثقة عن فكرة الاستعمار، ولم تشھد تحولات عمیقة لفترة طویلة"، مؤكداً أن مسألة الاستعمار حساسة وغالباً ما تُستعمل لأغراض سیاسیة، فھناك من یوظف ملف الاستعمار في الخطاب السیاسي، في حین یرى أن الاستعمار مسألة تاریخیة مرتبطة بسیاق زمني محدد، وكان ذلك ھو الواقع السائد خلال القرنین الـ18 والـ19 وبدایة القرن الـ20، وشاركت فیه دول أوروبیة أخرى مثل إسبانیا والبرتغال وإنجلترا وألمانیا وإیطالیا، مقراً بأن ھذا التفسیر لا یوضح كل شيء.
ویشرح بودن نقطة ثانیة مفادھا أن إرجاع كل ما یحدث الیوم في أفریقیا إلى الاستعمار وحده لم یعد تفسیراً كافیاً، بخاصة أن أفریقیا تعیش الیوم في القرن الـ21، فھناك مسؤولیات تتحملھا الدول الحالیة والحكومات القائمة، وبالتالي فإن فھم ھذا الواقع یقتضي تقاطع التفسیرات التاریخیة والسیاسیة من أجل تجاوزه.
ويكمل أستاذ العلاقات الدولیة أنه إذا ما نظرنا إلى الأسس والسیاسات العسكریة والأمنیة فسنجد أن فرنسا أبرمت 52 اتفاقاً عسكریاً وأمنیاً مع دول أفریقیة منذ بدایات الاستقلال، وصولاً إلى ما حدث خلال الأعوام الأخیرة، بخاصة في منطقة الساحل والصحراء الأفریقیة، حیث شھدنا انسحاب الوجود العسكري الفرنسي الذي تزامن مع تراجع سیاسي واقتصادي كبیر، وقد بُنیت ھذه العلاقة في تلك المرحلة على أساس أمني وعسكري مستندة إلى معاھدات قانونیة تلزم الطرفین، غیر أن ھذه السیاسات كانت غیر كافیة، إذ لم تأخذ بالاعتبار مصالح الشعوب الأفریقیة بقدر ما ركزت على مصالح الحكام الأفارقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جھة أخرى یؤكد بودن أن العلاقة بین الجانبین تقوم على ركیزتین أساسیتین، تتمثل الأولى في المساعدات المالیة، إذ كانت فرنسا تقدم دعماً مباشراً لموازنات الدول الأفریقیة في صورة ھبات، غیر أن ھذه الھبات، بحسب رأیه، تخفي في الواقع حجم الخسائر التي تكبدتھا الدول الأفریقیة نتیجة مساھمتھا المحدودة في الإنتاج الاقتصادي الحقیقي، ولھذا النوع من المساعدات آثار سلبیة كذلك، إذ إن اعتماد الدولة على ما یُعرف بدعم الموازنة یجعلھا أقل حافزاً على تحریك اقتصادھا الداخلي وبناء مواردھا الذاتیة.
أما الركیزة الثانیة فتتعلق بالعلاقة الاقتصادیة التي أصبحت تعتمد بدرجة كبیرة على مداخیل الجالیات الأفریقیة في الخارج، فقد صارت التحویلات المالیة التي یرسلھا المھاجرون إلى عائلاتھم أحد الموارد الأساس التي تدخل في موازنات الدول حد أن اقتصاد بعض البلدان بات یعول بصورة كبیرة على مواطنيه المقیمین في الخارج.
عوائد التنمیة الأفریقیة
ویرى بودن أن ھذا الوضع یخلق نوعاً من "الكسل الاقتصادي" لدى الدولة، إذ تعتمد على ھذه التحویلات بدل السعي الجدي إلى تنشیط الاقتصاد الوطني، وكذلك فإن الفئة المھیمنة على الاقتصاد الداخلي تستغل موارد المھاجرین كمصدر للعملة الصعبة، من دون أن تمنحھم الحق في المساھمة الفعلیة في الاقتصاد أو خلق مناخ تنافسي حقیقي، موضحاً أن إعادة ھیكلة العلاقة الجدیدة الاقتصادیة بین فرنسا والدول الأفریقیة تأتي على ثلاث مستویات.
وھناك تطور وتقارب في وجھات النظر على ھذه المستویات، وھي المستوى الثنائي بین الدول ومستوى المتعاملین الاقتصادیین، ثم المستوى بین الاتحاد الأوروبي الذي تلعب فیه فرنسا دوراً كبیراً مع الاتحاد الأفریقي، ویشیر بودن إلى أن ھذه الأطر ستبنى على أساس التكافؤ والمساواة، وستأخذ في الاعتبار التوازن والمعاملة العادلة والمنصفة، وھو ما یعد مبدأ أساساً في القانون الدولي وقانون الاستثمار وحمایة الأطراف، ولا سیما حمایة الطرف الضعیف في ھذه المعادلة الاقتصادیة التي تشھد اختلالاً كبیراً في التوازن المالي والنفوذي والاقتصادي.
ويقول "یجري حالیاً العمل على وضع آلیات تحفظ ھذه المصالح، ولا سیما مصالح الطرف الضعیف، أي الطرف الأفریقي، إضافة إلى حمایة المستثمرین الأفارقة عبر تسھیل ولوج الصادرات الأفریقیة إلى السوق الأوروبیة، ومنھا السوق الفرنسیة من دون ضرائب، مع ضمان حمایة الاستثمار الأفریقي في أوروبا وتعزیز التكامل بینه وبین الشبكة الاقتصادیة الأوروبیة، وكذلك تحقیق التوازن بین الاستثمار الأوروبي في أفریقیا والاستثمار الأفریقي في أوروبا في مختلف المجالات".
وأمام ما سبق یؤكد بودن أن عوائد التنمیة الأفریقیة ستنعكس إیجاباً على المواطنین الأفارقة، أما فی ما یتعلق بمسألة الھجرة فیشیر بودن إلى وجود شقین أساسیین، یتمثل الأول في توفیر الحمایة للأشخاص الأفارقة داخل الاتحاد الأوروبي، وبخاصة في فرنسا، مع حمایتھم من العنصریة والتمییز ومنحھم ضمانات قانونیة طویلة المدى تكفل كرامتھم واستقرارھم، أما الثاني فیتعلق بتنظیم الھجرة والحفاظ على حقوق الأفراد لتكون الحقوق والواجبات مكفولة ومتوازنة لجمیع الأطراف.
وكذلك یفید بأن كل ھذه العوامل المتمثلة في إعادة بناء العلاقة بین فرنسا والاتحاد الأوروبي من جھة، وبین أفریقیا والاتحاد الأوروبي من جھة أخرى، تؤدي إلى تعزیز التعاون بصورة أكبر لیصبح تعاوناً جیوإستراتيجياً وسیاسیاً واقتصادیاً وثقافیاً، إضافة إلى تعزیز التبادل والتواصل بین الشعوب من جمیع الأطراف في ھذه البقعة من العالم.
وفي تحلیله ستعمل فرنسا مع الاتحاد الأوروبي على تمكین الدول الأفریقیة من الحصول على مواقع أكبر في صنع القرار داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولیة، وكذلك في المؤسسات والمنظمات المالیة المتخصصة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وكل المؤسسات التابعة لھا، باعتبار أن ھذه الدول تمثل جزءاً مھماً من سكان العالم، وجزءاً مهماً من مستقبل العالم.
ویؤكد بودن أن المرحلة الجدیدة لإعادة التأسیس بین فرنسا والدول الأفریقیة، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفریقي، ستكون مرحلة مھمة تُبنى على التعاون المحترم والمساواة في الحقوق والواجبات، مع حمایة الطرف الضعیف وضمان حمایة متكاملة لكلا الطرفین.
ویبدو أن سیاسة الرئیس إیمانویل ماكرون تجاه القارة الأفریقیة تقوم على مزیج من إعادة التموضع الإستراتیجي وإقامة شراكات متجددة بھدف الحفاظ على النفوذ الفرنسي في ظل التحولات الجیوسیاسیة الإقلیمیة والدولیة، ومع ذلك یبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت ھذه التحركات تمثل تحولاً حقیقیاً ومستداماً في السیاسة الفرنسیة تجاه أفریقیا، أم أنھا مجرد استجابة ظرفیة للمتغیرات الدولیة والإقلیمیة، وفي كل الأحوال تعكس ھذه الجولات والاجتماعات إدراك باریس أن الشراكة والتحالف أصبحا ضرورة إستراتيجية للحفاظ على موقع فرنسا في القارة، بخاصة مع صعود لاعبین دولیین وإقلیمیین جدد.