Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صدمة شرائح الذاكرة تهز سوق الهواتف الذكية عالميا

"آي دي سي": أكبر تراجع في الشحنات منذ أكثر من عقد وسط ضغط الذكاء الاصطناعي وارتفاع الكلفة قد يصل إلى 14%

تتوقع "آي دي سي" أن يرتفع متوسط سعر بيع الهواتف الذكية بنسبة 14% إلى مستوى قياسي يبلغ 523 دولاراً هذا العام (أ ف ب)

ملخص

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي ينظر إليه بوصفه المحرك الأكبر للنمو التكنولوجي خلال العقد الحالي، أصبح في الوقت نفسه سبباً رئيساً في أزمة الهواتف الذكية. فالشركات العملاق تضخ مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات قادرة على تشغيل نماذج لغوية ضخمة وتطبيقات ذكاء اصطناعي متقدمة. هذه المراكز تحتاج إلى كميات هائلة من شرائح الذاكرة، مما يدفع الموردين إلى توجيه إنتاجهم نحو هذا القطاع المربح.

 

في وقت تتسارع فيه الاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يبدو أن سوق الهواتف الذكية يدفع ثمن هذا التحول بصورة غير مسبوقة. فقد توقعت شركة "آي دي سي" للأبحاث أن تشهد السوق العالمية للهواتف الذكية أكبر انخفاض في تاريخه الحديث خلال عام 2026، مع تراجع الشحنات بنسبة 12.9 في المئة إلى 1.12 مليار وحدة، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من 10 سنوات.

التقرير لا يرصد مجرد تباطؤ دوري، بل يشير إلى تحول هيكلي عميق في الصناعة، تغذيه أزمة شرائح الذاكرة، واشتداد المنافسة على المكونات، وارتفاع الرسوم الجمركية في بعض الأسواق، إلى جانب إعادة توجيه الموارد نحو مراكز البيانات الضخمة التي تخدم ثورة الذكاء الاصطناعي.

"تسونامي" في سلسلة التوريد

وتعليقاً على ذلك، قال نائب رئيس قسم الأجهزة العالمية في "آي دي سي" فرانسيسكو جيرونيمو إن ما يشهده السوق "ليس ضغطاً موقتاً، بل صدمة شبيهة بالتسونامي نشأت في سلسلة توريد شرائح الذاكرة".

هذا الوصف يعكس حجم الاضطراب في القطاع، فمع التوسع السريع في مشاريع الذكاء الاصطناعي، استحوذت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل "ميتا" و"غوغل" و"مايكروسوفت" على الجزء الأكبر من إمدادات رقائق الذاكرة، لتغذية مراكز البيانات العملاقة التي تعتمد على معالجات ورسوميات متقدمة وذاكرة عالية الكثافة.

هذا التحول في الطلب أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الذاكرة، في وقت منحت فيه الشركات المصنعة الأولوية لمكونات مراكز البيانات ذات الهوامش الربحية الأعلى مقارنة بالأجهزة الاستهلاكية مثل الهواتف الذكية.

ضربة قاسية للهواتف منخفضة الكلفة

وبحسب التقرير سيكون التأثير الأشد على مصنعي أجهزة "أندرويد" منخفضة الكلفة، الذين يعملون بهوامش ربح ضيقة ولا يملكون مرونة مالية تمكنهم من امتصاص صدمة ارتفاع المكونات.

ويتوقع محللون أن يؤدي ارتفاع كلفة الذاكرة والمعالجات إلى تحميل جزء كبير من النفقات الإضافية على المستهلكين، خصوصاً في الفئات السعرية الاقتصادية.

ومع تضاؤل القدرة الشرائية في عدد من الأسواق الناشئة، قد تتراجع المبيعات بصورة أكبر مما تشير إليه التقديرات الحالية.

وتشير "آي دي سي" إلى أن فئة الهواتف التي يقل سعرها عن 100 دولار، والتي تمثل نحو 171 مليون جهاز، قد تصبح "غير مجدية اقتصادياً بصورة دائمة"، حتى بعد استقرار أسعار الذاكرة المتوقع بحلول منتصف 2027.

هذا يعني أن شريحة واسعة من المستهلكين في الأسواق منخفضة الدخل قد تجد نفسها خارج دائرة التحديث الدوري للهواتف الذكية.

"أبل" و"سامسونغ" في موقع أفضل

في المقابل ترى الشركة البحثية أن عملاقي الصناعة، "أبل" و"سامسونغ"، في وضع يسمح لهما باكتساب حصة سوقية إضافية مع معاناة المنافسين الأصغر أو خروجهم من السوق. والسبب في ذلك يعود إلى عوامل عدة، أولاً قوة العلامة التجارية وقدرتها على تمرير زيادات الأسعار من دون فقدان قاعدة العملاء الأساسية. ثانياً، تنوع مصادر الإيرادات، بما في ذلك الخدمات الرقمية، ثالثاً قوة المراكز المالية، التي تمكنها من التفاوض على عقود توريد طويلة الأجل بشروط أفضل.

وتتوقع "آي دي سي" أن يرتفع متوسط سعر بيع الهواتف الذكية بنسبة 14 في المئة إلى مستوى قياسي يبلغ 523 دولاراً هذا العام، في مؤشر واضح إلى انتقال الصناعة نحو طرز ذات هامش ربح أعلى لتعويض الكلفة المتزايدة.

الذكاء الاصطناعي: محرك النمو... ومصدر الأزمة

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي ينظر إليه بوصفه المحرك الأكبر للنمو التكنولوجي خلال العقد الحالي، أصبح في الوقت نفسه سبباً رئيساً في أزمة الهواتف الذكية. فالشركات العملاق تضخ مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات قادرة على تشغيل نماذج لغوية ضخمة وتطبيقات ذكاء اصطناعي متقدمة. هذه المراكز تحتاج إلى كميات هائلة من شرائح الذاكرة، مما يدفع الموردين إلى توجيه إنتاجهم نحو هذا القطاع المربح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما يفترض أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحفيز الطلب على الهواتف عبر ميزات جديدة، فإن ارتفاع الكلفة قد يبطئ دورة الاستبدال، إذ يميل المستهلكون إلى الاحتفاظ بأجهزتهم لفترات أطول في ظل الأسعار المرتفعة.

الرسوم الجمركية والضغوط الجيوسياسية

إلى جانب أزمة الذاكرة تواجه الصناعة تحديات مرتبطة بالرسوم الجمركية والتوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، فأي زيادة في الرسوم على المكونات أو الأجهزة النهائية قد تضيف طبقة جديدة من الكلفة، مما يضغط على الشركات والمستهلكين في آنٍ واحدٍ، إضافة إلى أن إعادة تموضع سلاسل الإمداد بعيداً من بعض المراكز التقليدية للتصنيع، نتيجة اعتبارات جيوسياسية، يزيد من تعقيد المشهد ويرفع النفقات اللوجيستية.

من جهتها، ترى مديرة الأبحاث في قسم تتبع الهواتف المحمولة لدى "آي دي سي" نبيلة بوبال أن "الأزمة "تشير إلى إعادة هيكلة شاملة للسوق بأكملها، وليست مجرد انخفاض موقت".

هذا التقييم يعكس تحولاً أعمق في بنية الصناعة، يتمثل في، تقلص عدد اللاعبين القادرين على المنافسة، وانتقال التركيز من الكمية إلى القيمة، وتصاعد أهمية التكامل بين العتاد والخدمات.


ومن المتوقع أن يشهد عام 2027 انتعاشاً طفيفاً بنسبة اثنين في المئة مع انحسار حدة الأزمة، يليه نمو بنسبة 5.2 في المئة في 2028، إلا أن السوق قد لا تعود إلى مستوياتها السابقة.

سيناريوهات السنوات المقبلة

إذا استمرت الاستثمارات المكثفة في الذكاء الاصطناعي بالمعدلات الحالية، فقد يظل الضغط على إمدادات الذاكرة قائماً لأعوام عدة، وفي المقابل قد يؤدي توسع الطاقة الإنتاجية لدى شركات أشباه الموصلات إلى تخفيف حدة الأزمة تدرجياً، فضلاً عن أن أي تباطؤ اقتصادي عالمي قد يحد من الطلب على مراكز البيانات، مما ينعكس إيجاباً على توافر المكونات للقطاع الاستهلاكي، لكن المؤكد أن السوق دخلت مرحلة جديدة تتسم بارتفاع الأسعار وتراجع الفئات الاقتصادية، مع هيمنة متزايدة للشركات الكبرى القادرة على التكيف مع بيئة الكلفة المرتفعة.

خلاصة المشهد

ما يجري في سوق الهواتف الذكية ليس مجرد تراجع عابر في الشحنات، بل نتيجة مباشرة لتحول استراتيجي عالمي نحو الذكاء الاصطناعي، وما يرافقه من إعادة توزيع للموارد الصناعية والمالية.

وبينما تكافح الشركات الصغيرة للبقاء، تستعد الشركات الكبرى لاقتناص مزيد من الحصة السوقية. أما المستهلك فيجد نفسه أمام أجهزة أغلى ثمناً وخيارات أقل في الفئات منخفضة الكلفة.

إنها مرحلة إعادة تشكيل كاملة لصناعة كانت حتى وقت قريب تعد الأكثر استقراراً ونمواً في عالم التكنولوجيا.