ملخص
بدت المشكلة الرئيسة في تفسير "الاتفاق" في أن الأوكرانيين يقولون إن رؤساء جميع الدول وقعوا على هذه المذكرة، وأنها بذلك تحولت إلى اتفاق، ودخلت حيز التنفيذ بمجرد التوقيع عليها، بينما يرى الجانب الآخر روسيا أنها مجرد "وثيقة لم يجر التصديق عليها، وعليه فهي مجرد إعلان، وليست اتفاقاً".
التقى الرئيس فلاديمير بوتين في ذكرى الهجوم على أوكرانيا ما يعرف محلياً بـ"العملية الروسية العسكرية الخاصة في أوكرانيا" مع قيادات جهاز الأمن والاستخبارات الخارجية الروسية، في وقت أعلنت موسكو أن "بريطانيا وفرنسا تعملان على تزويد أوكرانيا بأسلحة نووية". وأعلن بوتين إمكان نقل أسلحة نووية إلى أوكرانيا، مستشهداً بتقارير إعلامية، فيما أضاف أن "خصوم روسيا يدركون عواقب استخدام المكون النووي".
وتأتي هذه التطورات في معرض ما تشهده المنطقة من تعثر ما يجري من محادثات بين الجانبين الروسي والأوكراني تحت رعاية أميركية، من دون التوصل إلى الحلول المنشودة، وسط مخاوف متصاعدة من احتمال توسع رقعة النزاع لتطاول أبعاداً نووية بالغة الخطورة، وإن بدا ما يمكن أن يكون بصيص أمل، في ما صدر عن البيت الأبيض من تصريحات حول عزم الجانب الأميركي وضع حد للصراع القائم مع حلول الرابع من يوليو (تموز) المقبل. وذلك بما يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستبق الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي بإعلان توصله إلى تحقيق السلام في مشكلة هي الأكبر في سجل "نجاحاته"، في وضع حد لثمان من الحروب والأزمات، على حد قوله.
حملة "مضادة" كاملة العدد
في حملة كاملة العدد حذرت العاصمة الروسية من مغبة ما وصفته "استعدادات لندن وباريس لتسليح كييف بقنبلة نووية"، وكشف جهاز الأمن والمخابرات الخارجية الفيدرالي عن أن العاصمتين الغربيتين نقلتا إلى كييف "مكونات ومعدات وتقنيات ضرورية لإنتاج ما يسمى ’القنبلة القذرة‘ أو ’رأس حربي نووي‘". وأشارت المصادر الروسية إلى أن "لندن وباريس تريدان تصوير حصول كييف على أسلحة نووية، على أنه نتيجة للتطور الأوكراني".
من جانبها بادرت وزارة الخارجية الروسية إلى إصدار بيان تقول فيه إن "أية خطوات لمساعدة كييف في امتلاك قدرات نووية عسكرية"، ستعد "محاولة لخلق تهديد مباشر وخطر لأمن بلادنا"، وسيتم "رفضها بشدة".
ومن اللافت أن ما صدر من اتهامات من جانب السلطات الروسية إلى أوكرانيا بالسعي إلى امتلاك أسلحة نووية لم يكن المرة الأولى، إذ سبق وصدر عن موسكو مع بداية "العملية العسكرية الروسية" الخاصة في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 ما يدين تصريحات الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، حول أن "مذكرة بودابست"، التي وقعتها أوكرانيا عام 1994 بضمان كل من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا لم تضمن أمن أوكرانيا على رغم تخليها على عن الأسلحة النووية، وذلك ما فسرته موسكو على أنه إعلان حول رغبة أوكرانيا بالعودة لوضعيتها النووية السابقة.
كما تناقلت المصادر الإعلامية المحلية والأجنبية ما قيل حول أن أوكرانيا تخطط لتطوير ما يسمي بـ"القنبلة القذرة"، وأعلن مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين في يونيو (حزيران) 2023 ظهور معلومات تفيد بأن أوكرانيا تعمل على تطوير "قنبلة قذرة". كما أعلن الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن روسيا ستستخدم "جميع وسائل التدمير المتاحة"، إذا ما امتلكت أوكرانيا أسلحة نووية.
وذكر مساعد الرئيس الروسي للشئون الخارجية، يوري أوشاكوف، أن الكرملين سينقل ما صدر عن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية من معلومات بهذا الصدد إلى الإدارة الأميركية. وذلك بينما تناقلت الصحف الروسية ما قاله دميتري ميدفيديف نائب رئيس جهاز الامن القومي أنه "في مثل هذا السيناريو، ستضطر روسيا إلى استخدام أي سلاح، بما في ذلك الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، ضد أهداف في أوكرانيا"، "وإذا لزم الأمر، ضد الدول الموردة".
ونقلت وكالة أنباء "تاس" الرسمية ما طالب به مجلس الاتحاد الروسي من فتح تحقيقات دولية ووطنية عاجلة عقب كشف جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية عن معلومات تشير إلى نية كل من بريطانيا وفرنسا تزويد أوكرانيا بأسلحة نووية، وكشف المجلس في بيانه الصادر بهذا الشأن عن "القلق البالغ" حيال هذه المعلومات، مؤكداً أن "مثل هذه الخطوة، إن صحت ستشكل تهديداً صريحاً للأمن الدولي وانتهاكاً جسيماً لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية".
كما توجه مجلس الاتحاد بنداء مباشر إلى نظرائه في مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، وفي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيين، داعياً إياهم إلى "الإسراع في فتح تحقيقات برلمانية" في هذا الملف. وعلى الصعيد الدولي، طالب المجلس ثلاث هيئات دولية كبرى بالتحرك الفوري وفق صلاحياتها، وهي مجلس الأمن الدولي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، ومؤتمر استعراض أطراف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كما أعلن رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فولودين مثل هذا الطلب إلى البرلمانيين في كل من بريطانيا وفرنسا، يناشدهم النظر في هذا الأمر.
أوكرانيا تنفي
على رغم ما صدر من تصريحات عن القيادة الأوكرانية حول رغبتها في استعادة وضعيتها النووية، وما أكدته سلطات كييف من رفضها لما سبق ونصت عليه "مذكرة بودابست" من بنود تتضمن ضمانات أمنية لأوكرانيا من جانب البلدان الثلاث الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، وما تقوله حول إن من حقها العودة لتطوير قدراتها النووية، نقلت وكالة "رويترز" عن جورجي تيخي المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية ما قاله حول نفي كييف القاطع لما صدر عن موسكو من اتهامات حول سعيها إلى الحصول على أسلحة نووية بمساعدة بريطانيا وفرنسا. وذكر تيخي بأن كييف نفت مراراً وتكراراً مثل هذه "التصريحات" التي وصفها بـ"السخيفة" من روسيا، وقال إنها تكرر ذلك رسمياً مرة أخرى، كما دعا المجتمع الدولي إلى "رفض وإدانة قنابل المعلومات القذرة الروسية".
ونقلت المصادر الغربية ما قالت إنه صدر عن أحد حسابات وزارة الخارجية الفرنسية على موقع التواصل الاجتماعي "إكس" حول أن "روسيا، التي تدخل عامها الخامس من عمليتها في أوكرانيا، تحذر من أن القوات النووية الفرنسية والبريطانية تشكل خطراً". كما نفى المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ما وصفه بـ"مزاعم روسيا"، وقال إن "هذه محاولة واضحة من فلاديمير بوتين لصرف الأنظار عن أفعاله المروعة" في أوكرانيا. وفي الـ23 من فبراير، أعلن فاليري زالوجني الرئيس السابق للقوات المسلحة الأوكرانية والسفير الحالي لدى بريطانيا، أن الأسلحة النووية في العالم الحديث هي أسلحة تدمير ذاتي وليست أسلحة ردع، وأن الصواريخ قد غيرت وظيفتها.
مذكرة بودابست
مذكرة بودابست (1994) هي اتفاق سياسي وقعته أوكرانيا، بضمان كل من الولايات المتحدة، وروسيا، والمملكة المتحدة، تعهدت بموجبه أوكرانيا بالتخلي عن ترسانتها النووية في مقابل ضمانات أمنية، واحترام سيادتها، ووحدة أراضيها، وعدم استخدام القوة ضدها. وقد جرى توقيع هذه المذكرة من جانب الرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما، وبضمان كل من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ونظيره الروسي بوريس يلتسين، ورئيس الوزراء البريطاني جون ميجور في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 1994، وذلك في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في ديسمبر 1991 لضمان عدم انتشار الأسلحة النووية. كما انضمت دولتان من الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى المذكرة "بمذكرتين منفصلتين (متماثلتين)، وهي كازاخستان وبيلاروس، تنصان على الشروط نفسها التي تنطبق على أوكرانيا.
وقد عادت هذه "المذكرة" لدائرة الرؤية، وغدت عرضة للتفسيرات المختلفة، بعد اندلاع الصراع الروسي - الأوكراني في أعقاب إعلان روسيا ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014. وفي هذا الصدد كتبت آنا يورانيتس في "غازيتا رو"، تحت عنوان "كنا نظن أننا نبني عالماً مختلفاً، 25 عاماً على مذكرة بودابست للضمانات الأمنية" عن الخلاف بين روسيا وأوكرانيا حول تفسير المذكرة، وأشارت إلى أن قضية الأسلحة النووية على أراضي الاتحاد السوفياتي السابق عقب تفككه شكلت تحدياً ملحاً على خلفية الانهيار الاقتصادي واندلاع الصراعات الإقليمية في أبخازيا وقره باغ وطاجيكستان وأوسيتيا الجنوبية وترانسنيستريا (ما وراء الدنيستر) في مولدوفا، مما أدى إلى ظهور خطر حقيقي من سقوط الرؤوس النووية في أيدي الإرهابيين الذين كانوا انتشروا بصورة بالغة الحدة في ربوع الفضاء السوفياتي السابق. واحتلت أوكرانيا في هذه القضية مكانة الصدارة، إذ ورثت عن الاتحاد السوفياتي، وفقاً للمصادر الأوكرانية، 176 صاروخاً عابرا للقارات، وأكثر من 2500 صاروخ تكتيكي، لتصبح أوكرانيا آنذاك ثالث قوة نووية في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكانت بيلاروس وكازاخستان وأوكرانيا إلى جانب روسيا والولايات المتحدة الأميركية قد وقعت بروتوكول لشبونة في مايو (أيار) 1992، الذي تخلت بموجبه الجمهوريات السوفياتية السابقة عن ترسانتها النووية، ونقلت رؤوسها النووية إلى روسيا، على خلفية الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، إلا أن أوكرانيا وحدها طالبت في مقابل تنازلاتها أحادية الجانب، ضمان وحدة الأراضي، وهو الشرط الذي حصلت عليه عام 1994 في بودابست.
وقالت وثيقة بودابست أنه "بما أن أوكرانيا وقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كدولة غير حائزة للأسلحة النووية، فإن الدول الموقعة على الوثيقة تؤكد من جديد التزاماتها لأوكرانيا باحترام استقلال وسيادة ووحدة أراضيها وحدودها القائمة، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد وحدة أراضيها أو استقلالها السياسي".
وعادت مذكرة بودابست من الذاكرة لتتصدر المشهد السياسي، بوصفها الوثيقة الأهم، في مطلع عام 2014، عندما أصبحت شبه جزيرة القرم جزءاً من روسيا، وفقاً للاستفتاء الذي جرى في ذلك الحين، وبعد تظاهرات ما سمي آنذاك بـ"الميدان الأوروبي" في أوكرانيا.
وبدت المشكلة الرئيسة في تفسير "الاتفاق" في أن الأوكرانيين يقولون إن رؤساء جميع الدول وقعوا على هذه المذكرة، وأنها بذلك تحولت إلى اتفاق، دخل حيز التنفيذ بمجرد التوقيع عليه، بينما يرى الجانب الآخر روسيا أنها مجرد "وثيقة لم يجر التصديق عليها، وعليه فهي مجرد إعلان، وليست اتفاقاً".
من جانبها ترى القيادة الروسية الأمر من زاوية أخرى، وفي هذا الشأن قال بوتين "قيل لنا إن هذا ليس استيلاء مسلحاً على السلطة، وإنما هو ثورة. حسناً، فإذا كانت هذه ثورة، يصعب علي إذاً أن أختلف مع خبرائنا الذين يرون أن تلك دولة جديدة تظهر على أرض الواقع، ونحن لم نوقع بعد أية وثائق ملزمة مع هذه الدولة الجديدة".