ملخص
ما إن بدأ العالم يركن إلى التهدئة، حتى انقلب ترمب على فكرة "السلام الحقيقي" وجائزته إلى الاتجاه المعاكس بإعلانه تبني ما هو أقرب إلى سياسات التطرف وشن الحرب على إيران، ثم إلى ما هو أبعد بتدبير وتنفيذ عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وقرينته.
لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي عما يمكن تسميته "الشطحات والتقلبات"، التي طالما أعلن عنها بمناسبة ومن غير مناسبة. وكان ترمب استهل مثل هذه المسيرة بإعلان عزمه حل الأزمة الأوكرانية في غضون 24 ساعة، سرعان ما زادت إلى شهرين ثم إلى ستة أشهر، ليعود ويهدد باحتمالات انسحابه من مثل هذه الوساطة. فضلاً عما صرح به منذ عودته إلى البيت الأبيض، حول أحقيته في الحصول على جائزة "نوبل" للسلام، قبل أن يغير توجهاته نحو التشدد الذي مضى في دربه حتى تزعم حملة "اختطاف" الرئيس الفنزويلي نيكولاس، معلناً عما يجول بخاطره من رغبات في شأن ضم غرينلاند وكندا والمكسيك إلى الولايات المتحدة، والتهديد بمهاجمة بلدان أخرى منها إيران التي شارك إسرائيل في قصف منشآتها النووية.
أما عن علاقاته مع إسرائيل فقد مضى بها إلى حدود بعيدة ليستكمل ما بدأه خلال ولايته الأولى بنقل سفارة بلاده إلى القدس الشرقية، ومباركة كثير من تجاوزات رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ومطامعه في أجزاء أخرى من الأراضي السورية واللبنانية.
أحلام وكوابيس
يذكر العالم كله ما فاجأ به ترمب الأوساط السياسية والدبلوماسية العالمية حول إنجازاته على طريق الحصول على "نوبل" بما قاله في شأن نجاحه بحل كثير من الأزمات ووقف الحروب. خلال وقت بدأ ترمب يرفع ما يسمي بالتعريفة الجمركية، أو ما هو أقرب إلى العقوبات الاقتصادية ضد كثير من بلدان العالم وفي مقدمها روسيا والصين والهند وإيران، ناهيك بالتهديد بالاستيلاء على غرينادا، وضم كل من كندا والمكسيك كما أشرنا عاليه.
وما إن بدأ العالم يركن إلى التهدئة، حتى انقلب ترمب على فكرة "السلام الحقيقي" وجائزته إلى الاتجاه المعاكس بإعلانه تبني ما هو أقرب إلى سياسات التطرف وشن الحرب على إيران، ثم إلى ما هو أبعد بتدبير وتنفيذ عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وقرينته، معيداً إلى الأذهان ما سبق وقامت به القوات الأميركية من عمليات إرهابية داخل العراق وليبيا وعدد من بلدان أميركا اللاتينية، في مخالفات صارخة لكل التشريعات ومبادئ القانون الدولي.
وانتفض العالم بأسره جراء ما يقوم به "رجل السلام" الذي سبق ورشح "نفسه بنفسه" للحصول على جائزة "نوبل" دونما سند أو قرينة، قبل أن يعود ليعلن عن تشكيله لما يسمي "مجلس السلام" الذي دعا إلى الانضمام إليه رؤساء كثراً من مختلف الأطياف والتوجهات. وأبدى الرئيس الأميركي استخفافاً بالمؤسسات المتعددة الأطراف التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي سبق وشاركت الولايات المتحدة والقوى الغربية في تشكيله بعد الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن تجاهله للأمم المتحدة التي شاركت بلاده مع الاتحاد السوفياتي السابق في إنشائها للحفاظ على النظام العالمي.
بدلاً من الأمم المتحدة
وها هو ترمب يحاول مجدداً الالتفاف على ما سبق وأعلنت المجتمعات العربية رفضها لتدبيره، وبدأ تنفيذ مشاريع وخطط قديمة استهدفت تهجير الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، من خلال ما يسميه ترمب "مجلس السلام" للإشراف على إعادة إعمار القطاع بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرت ما يزيد على عامين. ومن اللافت أن ميثاق "مجلس السلام" يدعو ضمناً إلى إنشاء "هيئة دولية لحفظ السلام أكثر مرونة وفعالية"، مما يوحي بأن صلاحياته ستكون أوسع بكثير، وربما تشكل بديلاً للأمم المتحدة.
ولم يكن الرئيس الأميركي ليفوت مثل هذه الفرصة ليعلن صراحةً عما سيجنيه من مكاسب مالية من وراء إنشاء مثل هذا المجلس، إذ أعلن صراحة مطالبته لكل من يعرض عليه الانضمام إلى عضوية المجلس دفع مليار دولار مقابل العضوية الدائمة، مما يثير عدداً من التساؤلات. وفي هذا الصدد نقلت مصادر فرنسية عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما صرح به حول أن فرنسا لا تعتزم قبول الدعوة التي تلقتها بلاده للانضمام إلى "مجلس السلام" إلى جانب عدد من الدول". وقالت المصادر إن ميثاق المجلس يثير تساؤلات جدية، لا سيما في ما يتعلق بالالتزام بمبادئ وهيكل الأمم المتحدة، التي لا يمكن التشكيك فيها تحت أي ظرف من الظروف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ذلك ما أودعه ماكرون ضمن رسالته إلى الرئيس الأميركي الذي سارع بنشرها مقرونة بتعليقه الساخر حول أنه بإمكانه "تنظيم اجتماع لمجموعة السبع الكبار في باريس الخميس المقبل". ومضى ليقول إن بإمكانه أيضاً "دعوة الأوكرانيين والدنماركيين والسوريين والروس للمشاركة في هذا المجال". وأعلن البيت الأبيض رداً على هذا التعنت من جانب الرئيس الفرنسي أن ماكرون "لا فائدة منه لأحد" لأنه سيغادر منصبه قريباً. بل إنه هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 200 في المئة على النبيذ والشمبانيا الفرنسيين إذا رفضت باريس اقتراحه.
ولعل ما أشارت إليه "الديباجة" التي تصدرت "ميثاق المجلس" حول أن السلام الدائم يتطلب حكمة عملية وحلولاً منطقية وشجاعة للتخلي عن المناهج والمؤسسات التي طالما فشلت مراراً وتكراراً"، وهو ما يمكن أن يكون تلميحاً يغني عن أي تصريح حول أن ترمب جاد في سعيه لأن يكون المجلس بديلاً للأمم المتحدة. بعدما سبق وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي إن "الولايات المتحدة، وبعد كل الحروب والصرعات التي خاضتها، قد تكون هي الأمم المتحدة الحقيقية". ومضي في القول إن ذلك يعني أن الخطوة المنطقية لا بد أن تكون إنشاء مجلس سلام برئاسة ترمب مدى الحياة، واتخاذ خطوة أخرى نحو "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
وفي هذا الشأن ستكون صلاحيات دونالد ترمب حصرية، بما يعني حقه في تحديد الدول أعضاء المجلس، وتكريس ضرورة موافقته على جميع قراراته، وفي حال تعادل الأصوات يكون صوته "حاسماً". وفي هذا الصدد أشارت مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية إلى غياب أي ذكر لغزة في الوثيقة. علاوة على ذلك ينص الميثاق على أن دونالد ترمب هو الرئيس وليس رئيس الولايات المتحدة، مما يسمح له رسمياً برئاسة الهيئة حتى بعد مغادرته البيت الأبيض.
ومن المنتظر أن يوقع ميثاق "مجلس السلام" خلال الـ22 من يناير (كانون الثاني) الجاري على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وسيترأس ترمب المجلس. ومن المرجح أن تتولى هذه الهيئة، التي كان من المقرر في البداية أن تركز على إعادة إعمار غزة، مسؤوليات أوسع. ودعا عشرات رؤساء الدول للانضمام إليها، بمن فيهم فلاديمير بوتين وألكسندر لوكاشينكو من روسيا وبيلاروس.
"مجلس خاص"
ونشرت صحيفة "فيدوموستي" الروسية،تقريراً عن هذا المجلس قالت فيه إن مشروع تشكيله نُوقش للمرة الأولى بالتفصيل أواخر سبتمبر (أيلول) 2025، عندما نشرت السلطات الأميركية خطة ترمب المفصلة المكونة من 20 بنداً لإنهاء الصراع داخل قطاع غزة. وتنص هذه الوثيقة على أنه بعد انتهاء الأعمال العدائية وإطلاق سراح الرهائن خلال المرحلة الأولى من التسوية - التي جرت خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 - ستتولى لجنة فلسطينية إدارة المنطقة، وتضم مسؤولين محليين مؤهلين وخبراء دوليين. وستعمل هذه اللجنة تحت إشراف "مجلس السلام" الانتقالي، وستحدد الإطار التنموي العام، وتدير تمويل إعادة إعمار قطاع غزة إلى حين إتمام السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي وضم كامل القطاع إلى سيطرتها. وأعلن البيت الأبيض خلال الـ16 من يناير 2026 إنشاء هيئتين تابعتين لـ"مجلس السلام": مجلس تنفيذي، ولجنة تنفيذية خاصة بغزة.
وننقل عن صحيفة رجال الأعمال الروسية "فيدوموستي" ما كتبته حول أن اللجنة التنفيذية للمجلس ستضم كلاً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وغيرهم من القادة ذوي الخبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية. ويضم المجلس من البلدان العربية "الدبلوماسي القطري علي الذوادي ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد ووزيرة التعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال الإسرائيلي القبرصي ياكير غاباي ومنسقة الأمم المتحدة السابقة للشؤون الإنسانية سيغريد كاغ، والمبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف. وسيعمل المجلس على ضمان حوكمة فعالة وتوفير الخدمات التي من شأنها "تعزيز السلام والاستقرار والازدهار لشعب غزة". أما عن إسرائيل فقد أعلنت أن تشكيل اللجنة التنفيذية لم يُتفق عليه معها ولا يعكس مصالحها.
موقف الكرملين
وتعليقاً على دعوة الرئيس الأميركي لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في شأن الانضمام إلى المجلس، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن رئيسه تلقى الدعوة عبر القنوات الدبلوماسية، موضحاً "نراجع حالياً جميع تفاصيل هذا الاقتراح، ونأمل في التواصل مع الجانب الأميركي لتوضيح جميع التفاصيل الدقيقة".
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن دعوة ترمب لبوتين كانت مدفوعة برغبته في الحفاظ على الحوار والعلاقات الودية معه. وإضافة إلى بوتين، وجه ترمب دعوات إلى الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، والرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، للانضمام إلى "مجلس السلام". واقترح الرئيس الأميركي كذلك انضمامهما إلى المجلس كعضوين مؤسسين.
وأعلنت وزارة الخارجية البيلاروسية خلال وقت لاحق من ذلك اليوم، أن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو تلقى دعوة مماثلة. وقال المتحدث باسم الوزارة روسلان فورونكوف "تقترح بيلاروس، في سياق حل الأزمة داخل غزة، أن تصبح عضواً مؤسساً في مجلس السلام، وهي منظمة دولية جديدة". وأوضحت وزارة الخارجية أن لوكاشينكو رد "بإيجابية" على اقتراح ترمب. ووفقاً لفورونكوف فإن "بيلاروس مستعدة للمشاركة في أعمال مجلس السلام، وتأمل أن يسهم هذا الهيكل أيضاً في حل النزاعات الأخرى". وجرى توجيه الدعوة إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي لم يفصح عن رأي أو تعليق بعد.