ملخص
تنص هذه المعاهدة على أنه يحق لكل طرف تحديد تكوين وهيكل أسلحته الهجومية الاستراتيجية بشكل مستقل ضمن الحدود العامة التي تحددها المعاهدة (ويجوز له زيادة عددها في إطار هذه الوثيقة). كذلك تحظر المعاهدة نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية خارج أراضيه الوطنية.
بعد حماسة واضحة من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى توليه مهام منصبه في البيت الأبيض مطلع العام الماضي، لبحث اقتراح نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول مد فترة صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "نيو ستارت" لمدة عام واحد، تناسى ترمب ما أعرب عنه من استعداد لوضع ذلك الاقتراح حيز التنفيذ. ولم يقتصر الأمر على مجرد التسويف، إذ أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ورداً على اقتراح نظيره الروسي، قراره حول استئناف التجارب النووية الأميركية، بحجة أن "الآخرين يفعلون ذلك". وكان الرئيس بوتين أعلن عن عدد من القرارات اتخذها رداً على قرار سابق للرئيس ترمب حول استئناف التجارب النووية للولايات المتحدة اعتبرته موسكو تحولاً خطراً للغاية، وتوعدت بأنها سوف تتخذ إجراءات مماثلة.
بين الماضي والحاضر
وقع الرئيسان السابقان الروسي ديمتري ميدفيديف والأميركي باراك أوباما معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية في 8 أبريل (نيسان) 2010 في العاصمة التشيكية براغ. وجرى تمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات أخرى تنتهي في الخامس من فبراير (شباط) 2026، وتتضمن بنداً يسمح بالانسحاب. وقد وصف دونالد ترمب هذه المعاهدة التي سميت بـ"نيو ستارت" بأنها "صفقة أحادية الجانب"، معتقداً أنها أكثر فائدة لموسكو من واشنطن. وأصرت إدارته على صياغة معاهدة جديدة بمشاركة الصين أو على تمديد الاتفاقية، بشرط تضمين أحدث أنواع الأسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية، إضافة إلى آليات تَحَقق إضافية.
وتنص هذه المعاهدة على أنه يحق لكل طرف تحديد تكوين وهيكل أسلحته الهجومية الاستراتيجية بشكل مستقل ضمن الحدود العامة التي تحددها المعاهدة (ويجوز له زيادة عددها في إطار هذه الوثيقة). كذلك تحظر المعاهدة نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية خارج أراضيه الوطنية. ويتناول بندان من بنود المعاهدة الدفاع الصاروخي الباليستي: الأول يتعلق بالعلاقة بين الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (الأسلحة النووية) والأسلحة الدفاعية الاستراتيجية (أنظمة الدفاع الصاروخي)، والثاني يحظر تحويل منصات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات إلى منصات إطلاق صواريخ اعتراضية للدفاع الصاروخي، والعكس كذلك. ولا توجد قيود على الدفاع الصاروخي. كذلك فإن ما يُسمى بإمكانية الاختراق - أي الرؤوس الحربية النووية المخزنة - غير واردة في المعاهدة. ومن الناحية الفنية، يمكن نشر هذا الجزء من الترسانة النووية بسرعة نسبية إذا توقف أي من الطرفين عن الامتثال للمعاهدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك تنص على أن يقوم كل طرف بخفض وتقييد أسلحته الهجومية الاستراتيجية بحيث لا يتجاوز عددها الإجمالي، بعد سبع سنوات من دخولها حيز النفاذ، 700 صاروخ باليستي عابر للقارات (ICBM) وصواريخ باليستية تُطلق من الغواصات (SLBM) وقاذفات ثقيلة، و1550 رأساً حربياً عليها 800 منصة إطلاق (PLs) للصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، سواء كانت منتشرة أم لا، إضافة إلى القاذفات الثقيلة. وقد أدخلت المعاهدة مفهوم منصات الإطلاق "غير المنتشرة"، أي تلك التي ليست في حال تأهب قتالي ولكنها تُستخدم للتدريب أو الاختبار ولا تحمل رؤوساً حربية.
ويشمل نطاق المعاهدة أيضاً الأسلحة الهجومية الاستراتيجية حديثة الإنشاء. وقد جرى تبادل وثائق التصديق في 5 فبراير (شباط) 2011 في ميونيخ، وهو تاريخ دخول المعاهدة حيز التنفيذ، لتحل محل معاهدة خفض وتقييد الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "ستارت 1" المؤرخة في 31 يوليو (تموز) 1991، ومعاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية المؤرخة في 24 مايو (أيار) 2002.
بوتين و"الناتو"
وصرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن موسكو لا تعارض مشاركة دول حلف "الناتو"، في مناقشة معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية "نيو ستارت". وقال في حديثه للقناة الرسمية الإخبارية "روسيا 1"، "نحن على علم بالظروف التي دفعت الحلف للإدلاء بهذه التصريحات بتوجيهات من الأميركيين. لقد ادعوا في الوقت نفسه أنهم يشاركون بطريقة ما في هذا الحوار، ولكنهم ليسوا طرفاً رسمياً في المعاهدة، فهي مكونة من طرفين: روسيا والولايات المتحدة".
وأضاف بوتين "(الناتو) أدلى ببيان حول هذه القضية، وفي الوقت نفسه قدم طلباً لإجراء نوع من النقاش حول هذه المسألة. حسناً إذا كان الأمر كذلك فلا مانع لدينا، دعهم يشاركون في هذه المناقشة".
وأشار الرئيس الروسي إلى أنه يجب على روسيا أن تأخذ في الحسبان القدرات النووية المتوافرة لدى الولايات المتحدة، وكذلك لدى فرنسا وبريطانيا، في الوقت الذي يعتبر فيه "الناتو" إلحاق "هزيمة استراتيجية" بروسيا هدفاً رئيساً له.
وكان بوتين أعلن في خطاب أمام الجمعية الفيدرالية تعليق مشاركة روسيا في معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "ستارت". وفي اليوم نفسه، أعرب الأمين العام السابق للحلف ينس ستولتنبرغ عن أسف "الناتو" إزاء قرار روسيا، ودعا إلى إعادة النظر فيه. ومن المعروف أن معاهدة "نيو ستارت"، التي تم تمديدها عام 2021 للمرة الثانية بعد فترتها الأولى التي استمرت لمدة عشر سنوات، هي آخر اتفاقية رئيسة للحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو، وينتهي العمل بها في الخامس فبراير (شباط) 2026.
وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خطابه أمام الجمعية الفيدرالية، في 21 فبراير 2023، تعليق روسيا لمشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية "نيو ستارت" الوحيدة السارية حالياً بين روسيا والولايات المتحدة، رداً على قرار نظيره الأميركي دونالد ترمب حول استئناف الولايات المتحدة تجاربها النووية. وأكد بوتين أن هذه الخطوة لا تعني انسحاباً كاملاً من الاتفاقية، وأنه لاستئناف المشاركة يجب على روسيا أن تفهم كيفية احتساب ترسانة الضربات المشتركة لحلف "الناتو". ونقلت وكالة "نوفوستي" عن سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو تصريحاته حول أن موقف روسيا من معاهدة "ستارت" الجديدة مع الولايات المتحدة ثابت ولم يطرأ عليه أي تغيير، فضلاً عما قاله حول أن هذه الآلية تتعلق بالأمن، بما في ذلك اتفاقية القوى النووية الاستراتيجية. وتساءل شويغو: ماذا بعد انتهاء هذه المعاهدة (معاهدة "ستارت" الجديدة) بعد عام؟ وعما إذا كان سوف يجري تمديدها أم يتم الاتفاق على عقد معاهدة جديدة. وقال "هناك بالطبع عديد من الأسئلة التي يجب حلها الآن مع الإدارة الأميركية الجديدة. وبطبيعة الحال، موقفنا واضح ومفهوم، وقد أوردناه عندما قامت إدارة بايدن، من دون إيجاد مخرج آخر، بتمديد العمل بها لمدة 5 سنوات".
وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، المسؤول عن ملف العلاقات مع الولايات المتحدة وقضايا التسلح، استعداد روسيا لواقع جديد خال من القيود النووية مع انتهاء المعاهدة. وأضاف "هذه لحظة جديدة وواقع جديد نحن مستعدون له. وقد حسبنا وافترضنا إمكانية حدوث ذلك، ولا شيء جديداً في الأمر، ولا نرى أي مبرر لتضخيم ما يحدث. والحقيقة أننا نفقد عناصر الاستقرار في النظام السابق، وتتضح بشكل متزايد مظاهر هذا التوجه الطوعي الذي يقترب من الفوضى". كذلك شدد على أن الحوار مع الولايات المتحدة حول الاستقرار الاستراتيجي "مستحيل من دون مراجعة جذرية لمسار واشنطن العدائي".
وكان ريابكوف سبق أن قال إن الولايات المتحدة تتلاعب بالبيانات الخاصة بأسلحة هجومية استراتيجية. وأشار إلى أن موسكو تظهر كل شفافية ممكنة في المجال النووي ضمن الحدود التي تحددها اعتبارات المصلحة السياسية والعسكرية. كذلك ذكر أن الدول الغربية، على العكس من ذلك، غالباً ما تقدم أرقاماً وهمية، بالتالي فإن البيانات التي نشرتها وزارة الخارجية أخيراً في شأن معاهدة "ستارت" الأميركية "لا تتوافق مع قواعد الحساب في إطار المعاهدة، والتي تحاول واشنطن بعناد التحايل فيها".
انضمام الصين
من جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضرورة إشراك دول أخرى إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا في أي اتفاق جديد في شأن اتفاقية الحد من الأسلحة النووية. وقال الرئيس الأميركي في حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز" رداً على سؤال حول الوضع المتعلق بانتهاء المعاهدة الروسية - الأميركية للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "إذا كانت انتهت، فلتنته". وأضاف "ربما يجدر بنا إشراك لاعبين آخرين، وسنعمل ببساطة على اتفاقية أفضل"، وأوضح أن الولايات المتحدة تهدف بعد انتهاء معاهدة "نيو ستارت" إلى إبرام "اتفاق أكثر فائدة" يشمل الصين، في إشارة إلى رغبة واشنطن بتوسيع نطاق الاتفاقات النووية لتستقطب قوى نووية أخرى.
يأتي ذلك كله في أعقاب إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق، أن موسكو مستعدة بعد 5 فبراير الجاري لمواصلة الالتزام بقيود المعاهدة لمدة عام، مشترطاً رداً مماثلاً من الولايات المتحدة. وقد وصف ترمب حينها اقتراح بوتين بأنه "فكرة جيدة" كما ذكرت تقارير إعلامية. وأشار قرار صادر عن الكونغرس الأميركي إلى أن "المعاهدة الجديدة لا تفرض قيوداً على نشر أنظمة الدفاع الصاروخي، بما في ذلك في أوروبا". واحتفظت روسيا بحقها في الانسحاب من المعاهدة إذا وصل نظام الدفاع الصاروخي الأميركي إلى مرحلة من التطوير تُشكل تهديداً لروسيا. وجرى النص صراحة على أن أحكام الديباجة التي حددت العلاقة بين معاهدة "نيو ستارت" واتفاقية الدفاع الصاروخي الباليستي ملزمة قانوناً ويجب على الطرفين احترامها بالكامل. وكان بوتين سبق أن طرح فكرة مد صلاحية المعاهدة لمدة عام آخر يمكن أن يوفر مساحة زمنية للاتفاق بين البلدين حول مستقبل العلاقة بينهما. كذلك طرح الرئيس الأميركي فكرة انضمام الصين إلى المعاهدة، بينما طالب بوتين بوضع القدرات النووية لكل من فرنسا وبريطانيا ضمن حسابات التكافؤ بين الجانبين. وجنح ترمب نحو استئناف التجارب النووية وتعزيز قدرات بلاده بانتظار "اتفاق أفضل".
ونشر الموقع الإلكتروني لقناة "روسيا اليوم" التزامات معاهدة "ستارت 3" (نيو ستارت) والقيود العددية للمعاهدة، وهي: الحد الأقصى 1550 رأساً نووياً منشوراً و700 صاروخ وقاذفة استراتيجية، و800 منصة إطلاق لكل طرف. إلى جانب آليات التحقق التي تمثلت في اعتماد عمليات تفتيش ميداني مشتركة وتبادل دوري للبيانات لضمان الشفافية والامتثال. ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ عام 2011 وجرى تمديدها حتى الخامس من فبراير 2026. وفي فبراير 2023 أعلنت روسيا تعليق مشاركتها في أنشطة التفتيش، ولكنها أكدت التزامها بالحدود العددية حتى نهاية 2024. وكان "الكرملين" أعلن عن تحذيراته من "أن انتهاء المعاهدة في الـ5 من فبراير 2026 من دون بديل قد يشعل مرحلة جديدة من التوتر النووي وسباق التسلح، بسبب انهيار آلية التحقق والثقة الوحيدة الباقية بين موسكو وواشنطن"، بينما عاد الرئيس الأميركي عن سابق استعداده للتفكير في مهلة العام التي طرحها نظيره الروسي.