ملخص
ظل توني بلير يُختزل لسنوات في قرار حرب العراق، فيما تراجع إلى الخلف حديث إنجازاته كرئيس وزراء غيّر وجه الحكم في بريطانيا عبر إصلاح الخدمات العامة وصناعة مزاج من التفاؤل والفوز الانتخابي المتكرر. يكشف الوثائقي كيف بدأ هذا الاختزال يتصدع اليوم، مع عودة الاهتمام بجذوره العائلية وعقليته السياسية التي لا تغادره، وبالوجه الإنساني لعائلته خلف واجهة السلطة.
في الأعوام الأولى من تدريس مقرر "أعوام بلير" الذي أقدمه مع الأستاذ جون ديفيس منذ عام 2008، كان الطلاب يريدون فهماً أعمق لقرار توني بلير الانضمام إلى الغزو الأميركي للعراق.
ومثل مايكل وولدمان، صانع الوثائقي الذي عرض هذا الأسبوع على "القناة الرابعة"، بدا الطلاب منشغلين بشدة بكيفية إقدام بلير على فعل بدا واضحاً إلى حد كبير أنه كان خطأً، ولماذا لا يعترف، بعد فوات الأوان، بأنه ارتكب خطأً.
لكن في الأعوام الأخيرة، بات اهتمام الطلاب منصباً بدرجة أكبر على أسباب نجاحه الكبير كرئيس للوزراء. يريدون أن يعرفوا كيف حسن الخدمات العامة، وكيف بث روح التفاؤل، وكيف فاز في الانتخابات واستمر في الفوز بها.
ومع ذلك، أعتقد أن وولدمان نجح لأنه قدم صورة أكثر اكتمالاً مما قدمه غيره، وذلك على رغم أن بلير واجه محاولات التعمق في حياته الخاصة بقدر من الصراحة والمباشرة لم أعهده منه من قبل.
قال بلير لوولدمان: "من المهم جداً أن تفهم شيئاً عني: أنا لست من أنصار التحليل النفسي. هناك مبالغة كبيرة فيه، والناس يمضون وقتاً أطول مما ينبغي في تحليل أسباب قيامهم بما يقومون به. أنا أعرف لماذا أفعل ما أفعله، لأنني أؤمن به. وإذا لم يقبل الناس ذلك، فسأمضي ببساطة في فعله".
غير أن آخرين يستطيعون التكهن بحجم تأثير والده، ليو، الذي تبناه والدان من الطبقة العاملة في غلاسكو، قبل أن يصبح محامياً ومحاضراً في القانون. وكان ناشطاً سياسياً يطمح إلى دخول البرلمان نائباً. وقد انتهى ليو محافظاً، بعدما تبرأ من شيوعيته في شبابه، وصار في مطلع ستينيات القرن الـ20 من المبكرين في تبني النهج التاتشري.
وحين حالت جلطة دون تحقيق طموحه السياسي، ربما انتقل ذلك الطموح إلى توني، وكان في الحادية عشرة. ومع أنه تمرد على والده بتبنيه سياسة "يسار إنساني"، فإنه أراد في الوقت نفسه أن ينجح نيابة عنه. والشيء الآخر الذي أورثه إياه والده كان فهماً غريزياً لشعار مارغريت تاتشر "الاعتماد على النفس"، حين وجهت في الثمانينيات ضربات ساحقة إلى حزب العمال.
وبمحض الصدفة، جاء تشارلز مور، كاتب سيرة تاتشر، ليتحدث إلى طلابنا في "كينغز كوليدج" أمس، وقال إنها كانت، مثل بلير، تقاوم الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بحياتها المبكرة ودوافعها، وإن كانت تتهرب منها بأسلوب مختلف. وعندما سألها عن والدتها، التي كانت تربطها بها علاقة عاطفية فاترة، قالت إن والدتها قامت بأعمال تطوعية رائعة: "وهذا هو حال نساء بريطانيا. يقمن بأعمال تطوعية مذهلة، بخلاف النساء الفرنسيات". وقال مور: "ثم تهربت إلى تعميمات كانت أيسر عليها، بدلاً من الخوض في خصوصياتها".
أما أسئلة وولدمان عما كان بلير يفكر فيه "في منتصف الليل"، فقوبلت بمراوغة أكثر وعياً. وعندما قال بلير إنه لن يجيب عن هذا السؤال، احتج وولدمان قائلاً: "لماذا لا؟ أنت لم تعد سياسياً". فرد بلير: "السياسي يبقى على الدوام سياسياً".
وهذا صحيح في حالته، فهو لا يزال ناشطاً سياسياً بالمعنى الأوسع. ففي هذا الأسبوع، حضر الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" الذي شكله دونالد ترمب سعياً إلى إيجاد مسار للمضي قدماً في غزة. وكما تقول ابنته كاثرين في الفيلم: "هو لم ينته بعد".
وهذه هي المرة الأولى التي تجرى فيها مقابلة مع كاثرين حول والدها، وكانت اللقطات التي ظهرت فيها مع شقيقيها إيوان وليو ووالدتها شيري هي الجزء الأكثر قيمة في الفيلم. وهو ما يؤكد أن عائلة بلير لم تكن مجرد واجهة علاقات عامة، مع كونه أول رئيس وزراء في عصر التلفزيون لديه أطفال صغار في "داونينغ ستريت"، بل كانت عائلة حقيقية.
ذات مرة، أثناء حديث غير مخصص للنشر مع بلير في مكتبه في "10 داونينغ ستريت"، قاطع أفكاره الكبيرة دخول ليو، وكان في الرابعة من عمره، ليقول له تصبح على خير. وبعد عقدين من الزمن، صار ليو يظهر في مقابلات تلفزيونية يتحدث فيها عن نشأته داخل مقر رئاسة الوزراء خلال الأعوام السبعة الأولى من حياته. وقال مرة: "أتذكر أنني كنت حزيناً جداً" عندما اضطرت العائلة إلى مغادرة المقر عام 2007.
ولا تزال شيري غير متصالحة مع مغادرة العائلة. ولم يخفت عداؤها لغوردون براون مع مرور الزمن. وعندما سئلت عما قالته لتوني حين فكر في التنحي قبل انتخابات عام 2005، أجابت: "لا. لا تفعل". وحين سئلت إن كانت تعتقد أنه أخطأ عندما سلم المنصب لبراون بعد عامين، قالت: "نعم، أعتقد ذلك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أتذكر نقاشاً مع شيري حول خصوصية الأطفال، على ما أظن بعد ظهورهم عند باب "10 داونينغ ستريت" عقب انتخابات 2001. وقد رفضت فكرة إبعادهم عن الأضواء، قائلة: "هم أيضاً يريدون أن يكونوا جزءاً من ذلك". ولا يزالون كذلك.
وكشف إيوان جانباً من طبيعة العلاقة داخل العائلة مع تراجع شعبية والده بعد العراق، قائلاً: "كان بيننا تفاهم متبادل. لم نكن لنسمح له بأن يرى مدى تأثير ذلك فينا، ولم يكن ليسمح لنا بأن نرى مدى تأثيره فيه".
أعتقد أن الفيلم قدم تصحيحاً مهماً لميل بلير إلى تقديم نفسه بوصفه شخصية استثنائية لها مهمة تاريخية، لا كسياسي عادي يخضع للنقد والمحاسبة. فقد أعاده إلى جذوره: إلى العائلة التي نشأ فيها، وإلى العائلة التي كونها مع شيري.
وكانت ردود الفعل على الوثائقي معبرة. فقد كتب أحد المعلقين أن "افتقار بلير إلى التأمل الذاتي أمر محير". ولم يستوعب آخرون كيف لا يزال يدافع عن إطاحة صدام حسين، ووجدوا عبارته "التاريخ لا يصدر حكمه سريعاً" مزعجة.
لكن الردود الأكثر إثارة للاهتمام كانت أكثر وضوحاً. فكل عام يصبح من الأسهل شرح نقاط قوة بلير كرئيس للوزراء للطلاب، إذ يكشف كل من خلفائه، بطريقة أو بأخرى، هذه النقاط من خلال نقاط ضعفهم المقابلة. وقال أحد المراجعين المحافظين: "اليمين يحتاج إلى توني بلير خاص به". وكذلك اليسار.
© The Independent