Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فوضى العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي تجتاح مكاتبنا

هل لاحظت أن بريدك بات يمتلئ بتقارير وعروض تقديمية تبدو آلية ومصطنعة بشكل مريب؟ لست وحدك. نستكشف هنا كيف تسللت هذه الفوضى إلى عملنا ولماذا قد تكون مضرة بمساراتنا المهنية

مع تزايد المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بتنا أنفسنا أشبه بالروبوتات (غيتي)

ملخص

تؤدي سهولة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى المطلوب في العمل، إلى نقل أعباء التدقيق والتغيير والأنسنة إلى من يدقق في ذلك المحتوى، ومن ثم يحدث تباطؤ فعلي في زمن العمل بدل أن تؤدي التقنيات الذكية إلى اختصار وقته، وهو ما تعد به التكنولوجيا باستمرار. ويتضمن ذلك أيضاً ضمور القدرة على التفكير النقدي لدى الجيل الشاب من الموظفين، وتآكل مهارات التمرس المعرفي لدى الجيل الأقدم أيضاً.

على مدى العام الماضي تقريباً، لاحظت جينا* أن عبئاً جديداً ومُحبطاً بات يتسرب باستمرار إلى واجبات عملها. وبوصفها متخصصة في مجال التواصل، فإن شطراً كبيراً من عملها يتمثل في تقديمها يد العون إلى زملائها في كتابة النصوص والرسائل الإلكترونية والتدوينات على منصة "لينكدإن". وفي الآونة الأخيرة، باتت كل المسودات التي تتلقاها من مساعديها تحمل مواصفات متشابهة بأنها "غريبة ويصعب عدم التقاط نبرتها غير البشرية أثناء قراءتها".

والسبب، كما تقول، أن هؤلاء لم يعودوا يبذلون جهداً في صياغة أفكارهم بأنفسهم كما كانت الحال قبل عصر الذكاء الاصطناعي، بل يكتفون بإدخال بعض الأفكار في روبوتات المحادثة، ثم يرسلون المخرجات مباشرة إلى جينا، وغالباً من دون حتى مراجعتها. وهكذا تجد نفسها مضطرة إلى قضاء ساعات طويلة في تعديل هذا المحتوى "وإضفاء طابع إنساني عليه"، وهي مهمة "أصعب بكثير من تحرير نص كتبه شخص حقيقي". بل إنها اضطرت إلى البدء "بإعادة مسودات الرسائل والمقالات إلى أصحابها، مطالبةً إياهم بإزالة أثر الذكاء الاصطناعي منها، لأنها تبدو غريبة للغاية". وتضيف: "بعضهم يغضب مني بسبب ذلك".

وباتت جينا تغرق في ظاهرة "المحتويات الرديئة المولّدة بالذكاء الاصطناعي". وظاهرياً، تبدو تلك المحتويات مقبولة، لكن بشيء من التدقيق فيها، يتضح لك بسرعة أنها تفتقد إلى مضمون فعلي، أو أنها مليئة بالأخطاء (وأحياناً، تتضمن الأمرين معاً). وتبدو تلك المحتويات الرديئة صقيلة لكنها فارغة، وصيغُها ماهرة لكنها بلا روح. وبحسب جينا، "تتمثل المشكلة في عدم وجود وعي كافٍ عن كيفية قراءة النصوص الرديئة المولّدة بالذكاء الاصطناعي، ومدى انكشافها ومقدار الإساءة التي تحدثُها لصورة الأشخاص والشركات"، مضيفةً "لستُ كلياً ضد استعمال الذكاء الاصطناعي في العمل، لكني أعتقد بضرورة أن يثقّف الناس أنفسهم في شأن استخدامه بشكل أكثر ذكاءً، وعدم الاكتفاء بالاعتماد عليه في الأشياء كلها بشكل مطلق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليست جينا وحيدة في القتال ضد المدّ المتصاعد من المحتوى الرديء. وفي العام الماضي، أظهر مسح استطلاعي لمن يعملون في أميركا أن 40 في المئة منهم تلقوا محتويات رديئة وردتهم من زملائهم خلال شهر سابق. وفي تقرير آخر أُجري في المملكة المتحدة، قُدرت المدة التي يقضيها الموظفون في التحقق من الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي أو تصحيحها أو إعادة إنجازها، بأنها تكاد تعادل الوقت الذي يستخدمون فيه هذه الأدوات طوال أسبوع العمل. ووجد التقرير ذاته أن 32 في المئة من الموظفين يعانون ما يُعرف بـ"الإنهاك المرتبط بالذكاء الاصطناعي"، أي الإرهاق الذهني الناتج عن التدقيق المستمر في مخرجاته.

وبالطبع، ثمة مفارقة ساخرة في ذلك لأن تلك الظاهرة تتناقض مع ما يقال لنا باستمرار بأن الذكاء الاصطناعي سيُحدث ثورة في عالم العمل، وينقله إلى وضعية أفضل. ومع ذلك، هنالك من لا يبدو لهم ذلك التطور إلا كعنصر يجعل العمل أشد صعوبة، وأقل إنتاجية. وفي مسح نهضت به أخيراً شركة "ووك مي" WalkMe للبرمجيات الرقمية، تبيّن أن 66 في المئة من المشاركين قالوا إن الذكاء الاصطناعي لم يساعدهم فعلياً في زيادة سرعة العمل، ولم يقدم لهم زيادة في أوقات الفراغ. وذهبت مجلة "هارفرد بيزنس ريفيو"، في أواخر العام الماضي، إلى حد إعلان أن فوضى العمل هذه "تدمّر الإنتاجية".

عندما يكون الموظفون "تحت ضغط مستمر"، ومستنزفين بفعل "التوفيق بين مطالب عدة"، قد يبدو الذكاء الاصطناعي، كما يقول مدير برامج التدريب التنفيذي في "مركز القيادة الإبداعية"، فريد فونك، وكأنه "طريق مختصر يمنح إحساساً بأنه ’جيد بما يكفي‘". فحين ترتفع التوقعات إلى سقوف عالية وتتزاحم المواعيد النهائية، يصبح من السهل فهم لمَ يلجأ موظف مرهق إلى "تشات جي بي تي" أو "كوبايلوت" في ساعة الحاجة. ويضيف فونك أن "الذكاء الاصطناعي يبدو، بالنسبة إلى كثيرين، كأنه عصا سحرية رقمية، يزيل العوائق، ويخفف العبء الذهني، ويمنح نتائج فورية. وفي عالم يقدّس الراحة أكثر فأكثر، يصبح هذا الإغراء شديداً".

وفيما قد يبدو الذكاء الاصطناعي كفؤاً من الناحية النظرية، إلا أن ذلك المحتوى الزاهي يحتاج في الغالب إلى تنقيته بأيدٍ أخرى، بمعنى أن يعمل عليه زملاء آخرون. ووفق شريك التنبؤ بالمهارات لدى مزود التدريب "بي بي بي" BPP نيك رينر، "إن تكلفة المخرجات الرديئة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، لا تُلقى في الغالب على الشخص الذي أنتجها، فقد يعمد مدير بهدوء، إلى إعادة صياغة نص يبدو غريباً لتفادي التأخير، أو يتدخل زميل لإصلاح عرض تقديمي قبل أن يصل إلى الزبون".

وكذلك يورد رينر أن هذا "العمل التصحيحي" يميل إلى الحدوث "بصورة غير رسمية، وكجزء من العمل اليومي"، ومن ثم، قد يصعب تحديد كميّة تأثيراته. ويضيف، "حينما تختصر ساعة من وقت التوصل إلى المسودة الأولية، يستلزم الأمر 40 دقيقة للتثبت منها وتصحيحه أو إعادة كتابته". ومن ثم يعني ذلك أننا ببساطة، ننقل "نقاط الاختناق" في سير العمل من زمن الإنتاج (الوقت الذي يُنفق في الكتابة)، إلى مرحلة المراجعة (الوقت الذي يُصرف في تحرير النص المُنتج). ويترتب على ذلك أن الذكاء الاصطناعي لم يؤد بالضرورة إلى خفض عبء العمل، بل اقتصر أمره على تحريك مساره قليلاً. ولاحظ رينر أن ذلك "يثير سؤالاً أساساً عن الكفاءة، فهل حدث اختزال أصيل في الوقت أم أن الأمر اقتصر على نقل العبء إلى نقطة أخرى في مسار العمل؟".

وتعرف المتخصصة في استراتيجيات العلامات التجارية مؤسسة شركة "براند باي ديزاين" Brand by Design، روزي ويلكنز، هذه الإحباطات من كثب - بل غالباً ما تكون هي من يتولى هذا "العمل التصحيحي". وتعمل مع الشركات والمؤسسات الصغيرة، بغية مساعدتها في صياغة كياناتها الأصيلة على الإنترنت. وفي الآونة الأخيرة، "أشعر أنني أرتطم بكثافة بهذا الجدار من الذكاء الاصطناعي"، وفق كلمات ويلكينز، فيما يرسل إليها بعض العملاء "غوغل دوكس" Google Docs مملوءة بنسخ محتويات ولّدها الذكاء الاصطناعي لاستخدامها في التدوينات على منصات "سوشيال ميديا". وتقول "أنت لم تكتب ذلك. وبالتأكيد، أنت لم تعد قراءته. ومن ثم أنا أستغرق وقتاً أطول بشكل متزايد في المراجعات وصوغ التغييرات".

وفي الغالب، ينتهي الأمر بويلكينز إلى التخبط في قراءة "فقرات اللاشيء"، وباتت فائقة التنبّه إلى العلامات الدالة التي تؤشر إلى أن قطعة ما قد كتبها "تشات جي بي تي" أو "كلود"، لا قلم إنسان حي نابض. وتقول: "أعتقد أن أكثر علامة يعرفها الجميع هي الشرطة الطويلة (—)، وهو أمر مزعج لأنني كنت أستخدمها كثيراً في كتابتي". وتضيف "وفكرة أن كل شيء يُنجز ’بهدوء‘ تثير أعصابي فعلاً - كلمة ’بهدوء‘ تُستخدم بكثرة". والمفارقة أنه أثناء كتابة هذا المقال، تلقيت عدداً لا بأس به من الرسائل من متخصصين يخبرونني أن فوضى العمل تستولي "بهدوء" على صناديق بريدنا - يا للسخرية.

وتوضح ويلكنز أن النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي "تميل إلى حشد جمل قصيرة ومتقطعة بدل أن تنساب بسلاسة" (ويمكن ملاحظة ذلك في منشورات "لينكدإن" الطويلة التي تُنسق كقصيدة حداثية). غير أنها تشير إلى أنه "ما إن يبدأ الناس بملاحظة هذه السمات حتى يقولوا لذكائهم الاصطناعي: لا تستخدم هذه الصيغ". لكنها تستدرك "عندها ستظهر سمات أخرى. وبعد شهرين، على الأرجح، سنكون نحدد مؤشرات مختلفة تماماً".

ولا يقتصر أمر المحتوى الرديء على كونه مصدر إزعاج، بل تترتب عليه تداعيات ملموسة فعلياً. وفي أبريل (نيسان) الماضي، اضطرت شركة "سوليفان أند كرومويل" Sullivan & Cromwell المتخصصة بالاستشارات القانونية إلى الاعتذار لقاضٍ فيدرالي في نيويورك عقب تقدمها بوثائق إلى المحكمة تضمّنت "هلوسات" ولّدها الذكاء الاصطناعي، شملت إحالات خاطئة واقتباسات غير دقيقة من قانون الإفلاس الأميركي. وعام 2025، اضطرت شركة الاستشارات "ديلويت" Deloitte إلى رد جزء من أتعاب بلغت 440 ألف دولار أسترالي (نحو 315 ألف دولار أميركي)، بعدما تبين أن تقريراً أعدته للحكومة الأسترالية تضمن أخطاء ناتجة من الذكاء الاصطناعي.

وتفضي تلك الوقائع كلها إلى إثارة سؤال جلي عن سبب استمرار الناس في تقديم ذلك النوع من المحتوى الرديء على رغم اتضاح أنه قابل للانكشاف، وعلى رغم ما يحمله من أخطار جسيمة على السمعة؟ ويجيب رينر، "بعضهم لا يرى المشكلة فعلاً. لقد توقفوا عن قراءة مخرجاتهم بعيون نقدية، لأن عملية توليدها [بالذكاء الاصطناعي] منحتهم إحساساً بأنها عمل منجز".

ويختم بالقول "وعندما لا تترتب أي عواقب على تقديم عمل رديء، يستمر هذا السلوك".

وفي المقابل، تعتقد ويلكينز بأننا شارفنا على الوصول إلى نقطة يعتبر فيها الذكاء الاصطناعي محموداً إلى حد أنه "يعطي الانطباع بأن أفكارنا الأصلية لم تكن جيدة بشكل كافٍ". ولكن، لنتذكر أنه "ليس من خلل في ما رغب فيه دماغك عند صياغة جملة ما أو الطريقة التي أردت إيصال تلك الفكرة. ولأن الذكاء الاصطناعي بات حاضراً في كل مكان، نشعر وكأن عملنا يمكن أن يكون أفضل، ولذلك نحتاج إلى تمريره عبر الذكاء الاصطناعي. مع أنه كان جيداً منذ البداية".

وعلى المدى الطويل بحسب فونك، ثمة خطر بحدوث "تآكل تدرجي في مهاراتنا الأساسية كاستنباط الأفكار وكتابتها وتنظيم صياغتها"، على غرار ما يحصل للعضلات من وهن إذا تُركت من دون استعمال فعلي. ولن يقتصر أمر تلك الخسارة على المبتدئين في المسار المهني.

وبحسب رينر، إن قدرتنا المهنية في الحكم على الأمور تتشكل "من خلال معاناة إنجاز العمل، لا مجرد إتمامه". وإذا كان الموظفون الأصغر سناً "يلجأون باستمرار إلى اختصار تلك المعاناة، فقد لا تتطور هذه القدرات لديهم بالكامل أبداً". أما بالنسبة إلى أصحاب الخبرة، فإن "إزالة العمل القائم على التعلّم بالممارسة تخلق خطراً مختلفاً"، يتمثل في "ضمور الخبرة". فـ"المهارات التي لا تُمارس تتآكل، حتى لو كانت راسخة في وقت من الأوقات".

إنها صورة كئيبة عموماً، وإن كان رينر يلفت إلى جانب مضيء نسبياً، يتمثل في أن القدرة البشرية على التمييز "بين مخرجات الذكاء الاصطناعي، ما هو مقنع منها، وما هو معيب على نحو دقيق، وما هو خاطئ بثقة وبطريقة قد تفضي إلى عواقب حقيقية" - مرشحة لأن تتحول إلى مهارة "تزداد قيمة وأهمية" مع مرور الوقت.

لذا، في المرة المقبلة التي يخطر لك فيها استرضاء زميل، يكرر السؤال عن تقرير ما، من خلال إرسال نص مُلفق بسرعة عبر الذكاء الاصطناعي، ضع في اعتبارك أن ذلك الزميل يمتلك وعياً كافياً عمّا فعلته أنت، وأنه ربما يشعر بالاستياء. وإن لم يكن هناك ما يمكن تداركه، فاحرص في الأقل على حذف تلك الشرطات الطويلة.

*جرى تغيير الاسم

© The Independent

المزيد من منوعات