ملخص
"هل سأخرج من خيمتي التي تغرق في الطين لأشاهد مباراة في ملعب مكيف، ابنوا لي جداراً يحميني قبل أن تبنوا لي مدرجاً أهتف فيه"، و"علموا ابني القراءة أولاً ثم علموه كيف يسجل الأهداف، قبل أن تجلبوا ميسي ورونالدو لافتتاح ملعبكم، اجلبوا أطباء وأجهزة رنين مغناطيسي"... آراء صادمة وغاضبة للغزيين على خطة الاتحاد الدولي لكرة القدم لإعمار القطاع كروياً.
يثبت دياب إبرة محرك الراديو على تردد قناة تبث الأخبار، وينشغل في إصلاح الأعطال التي أصابت خيمته يخيط الخروق التي سببتها الأمطار والرياح، ويستمع إلى خطاب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو للإعلان عن بناء استاد وطني جديد وخطة متكاملة لإعادة إعمار رياضة غزة.
لم يستغرب دياب من أي حديث لرئيس "الفيفا" ولكنه عندما أفصح عن تخصيص قيمة 75 مليون دولار لملاعب كرة قدم شهق أنفاسه مندهشاً، وعقب على ذلك بقوله "لا بد أن أحداً لعب بإعدادات اهتمامات العالم، يريدون إعمار رياضة غزة ويهتمون ببناء استاد وطني ويتجاهلون وضع خيمنا المهترئة وأحلامنا بكرفان نعيش به بدل حياتنا في قطع الخيم".
خطة الفيفا في شأن إعادة بناء رياضة غزة، وواقع الحياة في القطاع كانا دليلاً واقعياً يعبر عن التناقض الصارخ، لذلك تحول الموضوع إلى مادة دسمة للجدل والسخرية السوداء، ولم يقتصر على رأي السكان والشارع الشعبي، وإنما كان له صدى مثير في المحافل الكروية ووجد أبعاداً سياسية.
خطة فيفا لغزة
بعد كشف الفيفا خطتها لغزة، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعيداً جداً ووصف مستقبل غزة بـ"الريفييرا"، لكن هذا المصطلح خلق موجة من التندر المرير بين الغزيين، ففي شوارع خان يونس جنوباً وغزة شمالاً التي سحقت معالمها، كان الناس يتساءلون كيف يمكن بناء ملعب وطني بكلفة 50 مليون دولار في بقعة جغرافية تفتقر لأدنى مقومات الحياة؟
تقوم خطة الاتحاد الدولي لكرة القدم الكبرى لإعادة إعمار البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة على كلفة إجمالية تصل إلى 75 مليون دولار، وتتضمن المبادرة التاريخية التي لم تعرفها غزة من قبل سلسلة مشاريع رياضية متكاملة.
بكلفة تقديرية تبلغ 50 مليون دولار، تخطط الفيفا لبناء استاد وطني جديد بسعة تصل إلى 25 ألف متفرج، وسيتم بناؤه كموقع مركزي يكون بمثابة مرساة مجتمعية وهوية وطنية للرياضة الفلسطينية.
بالإضافة إلى ذلك، تخطط فيفا لبناء خمسة ملاعب كاملة الحجم موزعة على المحافظات الخمس الرئيسة في قطاع غزة (شمال غزة، غزة، الوسطى، خان يونس، رفح) لتمكين الأندية المحلية من العودة للمنافسات الرسمية.
وأيضاً، سيتم إنشاء 50 ملعباً مجتمعياً مصغراً في المناطق السكنية المكتظة وقرب المدارس والأحياء الشعبية لتكون مساحات آمنة للعب المجتمعي وتطوير مهارات الصبيان والفتيات الرياضية.
هذا ليس كل شيء، إذ سيتم إنشاء أكاديمية كروية لتطوير المواهب الفلسطينية الشابة من سن مبكرة وتوفير مسارات احترافية عبر مركز تميز يدمج بين الرياضة والتعليم، إذ تصل كلفة "أكاديمية فيفا" الإجمالية 15 مليون دولار.
وستعمل فيفا على برنامج FIFA Football for Schools، سيتم إطلاقه بالتزامن مع المرحلة الأولى للملاعب المجتمعية ومن خلاله سيتم دمج كرة القدم في المناهج التعليمية وتوزيع المعدات الرياضية.
خطوة تاريخية بعد خسائر تاريخية
يعقب رئيس فيفا جياني إنفانتينو على المبادرة قائلاً "هذه خطوة تاريخية تهدف للمساعدة في عملية التعافي في مناطق ما بعد النزاع، سنوفر في غزة فرص عمل للشباب وسوف نستخدم كرة القدم كأداة لدعم مسار التعافي والاستقرار طويل الأمد في القطاع".
في الواقع تحتاج غزة إلى إعادة بناء الرياضة، إذ تسببت الحرب بخسائر هي الأقسى في تاريخ الرياضة العربية، فهي لم تقتصر على البنية التحتية، بل شملت رأس المال البشري والنشاط الرياضي بالكامل، حيث قتل أكثر من 300 لاعب كرة قدم في مختلف الدرجات (الممتازة والأولى والثانية).
وبحسب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم فإن الرياضة الفلسطينية فقدت أسماء بارزة مثل مدرب المنتخب الأولمبي وعشرات الحكام والمدربين المعتمدين وأعضاء المنظومة الرياضية.
أما على سياق المرافق الرياضية فإن 45 مرفقاً ما بين الأندية والمقرات والصالات الرياضية ومخازن المعدات تعرضت لتدمير كلي أو جزئي ولحق دمار واسع في الملاعب المعشبة صناعياً والصالات المغطاة التي كانت تخدم آلاف الناشئين.
وبسبب الحرب توقف الدوري العام وكأس غزة وكافة المسابقات الرسمية، وحرم آلاف الأطفال والناشئين في الأكاديميات من حقهم في التدريب والتطور، مما خلق فجوة زمنية ستحتاج إلى أعوام لتعويضها.
بالمجمل تقدر الكلفة المالية لإعادة بناء المنظومة الرياضية في غزة حسب تقديرات الفيفا إلى أكثر من 100 مليون دولار، لهذا السبب جاءت "خطة الفيفا 75 مليون دولار" كمحاولة لترميم هذا الدمار الهائل، لكنها تظل محل جدل مقارنة بحجم المأساة الرياضية والإنسانية.
سخرية سوداء
يرى الشارع الغزي أن الخطة التي أعدتها فيفا تعاني انفصاماً عن الواقع، والآراء التي رصدناها من الأسواق ومخيمات النزوح والشارع الغزي كانت تعكس غضباً وصدمة الأولويات المقلوبة وسخرية سوداء.
يسود شعور بالذهول تجاه فكرة بناء ملعب وطني بـ50 مليون دولار، يقول أدهم "أشعر بصدمة الأوليات المقلوبة، هل بات الاستاد في رأس هرم الأولويات وخيم النازحين ومساكنهم في قاعدة الهرم، يبدو أننا أمام سخرية مريرة، بدل من دفع هذه المبالغ على أعشاب صناعية نفضل استيراد كرافانات بها".
يبدي الغزيون مقارنة صادمة بين واقع الأرض ووعود "الفيفا" يقول بلال "ملعب وطني أم مقبرة وطنية، هل سنلعب الكرة فوق رفات أصدقائنا، أم أن الفيفا ستوفر لنا أطقم لعب مضادة للرصاص؟".
ويستغرب وسيم تجاهل الفيفا الحاجات الأساسية للغزيين، ويقول "كيف سنلعب الكرة ونحن لا نجد ماءً نظيفاً أو دواءً، بناء ملاعب وسط الركام هو تجميل للقبح وتجاهل لأزمة السكن والغذاء التي لم تحل بعد، دعنا نقارن بين الرفاهية الموعودة وبين واقع الخيم الغارقة وتفشي الأمراض، إن الخطط تعد فنتازيا غير واقعية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يعتبر الغزيون أن الحق في الأمان يسبق اللعب، وأن خطة الفيفا محاولة دولية للقفز فوق الجراح، يقول حسين "العشب الأخضر مقابل الخيم المهترئة، بينما تتحدث الخطة عن فرش ملاعب بعشب اصطناعي من الجيل الأحدث، يعيش مئات الآلاف في خيم من القماش والبلاستيك لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء".
أما آية تقول "هل سأخرج من خيمتي التي تغرق في الطين لأشاهد مباراة في ملعب مكيف، ابنوا لي جداراً يحميني قبل أن تبنوا لي مدرجاً أهتف فيه، الفيفا تريد إضاءة الملاعب لنلعب ليلاً، بينما نمشي في شوارع مدمرة تماماً ومظلمة، ونعود إلى بيوتنا لشحن هواتفنا من بطاريات تالفة".
ترد الأم وفاء على بناء أكاديمية فيفا قائلة "علموا ابني القراءة أولاً ثم علموه كيف يسجل الأهداف، قبل أن تجلبوا ميسي ورونالدو لافتتاح ملعبكم، اجلبوا أطباء وأجهزة رنين مغناطيسي لعلاج آلاف اللاعبين الذين بترت أطرافهم في الحرب".
وتضيف بسخرية سوداء "الفيفا مهتمة بالتأكد من صحة هدف ونحن لا نزال نبحث عن مفقودين تحت أنقاض بيوتنا بأيدينا العارية، الفيفا ستوزع تذاكر VIP لحضور مباريات السلام، لكننا نفضل لو وزعت كوبونات طحين VIP لأننا لا نستطيع تشجيع ميسي ونحن نتضور جوعاً".
آراء الشارع الغزي يرى في خطاب الرفاهية انفصالاً تاماً عن الواقع، واستهانة بحجم الكارثة الإنسانية التي يعيشونها يومياً، وأن هذه المشاريع هي محاولة لتخدير الوعي العام وتصوير غزة كأنها عادت لطبيعتها من خلال الرياضة.
المنظمات الرياضية تبنت المشاعر الشعبية
تقاسمت المنظمات الرياضية الفلسطينية المشاعر الشعبية لكنها صاغت ردها في إطار حاد للضغط على الفيفا، يقول رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب "الأولوية اليوم لمحاسبة الاتحاد الإسرائيلي على تدمير المنشآت الرياضية وقتل الرياضيين، ومشاريع إعادة الإعمار يجب أن تتم بالتوافق التام مع النظام الأساسي للفيفا الذي يحترم استقلالية الاتحادات الوطنية".
ويضيف الرجوب "بناء الملاعب على رغم أهميته لا يعفي من مسؤولية التحقيق في استهداف الرياضيين والمنشآت، يجب محاسبة الاتحاد الإسرائيلي وتعليق عضويته بسبب الانتهاكات الجسيمة بحق الرياضة الفلسطينية، نرفض أن تكون المبادرة محاولة لتبييض الموقف الدولي عبر تقديم مشاريع رياضية براقة بدلاً من محاسبة المسؤولين عن دمار المنشآت الأصلية، ولا نريد رشوة للرياضة الفلسطينية لغض الطرف عن المسار القانوني في المحاكم الدولية".
سياسة ورد من الفيفا
ولم تبتعد السياسة عن الرياضة، إذ رفضت "حماس" التدخل في الشأن الداخلي عبر بوابات رياضية، يقول عضو قيادة "حماس" سامي أبو زهري "إعادة إعمار المنشآت الرياضية هي حق للشعب الفلسطيني وواجب على المجتمع الدولي ولا يجب أن تقايض بتنازلات سياسية أو أمنية، نرفض استخدام الحاجات الإنسانية كمدخل لتمرير أجندات تهدف لتصفية القضية".
وصلت تعليقات الغزيين للفيفا، ورد رئيسها جياني إنفانتينو قائلاً "الفيفا لا تتعامل مع فصائل سياسية بل مع اتحادات وطنية ومعايير دولية، إن بناء الملاعب سيتم تحت إشراف تقني من الاتحاد الدولي لكرة القدم لضمان أن تكون هذه المنشآت لأطفال غزة وللمستقبل بعيداً من الصراعات المسلحة".