ملخص
قد يبدو الأمر مشابهاً للاغتيالات السابقة التي حدثت، بخاصة خلال الستينيات مع فارق واحد أنه إذا كانت نظرية محاولة اغتيال ترمب لأسباب استراتيجية من وراء الأسباب العقائدية صحيحة، فالوسائل التي استعملت، أي تجنيد راديكاليين محليين للتنفيذ، تتماشى مع الاستراتيجيات السوفياتية القديمة خلال الحرب الباردة التي اعتمدت على استعمال شبكات محلية راديكالية لتنفيذ أجندات قوى خارجية.
فتحت الطلقات التي استهدفت الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاحتفال السنوي للصحافة المعتمدة لدى البيت الأبيض في فندق "هيلتون واشنطن" باباً واسعاً لتغيير متوقع على أثر استهداف ليس فقط ترمب، ولكن أيضاً أعضاء في حكومته.
وبغض النظر عن تمكن قوة الحماية الرئاسية من إيقاف المهاجم واعتقاله واستجوابه، فإن هذا العمل بالذات الذي رآه مليارات الناس في العالم يغير ربما الاتجاهات في الولايات المتحدة الأميركية نفسياً وسياسياً وقانونياً وأمنياً، ولا سيما خلال هذا العام الانتخابي بامتياز، إذ سيقترع الأميركيون على من يمثلهم في انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مما سيقرر من سيحسم السياسات الأميركية للعامين المقبلين وربما بعض التقديرات للسنوات الثماني التالية.
سنحاول في هذه المقالة تلخيص أبعاد هذه الحادثة وتأثيرها في الرأي العام والأحزاب والقوى السياسية داخل الولايات المتحدة الأميركية، وقد يكون لنتائجها وقع كبير في العالم أيضاً، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، حيث القوات الأميركية في حال حرب مع النظام الإيراني، مساعدة لإسرائيل التي هي أيضاً وسعت هذه المجابهة إلى "حزب الله" ولبنان.
نبدأ أولاً وسريعاً بموضوع الهجوم المسلح وكيفية التصدي له، فهناك بالطبع في الولايات المتحدة الأميركية نقاشات حادة داخل الإدارة وفي الكونغرس حول أداء الجهاز الأمني للرئاسة الأميركية وعدم منع المهاجم من الوصول إلى الفندق أو إلى مقربة من مكان الرئيس وأعضاء الإدارة، فالمهنيون في الأجهزة الأمنية قالوا بما يلخص إنه إذا لم يكُن المهرجان داخل البيت الأبيض أو في إحدى المؤسسات المحمية الفيدرالية، فلن تتمكن الأجهزة الدفاعية والاستخباراتية والأمنية من الدخول إلى حيث وصل مطلق النار.
ويرد بعضهم أن هذا الشخص وصل إلى نقاط لا يجب عليه أن يصل إليها مع بنادق ومسدسات عدة، مما لم يحصل حتى خلال المهرجانات الانتخابية الكبرى للحزب، حيث هناك عشرات آلاف المواطنين. وسيستمر التحقيق وقد يكون حول موقع معين، أي إضافة مساحة أوسع لحماية الرئيس وحكومته أو إذا بُنيت صالة واسعة جداً مرتبطة بالبيت الأبيض لتصبح الحماية أسهل.
السؤال الثاني هو توصيف هذا الرجل بأنه قادر أو لا على أن ينفذ مهمة عملية من دون دعم لمجموعة خارجية، مما يعني بالعبارة الأميركية هل هو Lone Wolf أي "ذئب منفرد" أو جزء من عملية أكبر. ويقول رأي الأمن التحليلي إنه لو كان عنصراً واحداً ونفذ العملية بنفسه، فلا يمكن إلا أن يكون استشار مراجع أخرى أكبر قبل أن يقوم بهذه العملية، أي إنه حتى لو كان يقرأ مواد راديكالية واتخذ القرار بنفسه، فلا يوجد شيء اسمه اتخاذ قرار منقطع عن الواقع من دون مراجعة ومشاورة عناصر أو قيادات في التيار الذي هو معارض ليس فقط للرئيس ولكن لنظام الحكم في الولايات المتحدة الأميركية. والمراجعة قد تكون معنوية أو سياسية أو ربما عملانية، وفي بعض الحالات فقط نفسية. عدد من اليساريين المتطرفين الذين حاولوا القيام بعمليات كهذه، ومن بينهم من نجح بعمليات إرهابية ضد قيادات في الحزب الجمهوري أو في حق بعض المسؤولين، وبالطبع الكلام نفسه عن الإرهابيين المتشددين المعروفين في أميركا والغرب بـ"الجهاديين" كـ"القاعدة" و"داعش". وبالطبع هناك مجموعات أقصى اليمين التي نفذت عمليات اغتيال أفراد وقتل جماعي. إلا أن المنفذ في قضية استهداف الرئيس، كول آلان Cole Allen بحسب بيانه السياسي يمكن وصفه بناشط راديكالي يساري "ووكي" Wokist.
ولا يزال السؤال حول من شجعه سياسياً، بالتالي أي تكتل سياسي يتحمل مسؤولية هذا العمل. وبعض المراجع في واشنطن تقول إن أصابع الاتهام تتوجه من قبل المحققين أو في الأقل المحللين إلى الجناح
اليساري في الحزب الديمقراطي المعروف بارتباطاته بالجماعات المتطرفة داخل الولايات الأميركية وربما يكون المهاجم في الأقل مشابهاً بصورة عامة للمهاجم الذي حاول الاغتيال عام 2024 خلال حملة ترمب. ومع العلم أن ليست هناك حتى الآن نتائج تحقيقات عن مطلقي النار الاثنين، إلا أن عاملاً جديداً قد يحسب على هذا التحليل وهو قضية قاتل الزعيم الشبابي المحافظ تشارلي كيرك Charlie Kirk لأنه مرتبط أيضاً مع الأجنحة الراديكالية العاملة الآن في الولايات المتحدة الأميركية، ولهذا قد يبحث التحقيق عن الجماعات المتطرفة داخل الحزب الديمقراطي، ولا سيما تلك المترابطة مع القواعد والكوادر النشطة خلال التظاهرات التي قادتها حركة ANTIFA في الماضي وانتشار "حركة دعم حماس" في غزة لاحقاً المعروفة باسم Globalize the Intifada "تدويل الانتفاضة".
وردّ اليسار على ترمب كان واضحاً في رد الفعل الأول لزعماء الحزب الديمقراطي والأجنحة اليسارية والليبرالية والتقدمية على اتهامات الحزب الجمهوري ومصادر الإدارة لها بأنها هي "المؤثرة" في عملية إطلاق النار، وقال السياسيون ولا سيما في مجلسي الشيوخ والنواب والرئيسان السابقان أوباما وبايدن وغيرهما إن أي عمل إرهابي أو عنيف ضد أي مسؤول حكومي أميركي حالي أو سابق إنما يجب التنديد به.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السياسيون الأميركيون بصورة عامة، ولا سيما الذين هم قريبون من تداول السلطة وهم موجودون بشكل عام في الأجنحة على يمين اليسار وعلى يسار الجمهوريين يعرفون أن المس العنيف بمؤسسات الدولة ومن السياسيين بصورة عامة هو خط أحمر، لذا في الساعات الأولى بعد إطلاق النار سارع سياسيو الحزب الديمقراطي إلى التنديد بهذا العمل، ولكن قيادات اليسار سرعان ما حولت الموضوع إلى "مسؤولية للرئيس ترمب"، إذ اتهمته بأنه يساعد الخطاب السياسي المتطرف ويشجع الراديكاليين على التحرك ضد الإدارة. إلا أنهم قالوا إن لا معلومات لديهم حول مرتكب الجريمة إذا كان مرتبطاً بجماعات أو أجنحة للحزب لا سيطرة لهم عليها. واتهم هؤلاء ترمب بمغامرات داخلية وخارجية، وعلى رأسها الحرب على إيران بأنها افتعلت نوعاً من رد الفعل في التيارات الراديكالية وكانت من نتائجها هذه المحاولة لاغتياله وأعضاء في الإدارة، ويستمر الطرفان في تبادل الاتهامات.
وإضافة إلى التحقيقات التي ستأخذ مداها في هذا الموضوع، وربما يصل عملها إلى إعلانات تقوم بها الإدارة في ما يتعلق بالجماعات المتطرفة وتهديد الأمن القومي الأميركي، إلا أن عدداً من التحليلات الواردة من العاملين السابقين في أجهزة الأمن القومي والدفاع اقترح أنه حتى لو كان مطلق النار ليس من أصول خارجية، فإن انتمائه إلى منظمات وتيارات وتشكيلات "وكيه" (أقصى اليسار) يجعل منه هدفاً للتجنيد الراديكالي الداخلي والخارجي.
ومن أهم القوى المتهمة بأنها تستعمل السياسات الداخلية الأميركية والراديكاليين هي إيران، وتضيف هذه التحليلات أن أهم عامل في المعادلة الحالية هو أن الولايات المتحدة الأميركية هي عملياً في حال حرب مع النظام الإيراني، وأن القيادة الأميركية قد صفت قياديين إيرانيين بمن فيهم المرشد الأعلى وقد يكون ما حدث بمثابة رد غير مباشر على ترمب وكبار مساعديه للانتقام للمرشد، بالتالي لإجبار واشنطن على إيقاف العمليات العسكرية ضد إيران.
وكل هذه التحليلات حتى الآن نظريات، ولكنها موجودة وبقوة لدى الطرفين الأساسيين في الولايات المتحدة الأميركية، والخلاصة الكبرى أن مسلحاً حاول اغتيال رئيس الولايات المتحدة الأميركية وأعضاء حكومته. ومذكرته السياسية ليست شخصية بل عقائدية، بالتالي فإن هناك سؤالاً حول الفئة السياسية والعقائدية التي تقف وراء هذا الفكر. والنقاش سوف يكون طويلاً أو صعباً ولكن لا يمكن أن يبقى سراً. فما يسمى "المانيفست" Manifest أي المذكرة التي وزعها مطلق النار عبر عائلته قبل أن يقوم بعمله، ستكون النقطة الأساسية في ملف محاولة أطراف قوية إلغاء عقيدة واستراتيجية وسياسة الرئيس الأميركي. والتاريخ مليء بأمثلة من أطراف راديكالية أو خارجية وصلت إلى قناعة بأن اغتيال رأس الدولة التي يعادونها أكانوا من جماعات داخلية ثورية أو كانوا أعضاء أو مرتبطين بأنظمة وجماعات خارجية لها ملف مع الولايات المتحدة الأميركية أو أنظمة عقائدية معادية، يخدم القضية.
وفي مذكرته، كان مطلق النار واضحاً بأن محاولة الاغتيال "تخدم القضية الثورية". وفي حالات اغتيالات سابقة كانت هناك مصالح ليست بالضرورة "ملفات ثورية" إنما مصالح من نوع آخر، كما حدث مع اغتيال الرئيس كينيدي في بداية الستينيات وبعده مرشح الرئاسة شقيقه روبرت كينيدي وبعدهما الزعيم الأفريقي- الأميركي مارتن لوثر كينغ. وعلى مدى الأعوام كانت هناك محاولات لاغتيال سياسيين من الحزبين. وفي كل مرة تبين أن هناك طرفاً داخلياً عميقاً يسعى إلى معارضة وإسقاط مشروع من هو في رأس السلطة أو من يصعب الوصول إليه وهذا معروف أميركياً، ولكن حول العالم هناك أمثلة عدة لرؤساء وقيادات جرى اغتيالهم بسبب ما كانوا يسعون إليه، ومن الأمثلة الكبرى في الشرق الأوسط اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، ولا يشك أحد بأن المجموعة التكفيرية التي قتلته كانت تهدف إلى إيقاف عملية السلام بين مصر وإسرائيل وفرض نظام إسلامي عسكري على مصر. وفي أفريقيا أمثلة عدة حول الاغتيالات السياسية الكبرى، ونذكر أيضاً في الدول الأكثر ديمقراطية كالسويد اغتيال أولف بالم.
الأمثلة تتعدد ولكن القناعة باتت واضحة، من حاول أن يغتال ترمب وإدارته كان يسعى إلى إسقاط ما يقوم به الرئيس ليس فقط على الصعيد السياسي الداخلي ولكن أيضاً على صعيد السياسة الخارجية عبر مبدأ الأمن القومي لديها.
وإذا أُخذ بهذه النظرية كما يدعي بعضهم، فالنتيجة الأولية ستكون أن من هو في حال حرب مع واشنطن قد يكون هو الذي يسعى إلى إسقاط إدارة ترمب وإلزامها الانسحاب من الحرب التي خاضتها في إيران والتي أدت إلى تصفية رأس النظام وأعداد كبيرة من أركانه.
لكن السؤال الذي يطرح، هل يمكن إثبات أن المرتكب له رابط مباشر مع أية حلقة؟ بعض المحللين يقولون ليس بالضرورة، فالاتفاق النووي الإيراني خلق مصالح مشتركة بين النظام الذي حصل على 150 مليار دولار من ناحية ومن "اللوبي" الذي سعى إلى تنفيذ الاتفاق. وبحسب تحليل كهذا، فإن جزءاً من الاتفاق النووي الإيراني يتعلق بالصندوق المالي فيه الكفاية، مما يعزز شيئين، الأول رفع شعار إسقاط ترمب وإنهاء الحرب الإيرانية من قبل تنظيمات واسعة ومتعددة، ومن ناحية ثانية هناك أصوات متعددة تدعو بسرعة إلى إسقاط الحكومة داخلياً لأسباب أو مصالح اقتصادية وقومية.
وقد يبدو الأمر مشابهاً للاغتيالات السابقة التي حدثت، بخاصة خلال الستينيات مع فارق واحد أنه إذا كانت نظرية محاولة اغتيال ترمب لأسباب استراتيجية من وراء الأسباب العقائدية صحيحة، فالوسائل التي استعملت، أي تجنيد راديكاليين محليين للتنفيذ، تتماشى مع الاستراتيجيات السوفياتية القديمة خلال الحرب الباردة التي اعتمدت على استعمال شبكات محلية راديكالية لتنفيذ أجندات قوى خارجية.
وأفكار وتحليلات كهذه وهي تتسارع في الانتشار، لا بد من أن تنتظر نتائج التحقيقات ولكن ربما التحقيقات ستصل إلى الجذور العميقة لأسباب إطلاق حملة التشويه لاسم ترمب تمهيداً لمحاولتَي الاغتيال. ويجب الأخذ في الاعتبار اغتيال الشاب القيادي الذي كان يقود القواعد الشبابية لترمب، تشارلي كيرك، وهو من أبرز من أعطى النصر إلى الرئيس عندما كان معزولاً. فإن الأمر يبدو أوسع وأعمق من كل ما مر على أميركا في العصر الحديث منذ الحرب الأهلية واغتيال الرئيس أبراهام لينكولن.
نحن بالطبع نأمل ألا تكون هذه الأفكار التي حصلنا عليها مما يُنتج في الصحافة والدوائر المحللة فعلاً قائمة، لأن ذلك قد يكون قريباً من الكارثة، ليس فقط على أميركا، ولكن على الوضع العالمي. والأمل دائماً في أن تحل هذه المشكلات عبر الانتخابات.